أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » حادثة الأرمن المعروفة باسم فتنة 28 شباط سنة 1919

حادثة الأرمن المعروفة باسم فتنة 28 شباط سنة 1919

 

أسباب هذه الحادثة:
لا ننكر أن في أمة الأرمن رجالا ونساء متحلّين بحلية العقل، والنظر البعيد إلى العواقب، وحسن المعاملة والأمانة والاستقامة والاعتراف بالجميل والمكافأة عليه، غير أننا مع هذا لا نحجم عن القول بأنه يوجد في دهماء هذه الأمة زمرة طائشة قد خيم الجهل على عقولهم، فانحرفوا عن الجادة المثلى ولم ينظروا إلى ما يعقب انحرافهم من الضرر وسوء المغبة بأمتهم التي فيها من الرجال من يستحق كل مدح وثناء.

.
وصفوة القول أن الأمة الأرمنية قد غلب خيارها على أمرهم فجرّ جهّالها عليهم البلاء دون أن يستحقوه. ومن هذا القبيل ما جنوه عليهم من البلاء في هذه الحادثة التي لم يكن لها من سبب سوى أمور نقمها الحلبيون على الأرمن، صدرت من تلك الطائفة الطائشة فأثارت في الحلبيين موجدتهم عليهم، وعكست فيهم اعتقادهم وملأت صدورهم غيظا منهم، وأغلت في أفئدتهم مراجل الحقد والضغينة عليهم، وكان من أمرهم في ذلك اليوم ما كان.

.
وإليك نبذة في ذكر بعض ما فعلته هذه الفئة الطائشة من الأمور التي أساءت بالأرمن اعتقاد الحلبيين واضطرتهم إلى الجرأة عليهم. وبيان ذلك أن الأمة العربية عامة- والحلبيين خاصة- كانوا ينظرون إلى أمة الأرمن بعين الشفقة والحنوّ، وينكرون على زعماء الأكراد ما كانوا يعاملون به الأرمن من التعدي؛ بل كانوا ينكرون على السلطان عبد الحميد ما نكب به الأرمن من المذابح ولا يرون له مبررا في الضغط عليهم. ولهذا لم ينقل عن أحد من الأمة العربية أنه غمس يده في دم أرمني في تلك المذابح الفظيعة، وقوفا عند حدود الشريعة المحمدية التي تتكفل للذميّ بصون ماله وعرضه ودمه. ولعل الأمة العربية لو كانت مشتركة مع الشعب التركي في تلك المذابح لما عدمت من السلطان عبد الحميد حسن المكافأة.
ثم في سنة 1333  هجرية كان جلاء الأرمن عن أوطانهم، كما أشرنا إلى ذلك في حوادث السنة المذكورة من هذا الجزء. وبعد أن وصلت تلك الجاليات إلى حلب على آخر رمق من حياتها؛ كان العرب عامة- والحلبيون خاصة- يعطفون على ضعفائهم ويمدّون إليهم يد الإحسان والمواساة، عكس ما كان يضمره لهم جمال باشا من الأذى والويلات، ورغما عما كان يقاسيه الحلبيون في تلك الأيام العصيبة من جهد البلاء والضغط العسكري.

.
وكان عقلاء الأرمن وأدباؤهم يعترفون للعرب بتلك الأيادي ويشكرونهم عليها، حتى إن شبيبة الأرمن مثّلت الرواية التي سبق ذكرها في حوادث هذه السنة.
وبينما كانت الأمة العربية تؤمل من الأمة الأرمنية حسن المكافأة على ما أسدته إليها من البر والإحسان؛ إذ انعكست الآية بعد وقوع الهدنة وصارت الأخبار المكدّرة تطرق كل يوم مسامع الحلبيين عما يجريه جهال الأرمن مع أبناء العرب من الأمور التي تبعث على إيجاد الضغينة وإسعار نار الحقد في صدورهم على أمة الأرمن. وإليك بيان بعض تلك الأمور وهي:

(1) تعرّض زمرة من الأرمن- المستخدمين في محطة أذنة من قبل الفرنسيين- إلى التجار العرب المسافرين على القطار إلى استانبول والقافلين منها إلى أوطانهم، فكانت تلك الزمرة تعامل التاجر العربي بكل غلظة وخشونة، وربما أزعجته بالسبّ والضرب، وإذا كان قدوم القطار في الليل فربما كانت تفتش ثيابه وتسلب نقوده.
أما الجنود العربية التي كانت تمرّ من أذنة قافلة إلى أوطانها فقد كانوا يقاسون من هؤلاء المستخدمين كل إهانة ويرون منهم كل قساوة، يعاملونهم بالشتم والضرب، وكثير منهم من كان يناله من أيديهم جراحة في وجهه وتهشم في أعضائه. فيأتون إلى حلب على أسوأ حالة.

(2) كان الحلبيون يسمعون بما كان يجريه متطوعة الأرمن في الجيش الفرنسي في بيروت من الخيلاء والعجرفة، وأنهم أطلقوا بنادقهم على بعض الوطنيين فقتلوهم، وأنهم تمردوا على الجيش الفرنسي في إسكندرونة حتى اضطرت القيادة إلى أن تنقلهم إلى أذنة.

(3) تظاهر غوغاء الأرمن في حلب بمظاهر العظمة والكبرياء ومقابلتهم الحلبيين بغير الوجه الذي كانوا يقابلونهم به في الأمس، يقابلونهم بوجه عليه سيماء التّيه والسخط، ويخاطبونهم بألفاظ خشنة لم يألفوا سماعها منهم قبل ذلك.
لم كان هذا الانقلاب من هذه الزمرة مع الحلبيين؟ وما هو الحامل لها عليه؟
كان سببه بصيص ضوء أبصرته من لفتة شملتهم من عناية الإنكليز بشأنهم، فعظمت نفوس الطائشين منهم وطفقوا يسيئون التصرف مع الحلبيين، ويقلبون لهم ظهر المجن في معاملاتهم. ولم يقفوا عند هذا الحدّ بل صار الكثير منهم جواسيس للإنكليز ينقلون إليهم عن الحلبيين أخبارا ملفقة لا ظل لها في الحقيقة.

(4) تعدّي جماعة من تلك الزمرة على الباعة؛ بتكليفهم صرف الورقة المصرية بالنقود المعدنية على معدّل قيمتها المحررة بها، مع أن قيمتها التجارية دون ذلك بكثير. فكان الباعة يخسرون أموالهم ولا يقدرون على الامتناع عن صرف الورقة على هذا المعدل خشية من عقوبة القانون.

(5) كان فريق من تلك الزمرة يختلقون كل يوم الحيل والخدع في اختلاس أموال التجار الحلبيين، حتى شاع عنهم هذا الأمر وصار الحلبيون يتحدثون به في مجتمعاتهم ومجالسهم:

 

(6) كان عند الحلبيين عدد كبير من بنات الأرمن وأطفالهم، آووهم في أوائل قدوم جالياتهم إلى حلب، وقد التقطوهم من الأزقة والأماكن المهجورة وأزالوا الشقاء عنهم واعتنوا بتربيتهم عنايتهم بأولادهم. والبعض منهم اتخذوا من فتياتهم البالغات زوجات شرعيات واستولدوهنّ عدة أولاد. ولما دخل الإنكليز إلى حلب اهتمت جمعية الصليب الأحمر بجمع أطفال الأرمن وبناتهم من بيوت الحلبيين. ونحن لا نلوم الطائفة الأرمنية على استرداد أولادهم وأطفالهم إلى أحضانهم، لأن هذا مما توجيه القومية عليهم، إنما نلومهم على استعمال العنف وترك الرفق في سبيل البلوغ إلى هذا الغرض، فقد كان أقارب الأطفال والبنات يقصدون بيت الحلبي للتفتيش على أولادهم، ويدخلون عليه دخول مهاجم على ذي جريمة، ويأخذون الولد أو البنت قسرا ويعاملون مربّيها أو زوجها بكل عنف وقساوة هم في غناء عنهما. وربما كانوا يسوقونه إلى السجن بمساعدة الشرطة الموكول إليهم التفتيش على أولاد الأرمن من قبل جمعية الصليب الأحمر، وكانوا لا يصغون إلى الممتنعة عن متابعتهم من النساء المتزوجات، بل ربما قابلوها على امتناعها بالسب والضرب وأخذوها إلى منتدياتهم وأكرهوها على مفارقة زوجها وأولادها منه…

كيف كانت هذه الفتنة؟
قبل حدوث الفتنة بأيام اشترى أحد الحلبيين المسلمين من أرمني بقرة؛ ظهر لها بعد شرائها صاحب ادّعى أنها بقرته وقد سرقت من إصطبله. وبعد أن برهن دعواه بما لا يحتمل الإنكار لم يسع مشتري البقرة غير الإذعان لدعوى صاحبها فسلّمه البقرة. ثم أخذ يبحث عن الأرمني الذي اشتراها منه ليرجع عليه بثمنها فلم يظفر به. ولما كانت ضحوة يوم الجمعة 28 جمادى الأولى سنة 1337 و 28 شباط سنة 1919 م كان الحلبي يتجول في سوق الجمعة- وهو سوق عام ينعقد في كل يوم جمعة، في فضاء واسع يعرف بفضاء تحت القلعة، يباع فيه من جميع السلع والبضائع، ويحضره ألوف من الناس، ومن جملة فروعه فسحة واسعة تباع فيها الخيل والبغال والحمير والبقر- وبينما كان مشتري البقرة يتصفح وجوه الناس للبحث عن غريمه الأرمني، إذ وقع نظره عليه فأسرع نحوه وطلب منه ثمن البقرة. وكان الواجب على الأرمني أن يتلطف بذلك الرجل ويستمهله وفاء ثمن البقرة ويدفع الشرّ بالتي هي أحسن؛ غير أن نفسه لم تطاوعه على التساهل مع صاحب الحق، بل طفق يعربد وينكر القضية بتمامها ويفوه بكلام يشقّ على العامة سماعه.
فاشتد النزاع بين الرجلين وعلت أصواتهما في ذلك الجمع العظيم الذي لا يقلّ عن عشرة آلاف إنسان، ما بين مسلم ومسيحي ويهودي، وقد هرعت العامة إلى محل المشاجرة ووقفوا ينظرون إلى ما يؤول إليه أمرها. ثم انتقل الحال بين الرجلين من الكلام إلى الملاكمة واللّطام، وقد أخذا بتلابيب بعضهما، وانبرى لكل واحد منهما نصراء من قومه يدافعون عنه ويعينونه على خصمه- وقد علمت مما تقدم كيف كان توغر صدور الحلبيين وحنقهم على الأمة الأرمنية للقضايا التي أسلفنا بيانها- فلما شاهد هذا الجمع النزاع القائم بين هذين الرجلين وعلموا أن المعتدي منهما هو الأرمني، وأن الأرمن قد التفوا حوله ينصرونه على خصمه، هاجت الأحقاد في صدورهم وتقدموا يدفعون الأرمني عن الحلبي.
فاشتدت الضوضاء وعلا الصراخ وهاج هذا الجمع العظيم وماج، وانقضّت العامة على الأرمن يضربونهم بالعصي والسكاكين ووزنات الحديد وأعمدة الخشب. فما مضى غير دقائق إلا وجثث بضع وثلاثين أرمنيا مطروحة على الأرض، وقد اتصل الصوت ببعض الجهات القريبة من محلات الأرمن فقام بعض الدعّار يهجمون على بيوتهم ويسلبون ما فيها من الأثاث ويقتلون من يعارضهم من أهلها. وكان مجموع ما قتل في هذه الفتنة العمياء مسلم واحد- كان مارا في الطريق فرماه أرمني من داخل داره برصاصة فقتله- واثنان وخمسون أرمنيا بينهم امرأة واحدة.
ثم إن الشرطة تفرقت في أنحاء البلدة وأطفأت نار هذه الفتنة، وألقت القبض على بعض الثائرين. فسكنت الأمور وعادت مياه السلام إلى مجاريها. وفي أثناء قيام الفتنة فتح كثير من المسلمين أبواب منازلهم لجيرانهم الأرمن يحمونهم من الثوار ويدفعون عنهم الهلاك والبوار…
********************************************
المرجع

كامل الغزي

– ولد الشيخ كامل الغزي في حلب، عام 1853.
عمل محرراً في جريدة “التقدم” بحلب.
– ترأس تحرير جريدة “الفرات”.
– انتخب عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق.
– عين رئيساً للجنة الأثار بحلب و رئيس تحرير مجلتها.
– توفي عام 1933.

من مؤلفاته:
– نهر الذهب في تاريخ حلب.
– جلاء الظلمة في حقوق أهل الذمة – مخطوط.
– الروضة الغناء في حقوق النساء – مخطوط.