أخبار عاجلة
الرئيسية » صحافة وإعلام » «ذا فويس كيدز» يقتنص اللحظة الذهبية: بدموع الأطفال جئناكم!

«ذا فويس كيدز» يقتنص اللحظة الذهبية: بدموع الأطفال جئناكم!

لا حديث لمواقع التواصل منذ يومين سوى المشاركة في برنامج «ذا فويس كيدز» غنى بو حمدان. استعادت الطفلة السوريّة أغنية ريمي بندلي «اعطونا الطفولة» أمام لجنة تحكيم البرنامج، فأبكت أعضاءها، وأبكت الجمهور، وأبكت «فايسبوك». لحظةٌ تلفزيونيّة نادرة، لكنّها ليست المرة الأولى التي تستثمر فيها برامج الهواة العواطف في «جنّتها الدعائيّة».
«الطفلة السورية غنى بو حمدان تُبكي جمهور ذا فويس كيدز»، «طفلة سورية تبهر مدربي ذا فويس كيدز»، «بالفيديو: غنى بو حمدان بكت فأبكت نانسي عجرم وسلافة معمار والعالم»، «بالفيديو: شاهد كيف أبهرت هذه الطفلة السورية لجنة ذا فويس كيدز». عناوين إخباريّة تلت الحلقة الأولى من برنامج «ذا فويس كيدز» على شاشتَي «ام بي سي» و «ام تي في» مساء السبت الماضي، تختصر اللحظة الذهبية التي يبحث عنها أي برنامج تلفزيوني: البكاء والتأثير بالجمهور. عناصر المشهد مكتملة: برنامج عربيّ، طفلة سوريّة وأغنية مؤثّرة. اعتلت غنى بو حمدان (9 سنوات) المسرح وبدأت بغناء «اعطونا الطفولة» لريمي بندلي، مع ما تحمله تلك الأغنية من معانٍ ترتبط بذكريات الحرب الأهليّة اللبنانيّة.
أول الانفعالات كانت من نانسي عجرم، إذ رددت الأغنية مع الطفلة وأدارت كرسيها بعد ثوانٍ قليلة مبدية إعجابها بغنى التي بكت تأثرًا وتوقفت عن الغناء. استُكمل المشهد بصعود نانسي إلى المسرح وانضمام تامر حسني إليها لمساندة الطفلة. تقمّصت المغنية اللبنانية دور المراسلة الصحافية للحظات وأخضعت الطفلة للاستجواب: «فيّ اسألك سؤال؟ ليه بكيتي؟ ليه بكيتي وبكيتينا كلنا؟ ليه بكيتي؟ شو حسيتي لما بكيتي؟». صمتت الطفلة ثم أجابت «بالفرح» لكن عجرم أصرت في تعليقٍ لاحق أن الدموع ليست دموع فرح فقط.
الصدق في دموع الطفلة ليس محطّ نقاش. معاناتها وأبناء جيلها من الحرب في سوريا ليس نسجًا من خيال. دموعها ودموع من شاهدها ليست زائفة. لكن توليفة كلّ هذه العناصر في برنامج تلفزيونيّ منفّذ باحتراف، لا تجعل ممّا شاهدناه زيفاً أو تمثيلاً، بل افتعالاً تلفزيونيًّا لصورة البكاء أمامها «مضمون». فأول جملة يسمعها المشاهد من غنى عندما تعرف عن نفسها هي: «خلقت بالحرب صوت القذائف والراجمات حدنا». ومع كلّ ما يختبره الأطفال السوريّون من مآسٍ، سيكون من الطبيعي أن ينجم عن طلبها «اعطونا الطفولة»، موجات من البكاء والدموع.
ليست المرة الأولى التي تبحث فيها برامج الهواة عن استثمار المعاناة (بفعل الظروف السياسيّة تحديداً)، بتسليط الضوء على مشاركين فلسطينيين أو سوريين أو عراقيين، ولو وجدت هذه البرامج منذ أربعة عقود، لانضم الأطفال اللبنانيون إلى لائحة «الاستقطاب بابتذال التعاطف الإنساني». وليس خافيًا على أحد أن فرق «تجارب الأداء» في تلك البرامج، لا تتولى فقط فرز المشاركين المتقدمين بملء إرادتهم والتنقيب في قصصهم الإنسانية، بل تبحث بنفسها عن موهوبين بمواصفات محددة وتدعوهم للمشاركة، فيصبح اللاجئون أو ذوو الاحتياجات الخاصة أو من فقدوا أهلهم أو أصدقاءهم أو مرضى السرطان، على لائحة الأكثر طلبًا. الشاشة تبحث عن قصّة ومن المفضّل أن تكون إنسانيّة، إنّها متطلّبات الصناعة التلفزيونية. تنطبق شروط الاستقطاب على الصغار كما الكبار، لا في برامج المواهب فقط بل في البرامج المعروفة بالاجتماعية في إطار استعطاف المشاهد أو التسويق لرسالة إنسانيّة ما، من خلال تسليط الضوء على ما بات يعرف، في لغة الصنعة التلفزيونيّة بـ «الحالات».
تتحدث قناة «ام بي سي» في بيانها حول انطلاقة برنامج «ذا فويس كيدز» عن قاعدة أخلاقية تعتمدها في البرنامج وتقول إن «القيمة الإنسانية العالية لمفهوم «الطفولة» تأتي في طليعة هيكليّة البرنامج وبنيته الأساسية… فكلمة «الاستبعاد» أو «الخسارة» وما إلى ذلك من مصطلحات قد تكون قاسية على المشتركين سيتم الاستغناء عنها واستبدالها بمصطلحات أخرى. فيما يراعي البرنامج حداثة سن المشتركين لذا يعمد إلى إبقائهم في معزل عن الضغط النفسي والتفاعل المفتوح مع الجمهور، كما سيتم التركيز أكثر على الجانب الترفيهي والتفاعل الحماسي».
يمكن لبالغٍ أن يتفهّم خسارة أو يتأقلم مع أجواء ضاغطة، لكن هل من السهل على طفلٍ أن يخرج خاسرًا من برنامج يشاهده الملايين، ولو بمصطلحٍ بديل؟ كيف يبقي البرنامج المشاركين بمعزل عن الضغط النفسي عندها؟ من يحميهم من تنمّر قد يتعرّضون له من أصدقائهم؟ من سيحميهم أيضًا من النتائج «الإيجابية» لمشاركتهم؟ وهل من الصحيّ أن يعيش الأطفال «النجومية»، كما يفهمها عصرنا، في الأساس؟
غير مجدٍ البحث في هذه الحالة عن مسؤولية تلقى على عاتق القنوات التلفزيونية أو صانعي البرامج، فجذب مزيدٍ من ألواح الشوكولا والمشروبات الغازية إلى جنّة التلفزيون الدعائية يبقى الهدف الأساس. غير مجدٍ لوم الأهل على نجوميّة أو لحظات سعيدة يتمنّونها لأطفالهم. فالبنية الاستهلاكية التي يشكّل التلفزيون أبرز أركانها في تسويقه لثقافة اللحظة، تجعل من الشاشة ممرًا أساسًا لنسج العلاقات بين البشر… ودموع غنى، الغالية جدّاً، ليست إلا لحظة أخرى، في ذلك البناء الشاهق من «الانفعالات» التلفزيونيّة الصالحة لمرّة واحدة فقط.

«شحنة عاطفيّة»
بعد انتهاء عرض الحلقة الأولى من برنامج «ذا فويس كيدز» بنسخته العربيّة، غرّد مدير مجموعة قنوات «أم بي سي» علي جابر على «تويتر»: «كان اعتقادنا في «أم بي سي 1» أنّ «ذا فويس كيدز» سيتفوق على غيره من البرامج لما يتضمّنه من شحنة عاطفية للمشاهد، مبروك قسم الانتاج مرة أخرى تفوّقكم». تختصر تغريدة جابر نجاح البرنامج في استقطاب جمهور واسع باتكاله على «الشحنة العاطفية» التي أثارها بكاء الطفلة غنى بو حمدان على المسرح، فتمّ تداول فيديو الطفلة السورية وهي تؤدي أغنية «عطونا الطفولة» على مواقع التواصل الاجتماعي وفي المواقع الإخبارية بشكل كثيف مرفقة بتعليقات متعاطفة ورافضة للحرب والدمار.
كما شاركت صفحة الـ «يونيسيف» للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العزف على «وتر الطفولة والسلام»، فشاركت عبر صفحتها في موقع «فايسبوك» الفيديو مرفقاً بالتعليق التالي: «اعطونا السلام» رسالة من طفلة سوريّة عبر برنامج «ذا فويس كيدز» تحياتنا من اليونيسيف إلى غنى ابو حمدان على الأداء الرائع، وسلام وتقدير واحترام إلى سفراء اليونيسيف كاظم الساهر ونانسي عجرم».
على «فايسبوك» أيضًا شاركت صفحة «رئاسة الجمهورية العربية السورية»، فيديو للطفلة السورية وهي تغنّي أمام زوجة الرئيس السوري أسماء الأسد مع تعليق:
«غنّت للطفولة والسلام أمام السيدة ‫‏أسماء الأسد في ربيع 2015… ولا زالت تغنّي… فأوصلت بصوتها ودموعها رسالة أطفال ‫‏سوريا الذين اغتال ‫‏الإرهاب أفراحهم وأعيادهم… ولكنّه لم ولن يتمكّن من كسر قوّة الحياة بداخلهم… ‫‏غنى بو حمدان… طفلة سورية قالت للعالم بأن ‫إرادة السوريين ستبقى أقوى وأكثر تمسّكاً بالحياة… رغماً عن أنف الإرهاب..». أدخل الفيديو المنشور على صفحة الرئاسة السورية الطفلة غنى بو حمدان في متاهات السياسة وتحوّل التعاطف إلى جدال وإدانة على بعض الصفحات، مع تراجع بعض من أثنوا على أدائها في البداية عن دعمها، بعد معرفتهم بأدائها أمام الأسد. أمّا على موقع «تويتر» فقد دخل الهاشتاغ الرسمي للبرنامج #MBCTheVoiceKids خلال عرضه، لائحة الأكثر تداولاً على صعيد العالم.

جريدة السفير

جوزيت أبي تامر