أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » سورية مانعَت؟ أم أدارت ظهرها للتاريخ؟ – المحامي فوزي مهنا

سورية مانعَت؟ أم أدارت ظهرها للتاريخ؟ – المحامي فوزي مهنا

 من يلعب بالنار تحرقه، هكذا هو حال السوريون اليوم، يبدو أنهم يحصدون نتائج ما فعلته أياديهم بالأمس، إذ ليس هناك من شك بأنهم كانوا من أشد المقاومين للمشروع الأمريكي الشرق الأوسطي الجديد في المنطقة، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل أنهم كانوا الصخرة التي وقفت عائقاً حال دون تنفيذ هذا المشروع المُدّمر ولو بعد حين.

ولتحقيق ذلك فقد سخّرت السلطات السورية كل إمكانياتها وعلاقاتها شرقا وغرباً حتى ولو كانت على حساب قناعاتها الفكرية والأيديولوجية، والتي سبق لها أن عملت على التضحية ببعضها منذ خروجها مُكرهةً من لبنان، فيما أخذت تُضحّي بما تبقى من أجل عرقلة تنفيذ ذلك المشروع، من بينها بطبيعة الحال كانت علاقاتها بالجماعات الإسلامية الجهادية، ودورها في تسهيل مرور المقاتلين العرب والأجانب للأراضي السورية وانتقالهم لمنازلة الاحتلال الأمريكي في العراق.

وكلنا يذكر أنه لم يمضِ وقت طويل بعد بدء الضربات العسكرية على العراق بالعام 2003 حتى بدأت وزارة الدفاع الأمريكية بالتعبير عن قلقها من الدعم السوري لما تواجهه من مقاومة شرسة هناك، ففي مؤتمره الصحفي الذي عقده في بغداد عام 2004 قال رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك أن “هناك كثيرون من المقاتلين الأجانب قد وجدوا طريقهم إلى العراق عبر سوريا” وكذلك عندما قامت الحكومة العراقية فيما بعد بتهديد سورية باللجوء لمجلس الأمن الدولي لشكواها.

ووفقا للتقديرات الاستخبارية الغربية فإن 80% من أولئك المقاتلين قد دخلوا عبر الحدود السورية، وأنهم كانوا إلى حد بعيد المسئولون عن معظم العمليات الانتحارية المدمِّرة في أنحاء العراق، وبالتالي فقد اعتبرت تلك التقارير بأن سورية شريكةً في مساعدة هذه الجماعات بسبب توفير الملاذ الآمن لها ولرموزها على الأراضي السورية. والواقع فقد صدر عدد كبير من الدراسات والتقارير التي تناولت هذا الموضوع، قامت من خلالها بتحميل السوريين تبعة ما يحصل في العراق، من ثم تحذيرهم من مغبة أكل السم الذي يطبخونه، من بين تلك التقارير ما نقله في عام 2010 أي قبل أن تجتاح رياح التغيير سورية “مايكل روبن” وهو باحث مقيم في معهد المشاريع الأمريكي

ينقل روبن عن المحلل بالأمور السورية والباحث في معهد هدسون “لي سميث” محذِّراً سورية بقوله أنها تفعل كما فعلت السعودية في عام 1990 عندما اختارت طبخ التطرف الإسلامي من ثم تصديره، بالوقت الذي كانت تنكر على الدوام ذلك، وبهذه الحالة فإن على سورية أن تُصغي للتاريخ، فكما كان ردة فعل الإرهاب بضرب السعودية في نهاية المطاف، أيضاً فإنه يمكن أن تعود تلك التنظيمات لتهديد سوريا ما دامت دمشق تقوم بتدليل ودعم الجهاد على النطاق الخارجي.

ويضيف مايكل روبن أن كثيرين في واشنطن وعواصم أخرى كانوا يتصورون أن سوريا دولة علمانية، لكنها اليوم تشجع كلا من الإسلام الراديكالي والجماعات الجهادية، والفرضية التقليدية التي تعتمد على أن دعم الإسلام المتطرف يقتصر على السعودية و أثرياء الخليج الممولين له لم يعد صالحاً، إذ أن النظام السوري يلعب لعبة خطيرة، أولاً ليس فقط بمعاداته لمصالح الولايات المتحدة، وإنما أيضا بتوظيف إستراتيجية يمكن لها أن تقوض الاستقرار السوري على المدى الطويل.

ثم يختم “روبن” تقريره بالقول: إن إدارة أوباما تأمل بتشجيع النظام السوري بوصفه شريكا للسلام، ولكن لا ينبغي لطموح الدبلوماسية أن يتفوق على الحقيقة، لأن النظام السوري يلعب بالنار أكثر بكثير مما يمكن لسوريا أن تحترق.

وهنا لا بد من التنويه إلى أنه لا يمكن اعتبار كل ما يكتبه الغربيون عن بلادنا وأنظمة حياتنا مجرد هُراء مزيف يهدف لتشويه تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا، كما يروق للبعض أن يراه، إذ لا بد لنا من التمييز بين ما يكتبه المستشرقون منهم، وبين ما تكتبه معاهد الدراسات المتخصصة.

ففي الحالة الأولى تخضع كتابات المستشرق لثقافته التي اختزنتها الذاكرة الغربية، والتي تستحضر دوما الصراع الصليبي الإسلامي، لذلك فهو ينقل الصورة بما يخدم هذا المخزون، فيبالغ في الوصف على حساب الحقيقة، أما في الحالة الثانية فإن ما تكتبه المعاهد الأكاديمية المتخصصة، من دراسات وتقارير غالباً ما تكون على درجة كبيرة من المصداقية والحيادية، وذلك لما من شأن هذه الدراسات والتقارير المساهمة الفعّالة في رسم السياسات الحكومية لتلك المجتمعات، فمواجهة العدو والانتصار عليه إنما يقتضي دراسة ومعرفة بما يفكر، وكيف يتصرف ثم أين يخطئ وأين يصيب، كل ذلك من أجل الوصول إلى السبل الكفيلة لهزيمته.

والمفارقة هنا هي أن السلطات السورية قد نفت مراراً وتكراراً أي تورط لها في تسهيل مرور تلك الجماعات إلى العراق “لأنك إذا قمت بتسخين الإرهاب فسوف يحرقك” كما صرح به الرئيس الأسد بالعام 2007 لشبكة أيه بي سي، مضيفاً “أنه لو كان لدينا هذه الفوضى في العراق فسوف تمتد إلى سوريا، وبالتالي فإن القول إن سوريا تدعم التمرُّد في العراق كأنك تقول بأن الحكومة السورية تعمل ضد المصلحة السورية

بكل الأحوال كان تقرير روبن وغيره من تقارير ودراسات بمثابة إنذار مُبكِّر، أخذت تُحذِّر من خطورة اللعب بهذه النيران، إلا أن السلطات السورية لم تلتقطه، متجاهلة حجم المخاطر الخارجية التي تتعرض لها الدولة السورية، والتي تصفها اليوم بالمؤامرة الكونية، ومتجاهلة بالوقت نفسه خصوصية بيتها الزجاجي الهش، نظراً لما تعانيه البلاد من شلل فرص الإصلاح وتعثُّر مكافحة المحسوبية والفساد وغياب دولة القانون على الصعيد الداخلي.

بل على العكس من ذلك فقد أخذت بالمجازفة أكثر عند بلجوئها للحلول الأمنية لمواجهة الاحتجاجات السلمية التي اجتاحت معظم المناطق السورية، بعد أن وصمتها بالإرهاب منذ انطلاقتها الأولى، بدلاً من اللجوء للحلول السياسية، وما زاد الطين بله هو صدور عفو عام تضمّن إطلاق سراح عدد من المعتقلين على خلفيات جنائية، وذلك بغية عسكرة هذه الاحتجاجات كما ذهب إليه البعض، وهو ما مهدّ لازدياد حجم العنف المتبادل، لأن العنف من شأنه أن يولِّد العنف، ومع ازدياد حجم التدخلات الخارجية، وتراجع سلطة الدولة تفشّت معها ظاهرة الإرهاب وتحوّلت عندها البلاد لإسفنجه أخذت تمتص كل أشرار العالم وأوساخه

أخيراً هل تدفع سورية اليوم ضريبة ممانعتها للمشاريع الأمريكية والصهيونية؟ كما يحلو للبعض القول، أم أن حصاد سنوات الاستبداد المر الذي أدار ظهره لبعض الشعب، وعدم الإصغاء للتاريخ كان هو الخطأ الكبير؟ أم أن تلك الأسباب مجتمعةً هو ما أدى بالشعب السوري ليتجرّع كل هذه السموم اليوم؟



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع