أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » الحاكم العربي ومرض الفُصام “الشيزوفرنيا” / المحامي فوزي مهنا

الحاكم العربي ومرض الفُصام “الشيزوفرنيا” / المحامي فوزي مهنا

 لا شيء جديد على شخصية الحاكم العربي، فعبر تاريخنا المجيد تميز الحاكم بالازدواجية والفُصام، فهو بالليل يتعبد الله، وبالنهار ينهب ويضطهد خلق الله، فإن جاء وقت الموعضة تراه من أشد الناس خشوعا وتعففاً وزهداً، فيبكى حتى تخضّل لحيته إلى أن يُغمى عليه، وإن جاء وقت شراء الجواري تراه يشطشط ويسيخ، وإن جاء وقت النظر في شؤون الرعية يزمجر ويتجبَر ويطغى، أليس هذا هو حالنا معهم بالأمس كما اليوم؟.

فهارون الرشيد مثلا كان يحج عاما ويغزو بالعام التالي وفقا لصاحب الأغاني، كان شديد الورع يحب كثيرا الاستماع لعضات شيوخ عصره حتى يغمى عليه، وما أن يصحو حتى يطلب وعضه من جديد ثم يغمى عليه وهكذا وفقا لما أورده الطبري، كان الرشيد يركع مائة ركعة يومياً لكنه كان يسفك الدماء لأتفه الأسباب، كما يقول الدكتور أحمد أمين بكتابه ضحى الإسلام، فضلا عن احتفاظه بألفي جارية في قصره، منهن 300 جارية فقط للغناء والطرب وقد وطئهن جميعا.

يروى أن الرشيد عندما طرب يوما لصوت مغني ألقى على الحاضرين ملايين الدراهم، وعندما أُعجب بصوت مغني آخر قام بتعيينه واليا على مصر، أما الخليفة سليمان بن عبد الملك فبينما كان يتنزه يوما في البادية سمع صوتاً رخيما طربا يغني، فغضب منه باعتباره خطراً على عفاف النساء وسببا لإغرائهن وإفسادهن، فأمر بإخصائه، بينما كان ينام في قصوره مئات الجواري، ومثله الخليفة المتوكل الذي كان يملك بقصوره أربعة آلاف جارية وطئهن جميعاً على ما أورده الطبري.

يجمع الباحثون النفسيون على أن الصرع النفسي المزمن إنما يُسبِّب التواءات وانحرافات نفسية شتى، أليس هذا هو حال بعض سياسيوا وحكام هذه الأمة اليوم؟ فإن قالوا لك أنهم سيذهبون لليسار تأكد أنهم ذاهبون لليمين، ألم يقل مبارك أنه لم يكن ينتوي الترشح بينما استقتل حتى الرمق الأخير للمحافظة على ملكه إلى أن أطاح به العسكر، ومثله فعل الشاويش علي عبدالله الصالح وغيره من جهابذة هذه الأمة؟.

ألم يكن هذا هو حال ملك الملوك القذافي؟ عندما كان يخاطب الليبيين قائلا: “أنا لا أحكم ليبيا ولو كنت كذلك لقذفت الاستقالة فى وجهكم” لذلك لن نندهش ما قال عنه أحد الثوار الليبيين من أنه كان يحمل حجابا لحمايته من العين عندما تم القبض عليه.

أي حكام هؤلاء؟ تنتج ليبيا يوميا أكثر من مليوني برميل من الذهب الأسود، ثم يدعو القذافي شعبه بالهجرة إلى السودان لأن فرص العمل غير متوفرة في بلاد الأخ العقيد، ثم ماذا بعد هذا الفُصام؟ يقول القذافي عن حقوق المرأة “لكل امرأة الحق فى الانتخاب سواء كانت ذكرا أو أنثى”.

أما الشيخ مرسي فقد تخرج مهندسا من أميركا أخذ من القرن الواحد والعشرين كل ما أنتج، لكن بقي تفكيره مرتبطا بالقرن الهجري الأول، ألم يقلها أيضا بأن السلطة ليست فى يده، وإنما هي بيد الشعب، صدام حسين حينما أخذ يستعد لمواجهة ثلاثة وثلاثين دولة بحرب الكويت، وبدلا من يأخذ العبر والدروس من الماضي أخذ يملأ الصحراء بمجسمات خشبية على شكل دبابات وذلك لترويع الأميركيين!.

هل سمعتم بلجنة تحرير القدس التي يرأسها أمير المؤمنين العاهل المغربي؟ هل سمع أحدكم بانجازاتها الخارقة التي من شأنها تحرير ثاني القبلتين؟ منذ مدة قام جلالته بتقليد أرفع الأوسمة “الوسام العلوي” بدرجة ضابط كبير لنائب رئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية بالولايات المتحدة “مالكولم هونلين” ومالكوم هذا هو نفسه من تطلق عليه الجامعات الإسرائيلية والمتشددين الصهاينة لقب وصي القدس وحارس صهيون، فهل هناك ازدواجية أكثر من ذلك؟.

نعم إنهم يضربون أمثلة رائعة في ازدواج الشخصية، آلاف العراقيون يقضون في تفجيرات عمياء والفساد ينخر الدولة، ثم يسميها رئيسها السابق المالكي بأنها دولة القانون، انظروا أين أصبحت دول القانون والمؤسسات باتت في مهب الريح.

ماذا بعد؟ لقد أعيد السوريون سبعون عاما للوراء وتشرّد البشر واغتيل الوطن، ولا يزال هناك من يتحدث عن استمرار مسيرة الإصلاح والتطوير واقتراب ساعات الحسم في فلسطين، في السودان انتفض الشعب على رفع قيمة المحروقات فخاطبهم البشير متفاخرا “أتحدى لو فيه زول سمع بالهوت دوغ قبل حكمي” وكأن السودان قد أصبح مع الهوت بطيخ من الدول العظمى.

في كتابه العرب من وجهة نظر يابانية “نوتوهارا” وهو الذي تعرّف على العالم العربي عن كثب يقول: “يُلاحظ كثرة استعمالهم لكلمة ديموقراطية لدرجة انني شبعت جداً من هذه الكلمة، وكل من له علاقة بالعرب أُتخم منها، وهذا الشبع الزائف يدل بوضوح على غياب الديمقراطية، فمثلا تجلس مع كاتب يتحدث عن الديمقراطية بلا تعب ثلاث ساعات ولا يعطيك مجالا للتحدث.

لقد شبعت وأُتخمت الشعوب العربية من تلك الخطب والشعارات الرنانة، لا بل أخذت تذبحها من الوريد للوريد، أكثر من تحدث وكتب عن الحرية والديمقراطية في العالم هما النظامان السوري والعراقي، يكفي أن أهداف حزب البعث “وحدة حرية اشتراكية” كانت ترددها الحناجر على مدار عدة عقود صباح مساء، ماذا فعلوا لتحقيقها؟ لقد أرعبتهم أول كلمة حرية أطلقها الشعب، بل أفقدتهم صوابهم، فكانت المحصلة الطبيعية ما نشهده اليوم من نتائج كارثية.

أكثر من تحدث وكتب في العالم عن أهمية الوحدة، هم السوريون والعراقيون، وعلى الرغم من أنهم كانوا أبناء الحزب الواحد، ماذا فعلوا لانجازها؟ لقد تنافسوا وتصارعوا لمصافحة كل بعيد وغريب لليمن للسودان لأرتيريا لإيران، لكنهم رفضوا مصافحة بعضهم البعض، وهم لا تفصل بينهم سوى الحدود! وكلنا يذكر عبارة عدا العراق التي رافقت جواز سفر السوريين على مدار عقود، لقد عمل كل منهما بالتحالف مع خصوم الآخر بغية إسقاطه، لا بل رفضوا مصافحة شعوبهم أو حتى القبول بمشاركتها، لذلك كانت النتيجة أنهما لم يفرطا بالوحدة العربية فحسب، وإنما فرطا بوحدة الترابين العراقي والسوري على حد سواء.

أخيرا الدساتير العربية هي الأكثر قدسية نظريا لدى الحكومات العربية، ورغم تفصيلها على المقاس، إلا أنها كانت أول من يطيح بتلك الدساتير، كل تلك الدساتير تدعو لضمان الحريات العامة وحقوق الإنسان، وحكم الشعب والتعددية السياسية، والمساواة وتكافؤ الفرص، وتداول السلطة، إلا أنها في التطبيق العملي خاصة فيما يتعلق بسيادة القانون وحقوق المواطن وترك الكرسي، فهي في وادٍ وتلك النصوص المُجمّدة بوادٍ آخر

ختاما يقول الراحل نزار قباني عن علاقة الحاكم بالرعية: “كلما فكرت أن أتركهم فاضت دموعي كغمامة، فتوكلت على الله وقررت أن أركب الشعب من الآن إلى يوم القيامة



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع