أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » مرح البقاعي: كيف تنقذ مسيحيّاً؟

مرح البقاعي: كيف تنقذ مسيحيّاً؟

مرح البقاعي: الحياة

كانت عمتي، نعمة البقاعي، تربوية رائدة، وأول سيدة دمشقية تتبوّأ منصب رئيس المدينة الجامعية للبنات التي تقع في حيّ المزّة في السبعينات. ولأن عمتي لم تتزوج ولم تنجب، كنت أنا وحيدتها وربيبتها وشغلها الشاغل لتمارس عليّ أحدث نظريات التربية والتعليم وصقل الخلق وتشذيب الشخصية وزرع القيم النبيلة والاعتراف بالآخر. ولأن عائلتي اختارت لي أن أنشأ وأتعلّم في كنف راهبات الفرنسيسكان بمدرسة دار السلام الفرنسية في دمشق، كانت شديدة الفهم والتعاطف مع طبيعة الثقافة المسيحية المنفتحة التي شكّلت محيطي اليومي في المدرسة إلى جانب التعاليم الإسلامية السمحاء في المحيط الأكبر دمشق – حاضنة الأديان السماوية كافّة.

من هذا المنطلق كانت تلبّي رغبتي كل عام بتزيين شجرة الميلاد في منزلنا بحيّ المهاجرين الدمشقي، على أن أتحمّل أنا كلفة الزينة من مصروفي الشخصي، وتتحمّل من طرفها مداخلات ونظرات الاستهجان من بعض الجارات الثرثارات، فتقرن شجرة الميلاد، تبريراً لها، بالاحتفال بعيد الشجرة الوطني الذي يصادف يوم الخميس الأخير من كل عام، مرجعة الاحتفاء بالشجرة إلى الآية الكريمة الرقم 18 من سورة االفتح: “لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً”.

مضت الأعوام، وكانت شجرة الميلاد تنير بأضوائها وألوانها وبهجتها صدر غرفة الجلوس في منزلنا، أما في المدرسة، وفي دير الراهبات الذي يمتد على مساحة قبو مبنى دار السلام الشاسع، فكنت أتسلل خلف الراهبة لأنصت إلى القدّاس وأركن إلى رائحة البخور وأضواء الشموع حيث تهنأ نفسي برموز الروحانيات تلك، بينما الكثيرات من زميلاتي المسيحيات كنّ يطلبن إذناً لمشاركة المسلمات في حصّة التربية الإسلامية للاستماع إلى تراتيل من القرآن الكريم، وكنّ يتقاطرن في عيد المولد النبوي الشريف للاستماع إلى أناشيد المولد والحصول على صرّة الملبس الدمشقي الملون اللذيذ.

هكذا كانت مناخات دمشق بخاصة، وسورية عامة، على امتداد عشرات العقود. وهكذا هو مشهد الصليب الذي يكاد يتشابك مع الهلال على أسطح الحارات الضيقة بين باب توما وأبواب الجامع الأموي الكبير حيث المآذن والأجراس تتناوب على بث شعائر المحبّة والتآلف والتآخي في الله.

قفزت تلك المشاهد إلى رأسي وأنا أقرأ خبراً تناقلته وكالات الأنباء، وتناولته كبرى الصحف الأميركية في مواضيعها الرئيسة، ومفاده أن “مسلحين ينتمون إلى تنظيم الشباب الصومالي المتطرّف نصبوا مكمناً لحافلة قرب حدود كينيا مع الصومال وكانت في طريقها من العاصمة الكينية نيروبي إلى مدينة منديرا، وطلبوا من الركاب تحت قوة السلاح، بعدما أنزلوهم من الحافلة، الإفصاح عن ديانتهم بهدف عزل المسيحيين وتصفيتهم”!، ويتابع الخبر الذي يندرج ضمن مشاهد العنف اليومي التي تغزو العالم على يد تنظيمات تدّعي المرجعية الإسلامية وتفسّر وتجتهد بما يتماشى مع مشاريعها التطهيرية وعقيدتها التكفيرية: “إن المسلمين من الركاب رفضوا الإفصاح عن دينهم كي يحموا المسيحيين بينهم، ولم يعد باستطاعة الإرهابيين المعتدين التفريق بين المسيحي والمسلم، وما كان عليهم سوى إعادة الركاب المحتجزين إلى الحافلة مع وابل من الشتائم لأنهم فوّتوا عليهم فرصة ممارسة عنفهم السادي على من يكفّرونهم من رعايا الله تجديفاً. راح ضحية العملية قتيلان بينما حمى المسلمون أترابهم المسيحيين من مجزرة محقّقة”.

وقعت هذه الحادثة في يوم الميلاد بعد يومين من ذكرى المولد النبوي الذي صادف في 23 كانون الأول (ديسمبر) لهذا العام. هكذا، في دورة فلكية نادرة، يلتقي التقويمان الهجري والغربي على الاحتفاء بمولد نبيّي المسيحية والإسلام، ورسولَي الله إلى البشرية، بينما تأتي حادثة الحافلة لتؤكد عمق التآخي الإنساني بين أبناء الأديان السماوية كافّة.

ترتبط هذه الحادثة بالمشهد السوري في شكل مباشر، حيث سيطرت جحافل “داعش” المتطرفة على أراضٍ واسعة من سورية في تلاقٍ واضح مع أجندة النظام لضرب الوحدة الاجتماعية قبل الوطنية، وإغراق الشارع السوري في دم الفصل الديني والطائفي في الحيّ الواحد. فشقّ الصف وإثارة الفتن وضعضعة عرى اللُحمة الشعبية هي بمجملها النسغ الجهنمي الذي يروي عروق الدكتاتوريات، ومن أقدر من بشار الأسد على تجسيد أكثر نماذجها عتواً ودمويّة.

إن الخروج بسورية من عنق الزجاجة المسدود بالدم السوري المتخثّر إنما يقع على عاتق الموروث الشعبي الثمين المبني كأحجار سور دمشق، لبنةً لبنة، على مدى مئات السنين من التعايش السلمي الخلّاق بين أبناء الديانات تحت قبة السماء السورية التي أُثخنت بنيران الغرباء وآن لها أن تصفو وتستعيد عافيتها. وهو أيضاً في ذمة علماء سورية المستنيرين في ضرورة إطلاقهم حملات واسعة تحضّ على التجديد في الخطاب الإسلامي على أرضية تعاليم الإسلام الحنيف في اعتداله وانفتاحه لصياغة عقد اجتماعي جديد لا يبتعد عن الدين في الجوهر ولا يتماهى معه في الفعل السياسي، بل يقف على مسافة واحدة من الأديان والمذاهب والأطياف السياسية كافة، في ظل تمكين مفاهيم الدولة المعاصرة التي أسّها المواطنة وسقفها القانون.

عندئذ فقط أستطيع أن أقول إن شجرة ميلاد المسيح في بيتنا المسلم ما زالت تحتفظ برونق اخضرارها وبريق نجومها وعبق بخورها، على رغم غيوم الحرب الثقيلة التي تجثم على صدر جبل قاسيون.

اقرأ:

مرح البقاعي: شكلنا مجلسًا نسائيًا يراقب المفاوضين

المصدر: كلنا شركاء



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع