أخبار عاجلة
الرئيسية » دين ودنيا » ما الفرق بين القتل قصاصاً أو حداً أو تعزيراً ؟

ما الفرق بين القتل قصاصاً أو حداً أو تعزيراً ؟

شرع الله عز وجل العقوبات لزجر الناس عن الجرائم، وأمر سبحانه وتعالى بتطبيق الحدود الشرعية لصلاح العباد والبلاد، فهو سبحانه خلق الخلءق وهو أدرى بما يُصلح حالهم في واقعهم ومستقبلهم، فكان تطبيق الحدود الشرعية من القُربات التي يتقرب بها ولاة الأمر إلى ربهم، ومن أهم الأمور التي تحفظ الأمن، وتحقن الدماء، وتنظّم حياة الناس ومعاشهم، وبتطبيقها يرتفع لواء العدل، ويخفت صوت الظلم والجور، وتزدهر الحياة، ويرتقي الاقتصاد، وتتطور مجالات الحياة كلها .

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : (حدٌ يعمل في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً) رواه ابن ماجه والنسائي .

فحدود الله تبارك وتعالى تُلبس المجتمع لباس الأمن والطمأنينة ؛ فيأتيه الرزق من كل مكان، وإقامتها أعظم بركة من مطر السماء، أما تخفيف الحكم عن مستوى الجناية المقترفة فيعد في حقيقة الحال ظلماً للمجنى عليه أولاً، وللمجتمع ثانياً ؛ لأن العدل هو حجر الأساس في بلادنا المباركة، لذلك فإن أي تسامح فيه أو تجاوز هو مما يهدد المجتمع في كيانه، وتطبيق الحدود – عند الثبوت وبعد الضمانات – رمزٌ للعدالة والمساواة .

والحدود المقررة في الشريعة الإسلامية، سبعة حدود، هي: (حد السرقة، والزنا، والقذف، وشرب المسكر، والبغي، والردة، والحرابة) فالعقوبة المقررة في تلك الجرائم هي حقٌ لله تبارك وتعالى، استوجبتها المصلحة العامة، لا تقبل الإسقاط لا من الفرد المجنى عليه، ولا من الجماعة .

أما جرائم القصاص فمع مساسها بكيان المجتمع، إلا أن ضررها المباشر يصيب الأفراد أكثر مما يصيب الجماعة، فالقصاص حقٌ للأفراد، فلهم العفو عن الجاني بعد الرضا وصفاء النفس، وبدون ضغوطٍ أو مؤثرات .

والقصاص هو إعدام القاتل الذى قتل غيره متعمدًا دون وجه حق، وهو القتل بإزاء القتل .

أما التعزير فهو عقوبة لم تحدد الشريعة مقدارها، وتركت للقاضي التقدير الملائم لنوع الجريمة ولحال المجرم وسوابقه ؛ بل أعطى الشارع الحكيم الصلاحية للقاضي بفرض العقوبة المناسبة والتي يراها كفيلة بتأديب الجاني وإصلاحه، وحماية المجتمع وصيانته، وهى تبدأ بالزجر والنصح، وتتراوح بينهما الحبس، والنفي والتوبيخ، والغرامات المالية، ومصادرة أدوات الجريمة، والحرمان من تولي الوظائف العامة، ومن أداء الشهادة، وقد تصل إلى أشد العقوبات كالسجن والجلد والقتل .

ولقد طالعتنا صحفنا المحلية يوم الاثنين الماضي بخبرين عن وزارة الداخلية حول تنفيذ حكم القتل في جانيين ؛ الأول منهما تم قتله تعزيراً لكونه : “خان الأمانة التي أوكلت إليه، واستغل السلطة، وغالب الناس بالقوة على أعراضهم بالتهديد بالسلاح وصولاً إلى أغراضه الدنيئة، وأساء إلى قطاع في الدولة يُستشهد أبناؤه وهم يدافعون عن أمن وطنهم ومواطنيهم ” .

فتمّ الحكم عليه بالقتل تعزيراً لكون جريمته من جرائم التعزير التي لم تحدد الشريعة مقدار عقوبتها، لا كما يفهم بعض العوام من أن التعزير هو التشفي منه عند تنفيذ حكم القتل بضربه عدة ضرَبات .

أما الثاني فقد تم قتله حداً لكون ما أقدم عليه ضرباً من ضروب الحرابة ؛ فقد “ركب مع المجنى عليه وطلب منه إيصاله إلى أحد الأماكن، واستدرجه إلى منطقة خالية، ثم قام بضربه بخشبة على رأسه حتى سقط على الأرض، وعندما حاول النهوض قام بطعنه بسكين في جنبه الأيسر مما أدى إلى وفاته، ثم قام بسلب ما معه من نقود، كما قام باستدراج عدد من سائقي سيارات الأجرة إلى مناطق خالية وفي أوقات مختلفة، والاعتداء عليهم، وسلب سياراتهم وما معهم من نقود، وتعاطي الهيروين المخدر” .

فكانت تلك الجرائم التي أقدم عليها ضرباً من ضروب الحرابة والإفساد في الأرض، والتي توعد الله عز وجل مقترفيها بأشد العقوبات، فقال تعالى : (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسءعَوءنَ فِي الأَرءضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواء أَوء يُصَلَّبُواء أَوء تُقَطَّعَ أَيءدِيهِمء وَأَرءجُلُهُم مِّنء خِلافٍ أَوء يُنفَوءاء مِنَ الأَرءضِ ذَلِكَ لَهُمء خِزءيٌ فِي الدُّنءيَا وَلَهُمء فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة المائدة آية (33) .

وبتأملي لصيغة الخبر الوارد في جريدة “الرياض” لهذا الحكم الثاني، لاحظت تناقضاً في نفس صيغة الخبر، لا البيان الصادر من وزارة الداخلية ؛ حيث ألمح العنوان إلى كون القتل قصاصاً، إذ جاء فيه : (وحد القصاص في مواطن ..) ثم جاء بعده مباشرة أن القتل كان تعزيراً ؛ حيث قال : (أصدرت وزارة الداخلية بياناً حول تنفيذ حكم القتل تعزيراً في أحد الجناة ..) ثم اسُتهل البيان بقول الله تعالى : (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسءعَوءنَ فِي الأَرءضِ فَسَاداً ..الآية ) إلى أن قال : (.. وأن يقام عليه حد الحرابة وذلك بضرب عنقه بالسيف حتى الموت ..، وصدر أمر سام يقضي بالموافقة على ما تقرر شرعاً وصدق من مرجعه بإقامة حد الحرابة على المذكور وان تكون عقوبته القتل).

فالبيان نص على إقامة حد الحرابة على الجاني، وأن تكون عقوبته هي القتل، لا كما نص عليه عنوان ذلك الخبر من كون القتل قصاصاً، أو ما كُتب في مطلع الخبر قبل الآية من كون القتل تعزيراً، ومعلومٌ وجود الفرق بين القتل حداً أو تعزيراً أو قصاصاً على ما ذكرناه سابقاً من إمكانية العفو من ولي الدم في القصاص، ومن ولي الأمر في التعزير، أما الحد فليس لأحد أن يشفع فيه بعد بلوغه لولي الأمر أو مَنء يقوم مقامه، فإذا بلغته الحدود حَرُم أن يشفع في إسقاطها أحد، أو يعمل على تعطيلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن شفع في جريمة حدّية : (أتشفع في حدٍ من حدود الله ؟) ثم قام فخطب فقال: (يا أيها الناس إنما ضَلَّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) متفق عليه .

كما أن العقوبات الحديّة تدرأ بالشبهات، فلا يجوز الحكم بثبوتها عند قيام الشبهة، بخلاف العقوبة التعزيرية التي قد يُحكم بموجبها مع قيام الشبهات .

ثم إنه في القصاص يُشرع العفو عنه والشفاعة فيه، سواءً كان في النفس أو فيما دونها، بخلاف الحدود التي لا يُقبل فيها العفو – باستثناء حد القذف فللمجني عليه العفو عند الجمهور خلافاً للحنفية -، وتحرم فيها الشفاعة بعد بلوغها لولي الأمر، ثم إن القصاص حقٌ من الحقوق التي تنتقل إلى ورثة المستحق بعد موته، فلهم أن يطالبوا بالقصاص المستحق لمورثهم ما لم يكن عفا عن ذلك قبل وفاته، بخلاف الحدود فلا مدخل للإرث فيها إلا إذا كان الحدّ قذفاً وكان المقذوف قد طالب به قبل موته.

كما أنه يجوز التعويض عن القصاص بالمال، بخلاف الحدود فإنها لا تقبل المعاوضة، وكذلك في الحدود يكون الاستيفاء خاصٌ بولي الأمر، وليس لأحدٍ من بقية المواطنين أن يقيم الحد على مَنء استوجبه ما لم يكن ولي الأمر قد فوّض إليه ذلك، وهذا بخلاف القصاص فإن للمجنى عليه أو وليِّه الحق في استيفائه إذا كان يحسن الاستيفاء على الوجه الشرعي، وبعد تمكينه من قبل ولي الأمر .

ولذا كان واجباً على محرري الصحف توخي الدقة عند ذكر الأحكام الشرعية، التي تصدرها المحاكم، ثم تُصادق عليها محكمة التمييز، ومجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة، ثم يصدر فيها أمرٌ سام كريم يقضي بإنفاذ ما تقرر شرعاً، ثم تقوم وزارة الداخلية بتنفيذ ذلك الحكم، فينبغي توخي الدقة والاهتمام بالألفاظ في هذا المجال، وعدم التصرف في الكلمات التي قد تغيّر المعنى في ذهن المتلقي، ويفهم منها غير المراد .

 

محمد عبد العزيز المحمو

@ باحث قانوني

 

alriyadh.com