أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » عاشوراء : من وظّف الذكرى كما فعل اليهود بالهولوكوست ؟ بقلم الدكتورة هلا رشيد أمون

عاشوراء : من وظّف الذكرى كما فعل اليهود بالهولوكوست ؟ بقلم الدكتورة هلا رشيد أمون

عبر ” أسطرةِ ” الحدث التاريخي ، وتخصيب صراعات ونزاعات الماضي السحيق، قامت الأيديولوجيةُ الشيعية بتفريغ التصرف الانساني من معناه الحقيقي، وبتوظيف القصص والموروث الديني وأقوال الأئمة وأفعالهم – ولاسيما الإمام عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين – كي يصبح العنف الذي ينتهجه أصحابُها، “مشروعاً” ومبرّراً ومقبولاً به اجتماعياً وعقائدياً، يهدف الى السيطرة على العنف “غير الشرعي” الذي يمارسه الدخلاءُ والأعداء، بل وكي يصبح الفعل العنيف (المقاومة، الثورة، الدفاع عن المقدسات، العدوان، القتل والغزو للدفاع عن سلطة طاغيةٍ ومستبد … ) ضرورياً وواجباً والملاذ الأخير بغية القضاء على الظلم الذي يتسبب به “الآخر” المختلف ( التكفيري، الداعشيً، الوهّابي، العلماني، القومي، العميل، غير الوطني، غير المنخرط في مشروعنا السياسي …) الذي يجب أن تُنزع عنه كل شرعيةٍ وكل قيمةٍ، وأن تتقبّل وتتسامح “جماعتنا” مع أفعال العنف والإقصاء والإلغاء التي تُمارس ضده .

 

ولذلك فقد إندمج هذا “الآخر” في منظومة الإعتقاد لدى هذه الجماعة، وأصبح وجوده “ضرورةً ” لتشريع وتبرير بقاء المؤسسات الدينية والأخلاقية والحزبية والسياسية، ولمنع تغييرها أو رفضها أو الإعتراض على ممارساتها أو الثورة عليها. وبهذه الطريقة، أصبح جوهر النظام الثقافي والعقائدي قائماً على الإيمان بأن القتل والقمع والظلم الذي تعرّض له أفرادٌ في مجتمع معين، في زمنٍ معين، هو الذي إستدعى البحث عن طرقٍ للسيطرة ولرفع العنف والمظلومية، من أجل “تحاشي وقوع عنفٍ أعظم” أو “إحقاق الحق والعدالة والحرية” أو “إسترجاع السلطة التي تمّ إغتصابها” أو من أجل إنهاء الصراع بين الخير والشرّ، العدل والظلم، ولاية الحسين وولاية يزيد، حكومة الفقهاء وحكومة الطغاة….

 

وتحت تأثير الشحن المذهبي، وإستعادة ثنائياتٍ دينية عتيقة ومنتهية الصلاحية: عليّ ومعاوية، الحسين ويزيد؛ وتحت راياتٍ كربلائية تحريضية وتجييشية: لبيك يا حسين، لبيكِ يا زينب، لن تُسبى زينب مرتين، تدفقّت الميليشياتُ والفصائل الشيعية من لبنان والعراق وايران، الى سوريا لتقاوم وتجاهد، ولكن ليس في سبيل الله، أو لكي تواجه وتتصدّى للظلم، بل في سبيل الحفاظ على نظامٍ ظالم وديكتاتوري، ورئيسٍ مجرم وقاتل، وهو ما يؤكد أن الأيديولوجية السياسية الشيعية التي تستغلّ إحياء ذكرى عاشوراء الحزينة – والتي يتخللها الكثير من المشاهد المروّعة لحالات التطبير واللطم والتعنيف الجسدي والحزن والبكاء والعويل – لا تناصر الحق والعدل والمظلومين، ولا تحارب الشرّ والظلم والظالمين، لأنها في الحقيقة، ليست أكثر من ظمأ أبديّ وسرمديّ الى السلطة والغزو والتوسع والسيطرة والإخضاع، يتستر بعباءة الدين والمقدّس ومحبة “الحسين” الذي قتله “يزيد” مرةً واحدةً في الماضي، ويقتله أصحابُ “ولاية الفقيه” مائة مرة في اليوم؛ والذي أصبحت ذكرى مقتله، “ضرورةً وجوديةً” كي يستمر أصحابُ تلك الأيديولوجية في مواقعهم ومناصبهم، و “ذريعةً ” دينية وأخلاقية، كي يستمروا في تغذية خطاب الحقد والعنف والتعصَب والفتنة، و “أسطورةً ” يجددون من خلال روايتها وإحيائها والإحتفال بها، شرعيةَ نظامهم المتهالك والمهدد بالإنهيار

 

 

ذكرى عاشوراء (1): مناسبةُ لتغذية خطابِ الحقد والعنف والتعصّب والفتنة !

 

تختلف القصص عن “التاريخ”، لأن ما يجري الحديث عنه، ليس سلسلةً من الأحداث التي وقعت “هناك” في “هذا” التاريخ بالذات، وإنما يجري الحديث عن أصل “الجماعة” وفصلها وهُويتها وخصوصيتها وكيفية نشأتها وتشكّلها ومصيرها.

وكي يتمّ الحفاظ على القصة (أو الحدث) التاريخية في الذاكرة الجمعية، تتحول الشخصياتُ الفردية التاريخية في هذه القصص، الى ” نماذج أولى”، الى أبطالٍ وقادةٍ ومقاومين ومنقذين ومخلّصين وأئمة وقدّيسين يملكون فضائل عليا وقيماً ومبادئ رفيعة، خاضوا صراعاتٍ مع الأعداء، وكافحوا من أجل تحقيق أهدافٍ ساميةٍ ونبيلة، واستخفّوا بالموت ورحّبوا به، إنتصاراً لقضيةٍ آمنوا بعدالتها وأحقيتها .

وما يهمّ ليس “القصة” أو “الحدث ” أو “الأسطورة”، وإنما كيفية “فهمها” أو ” تفسيرها ” أو “تأويلها”، الذي تستغلّه السلطاتُ والمؤسساتُ القائمة بكل أنواعها، لتفعيل خطابها الأيديولوجي وتعزيز ممارستها السياسية والسلطوية، وذلك من خلال إعادة ترميز تلك القصة وتشفيرها وإعطائها دلالاتٍ ومعانٍ جديدة تتناسب ومصالحها. وأيضاً من خلال تقديس “التجربة الأولى” وإعادة تمثيل أحداثها وتكرار طقوسها وشعائرها الدرامية، لأنّ تلك السلطات التي غالباً ما تدّعي أو تزعم أنها تبحث عن طرقٍ لرفع المظلومية عن جماعةٍ تعرّضت في زمنٍ غابر، للعنف والمظلومية من قِبٓل مجموعة من الأشرار، إنما تسعى في الحقيقة، الى كسب المزيد من الشرعية الشعبية التي لا تستطيع إمتلاكها أو الاحتفاظ بها، إلاّ إذا آمن واقتنع معظمُ أفرادُ الجماعة، بذلك الإدعاء أو الزعم، ووافقوا عليه ودعموه (الصهيونية ومأساة الهولوكوست ).

 

ولقد قامت الثقافة الشيعية على مرّ العصور، بتوظيف “معركة كربلاء”  التي خاضها الحسين في وجه يزيد بن معاوية، والتي حدثت ضمن سياقات تاريخية معينة لها علاقة بالنزاع على الحكم والسلطة، وعملت على تأويل وقائعها واستثمار أحداثها الى أقصى الحدود، معتبرةً أنّ تلك المعركة هي التعبير الأكمل عن التضحية وبذل النفس والمظلومية، والنموذج الفريد الذي يصعب تكراره، والذي يختصر كل التاريخ الاسلامي، الى أن صارت في وجدان بعض الشيعة، رمزاً أبدياً ومقدّساً على “ثورة المظلوم على الظالم” و “يوم إنتصار الدم على السيف “. ومن رحم الإستثمار السياسي لأحداث تلك المعركة، خرجت الشعاراتُ التي تحمل دعواتٍ إنتقامية وثأرية، والكثيرَ من مشاعر الحقد المذهبي والكراهية والغضب على أشخاصٍ رحلوا منذ مئات السنين، وعلى مَن يتمّ تصنيفهم – من باب التزوير والتضليل – بأنهم أحفادهم وورثتهم أو مناصرون لهم عبر العصور، مثل : “لبيك يا حسين” و “لبيك يا زينب” و”هيهات منّا الذلّة”.

 

janoubia