أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » كتاب “التدريب على الرعب” نصوصه تتخذ سمة حكائية / أسماء وأحداث يقرأها الروائي السوري خيري الذهبي بطريقته الخاصة

كتاب “التدريب على الرعب” نصوصه تتخذ سمة حكائية / أسماء وأحداث يقرأها الروائي السوري خيري الذهبي بطريقته الخاصة

كتاب “التدريب على الرعب” دار كنعان، دمشق 2003 ليس رواية ولا مجموعة قصصية، نصوصه تتخذ سمة حكائية واضحة، وإن خاضت مواضيعها في التاريخ القديم والحديث، وفي الحياة الاجتماعية المعاصرة. انها تستنبط وجهة نظر حول ما يجري اليوم للإنسان العربي، الذي صار مهدداً في وجوده الحضاري، سواء من اسرائيل أو الغرب، عبر التكنولوجيا والاستيطان، والحروب، والنظريات الفكرية والنقدية والغاء الهوية، عدا طريقة الملبس والمأكل وازجاء الوقت تيمناً بالحياة الغربية.
أسماء وأحداث يقرأها الروائي السوري خيري الذهبي بطريقته الخاصة، ويعطيها البعد الرؤيوي المسكون بهواجس السياسة والثقافة والمجتمع، وفيها من الطرافة الكثير، وفيها التماعات تخلط ما بين الجملة القصصية والشعر والخواطر. الهنود الحمر، المسادا، غالب هلسا، ادوار الخراط، خير الدين الأسدي، فيروز، جمال حمدان، ابشالوم ابشالوم، كارلوس الأفغاني، الأندلس، جان جينيه، وغير ذلك من أسماء وظواهر وتسميات، تكشف وتضيء بشفافية قراءات خيري الذهبي ومطبخه الروائي، ورؤاه النقدية والفنية والفكرية. وهو يتأمل بقسوة وعطف مشاكل الإنسان العربي وانكساراته وهمومه. وما زاد في متعة قراءة النصوص – المقالات، الأسلوب الفني الرفيع الذي كتبت فيه، والعناية سواء الحكائية أو المكانية. كأن ايصال الأفكار يتم بسهولة ومن غير عنت. وأهمية النصوص – المقالات، تأتي أيضاً، من كون خيري الذهبي روائياً قبل كل شيء، لذلك فهو يضيء في شكل غير مباشر خلفيات شخوصه الروائية السابقة، وحمولتها الفكرية والحضارية، الأمر الذي يوفر مفتاحاً مناسباً لفهم “ليال عربية” و”حسيبة” و”فياض” و”هشام” وغيرها من روايات.
صراع الشرق والغرب، الهوية، الأنا والآخر، المؤامرات، الانتهازية، الأصالة، مواضيع أثيرة في الكتاب، لا تعدم طرحها من زاوية ذات نكهة متفردة. الصراع بين الشرق والغرب واحد من المحاور المركزية في الكتاب، وقد امتد ذلك الصراع، بحسب رأي المؤلف، منذ اليونان، مروراً بالحروب الصليبية، حتى اغتصاب فلسطين ثم الاستيطان اليهودي المتواصل فيها. يرتدي الصراع سمة فكرية مرة، أو محاولة لإلغاء الهوية الحضارية للعرب مرات، كما ويرتدي أقنعة الدسائس والمؤامرات وكتابة التاريخ بتزوير حاذق، ومدروس، يخدم الحاضر غالباً، مثلما فعل ايمانويل فلايكوفسكي الذي وضع كتاباً سماه “عصور في فوضى”، وعالج فيه تاريخ مصر الفرعونية، ودور اليهود فيه.
يستنبط الذهبي فكرته أو وجهة نظره من حدث تاريخي أو أدبي ويعالجه في تفاصيله الدقيقة الى أن يصل الى اقناع القارئ بما تحمله الفكرة من دلالات، لا تخلو من انحياز الى المحلي المصمت الهوية. ثم يرصد الذهبي، بقسوة في كثير من الأحيان، مسألة الغاء الهوية، ويضع في ذلك فصلاً يتناول فيه كلاً من سلمان رشدي ونايبول، وانطون شماس الشاعر والروائي الفلسطيني، الذي كتب بالعبرية فذاع واشتهر بحسب قوله. والذهبي يقول عن هؤلاء: “ألا يذكّركم نايبول وموقفه المعادي لأرض الأجداد وثقافتها، ومحاولته المستميتة الالتصاق بالغرب بالسيد سلمان رشدي، هذا الذي صفى حساباته مع الهند بكتابه “أطفال منتصف الليل”، ثم مع الباكستان بكتابه “العار”، ثم مع الحضارة الإسلامية ككل بكتابه “آيات شيطانية”؟ ألا يذكركم السيد نايبول بالسيد انطون شماس، هذا الشاعر الفلسطيني الذي كتب شعراً كثيراً بالعربية فلم ينتبه اليه أحد، فتنبه لأصول اللعبة وعرف أين تقع خطوط التوتر العالي، التي يجب على من يريد الانطلاق ان يلتصق بها لينطلق، فتحول الى روائـي وكتـب بالعبرية رواية سماها “ارابيسك”، فدخل العالمية وترجم الى الأميركية…”؟
وخيري الذهبي لا يحاكم أدب هؤلاء في شكل فني، رصين، انه يضع الرأي جاهزاً للقارئ، ويركز فقط على جوانب هامشية من ابداعهم، وهذا ربما ما يجعل من وجهة نظره، لا في قضية الغاء الهويات فقط، بل في مجمل استنتاجاته، ضيقة كثيراً وذات صفة دعائية وجاهزة، تقسر الذهن الساذج على التسليم بها. فهو يضع الموقف من اسرائيل والعرب والإسلام معياراً أولاً وأخيراً. وهذا أمر يمثل لنا كعرب أهمية كبيرة من دون شك، لكن ثمة معايير أخرى ينبغي النظر اليها واكتشافها، قد يعتبرها الآخر جوهرية أحياناً، كقضية الكتابة عن المقتلعين والمهمشين والمهاجرين واللغة والاندماج، وكل الظواهر الكوسموبوليتية المعاصرة. لا تشكل الكتابة الكوسموبوليتية أي مأخذ لأن الظاهرة أصبحت عالمية وتخص الشعوب كلها، فالإبداع هو الإبداع سواء كتب عما هو محلي أو عالمي. ثمة هجرات وتداخل أديان وصراع حضارات وانهيار قيم وتزاوج اعراق، امتلكت من التعميم والشمول ثقلاً لا يمكن القفز على وجوده، سواء روائياً أو شعرياً، أو حتى فكرياً.
أما كاتب مثل نايبول فمن المفترض ألاّ ينظر اليه من زاوية انتقاده الإسلام أو الحضارة الشرقية عموماً، إذ ثمة ظواهر أخرى تمتلك أهمية فائقة على الصعيد الأدبي كتب عنها نايبول أو حتى سلمان رشدي، ولا يمكن اغفالها، كالثقافات الهجينة، وصدمة التحضر، والتغيرات الديموغرافية لدى الشعوب. والنظر من زاوية التمحور على الأنا الحضارية، كثيراً ما يضلل الكاتب، ويجعله محصوراً في زاوية ضيقة في قراءته للتاريخ. والمعروف ان التاريخ يشبه السلطعون يتحرك في اتجاهات متعددة، مثلما فعل مع ماركو بولو الرحالة الايطالي حين ألحقه بخانة التجسس والتآمر.
في ذلك الحين كانت هناك اشاعات تتحدث عن آسيوي عظيم في أقصى الشرق الأقصى، يدين بالمسيحية وكان اسمه بريسترجون، وأعجب لويس التاسع بفكرة التحالف مع ذلك الامبراطور كي يضع العالم العربي والإسلامي بين المطرقة والسندان. وهكذا ترك ماركو سرير الأهل الدافئ والغرب وراحة البال، وراح يشق الصحارى الباردة والجبال كي يكون رسول الحضارة الغربية الى الشرق. أطال بولو الاقامة في بلاط الامبراطور المغولي وكتب بعدها مذكراته المعروفة، الا ان احداً كما يؤكذ الذهبي، لم يحاول جلاء غموض السبب الحقيقي لرحلات ماركو بولو، وهو الحلف المغولي الفرنجي للقضاء على مملكة وحضارة اسمها الحضارة العربية الإسلامية.
هذه النظرة الأحادية للتاريخ، وتفسير الأحداث من جانب الأنا العربية، المتضخمة بعض الشيء، المملوءة بالبارانويا، أوقع الذهبي في ضبابية أفق واضحة عند تفسيره وقراءته ورؤيته للماضي أو الحاضر. اضافة الى انه همش تفاصيل أساسية، وأبرز تفاصيل ثانوية، فما يهم اليوم في رحلات ماركو بولو على سبيل المثال، ليس الحلف الصليبي الآسيوي للانقضاض على الحضارة الإسلامية، بل المذكرات ذاتها، بما احتوته من أرشيف ضخم يخص شعوباً وعادات وأزياء وقصصاً وحكايات كانت تدور في سماء ذلك الوقت.
كتاب “التدريب على الرعب” خلطة عجيبة من القصص والمقالات السياسية والنقدية، تمتّع القارئ بتجوالها الحر بين الأمكنة والسنين والأشخاص، بين الأساليب المختلفة في الكتابة، لكن في الوقت ذاته تنم عن امتلاء المثقف العربي بوهم التاريخ، وانسحاره به الى الحد الذي ينسيه حركة الحاضر، كما يكشف ثقل الخوف من الآخر لدرجة تبعث على دق ناقوس الخطر من صفة الانغلاق الحضاري.
شاكر الأنباري – الحياة اللندنية

 

تحميل كتاب التدريب على الرعب خيري الذهبي