أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون إيرانية » مطرقة التوترات السياسية تلاحق اقتصاد إيران

مطرقة التوترات السياسية تلاحق اقتصاد إيران

لم تذق إيران بعد حلاوة نتائج اتفاقها النووي مع الغرب والذي توصلت إليه في يوليو/تموز الماضي، فبينما تترقب طهران، بلهفة، تطبيق قرار إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ 2012، ارتفعت حدة التوتر بينها وبين السعودية.

وقطعت الرياض، قبل أيام، علاقاتها الديبلوماسية مع طهران إثر اقتحام إيرانيين للسفارة السعودية، اعتراضاً على إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر لتهم تتعلق بالإرهاب، وهي خطوة لحقتها قرارات مماثلة من دول خليجية وعربية أخرى، ما يجعل أنظار الكثر تتوجه نحو اقتصاد إيران الذي كان يصبو إلى الانتعاش من بعد سنوات عجاف.

الرياض أوقفت حركة الطيران المدني من وإلى إيران، وأعلنت إيقاف علاقاتها التجارية معها، وهو أمر لم يلق ردود فعل قلقة للغاية في الداخل الإيراني، فميزان التبادل التجاري بين البلدين ضعيف نسبياً، ويعادل 500 مليون دولار في المتوسط.

تجارة ضعيفة

وقد ارتفع الميزان التجاري بين البلدين في عام 2008، إلى 700 مليون دولار، وكان هذا قبل تشديد الحظر الأممي والغربي على طهران بفعل برنامجها النووي، حيث انخفض الرقم بشدة حينها، ووصل أحياناً إلى 100 مليون دولار سنوياً وحسب.

وأفادت تقارير إيرانية متخصصة بالشأن الاقتصادي للبلاد، أنه منذ العام 2004 تتحرك العلاقات التجارية بين الطرفين بمنحى تنازلي، وأبرز البضائع التي تصدرها إيران للسعودية تشمل الحديد، الفستق، البنزين، الزعفران والاسمنت، فيما أن الواردات السعودية لإيران عبارة عن زيوت خفيفة، صناعات خشبية، لواصق وأقمشة.

وقال الخبير في الاقتصاد الإيراني علي إمامي، إن العلاقات التجارية بين الطرفين ضعيفة بالأساس، ما يعني أن تأثير قطعها سيكون محدوداً على كليهما، مضيفاً أن المخاوف تتعلق بتأثر دول إقليمية أخرى.

ويعتقد إمامي، في تصريحات لـ “العربي الجديد”، أنه من الممكن أن تتأثر دول خليجية بهذا الأمر بالذات، ولاسيما الإمارات العربية المتحدة التي تحتل المرتبة الأولى إيرانياً من بين الدول الخليجية من حيث مستوى العلاقات الاقتصادية مع طهران، فيما تعد إيران رابع شريك تجاري للإمارات، كما أن هذا البلد يعد بوابة تصدير البضائع الإيرانية للخارج، وكان كذلك حتى خلال سنوات الحظر الاقتصادي على إيران.

ووفق بيانات وزارة الاقتصاد الإماراتية، فقد قفز حجم التبادل التجاري مع إيران إلى حدود 17 مليار دولار في عام 2014، مرتفعاً من 15.7 مليار دولار في عام 2013. وكانت الإمارات تقول إنها تسعى لتعزيز تعاملاتها التجارية مع إيران لتصل إلى مستوياتها قبل الحظر الأميركي المفروض على طهران في عام 2012. حيث وصل حجم التبادل بين البلدين إلى 23 مليار دولار في عام 2011.

وتوقع الخبير الاقتصادي إمامي، أن تعمل طهران على تجاوز الأمر بتعزيز علاقاتها مع طرف ثالث، ولاسيما أن إلغاء العقوبات سيجعلها تركز أكثر على التعاطي مع الدول الغربية في محاولات لتعويض الخسائر المتوقعة في السوق العربية، وهو ما سيجعلها تتلافى الخسارة حسب رأيه، متوقعاً ضرراً اقتصادياً على الإقليم بالمجمل.

مخاوف النفط

أما العقدة التي تثير المخاوف بالنسبة للبعض، فتتعلق بسوق الطاقة والنفط، فرغم أن أسعار النفط قفزت أكثر من اثنين بالمائة في أولى ساعات التعامل من العام الجديد، وكان هذا بعد الإعلان عن قطع العلاقات الإيرانية السعودية مباشرة، لكنها عادت للتراجع بعد ساعات، وهو أمر يقرأه البعض على أن السوق النفطية لا تزال تتأثر بعواملها الأصلية وليس بتبعات العاصفة السياسية بين طهران والرياض.

المتخصص بشؤون الطاقة حسين أنصاري فرد، قال لـ “العربي الجديد”: إن أزمة أسعار النفط تصاعدت مع إصرار السعودية على عدم خفض الإنتاج النفطي، وهو ما أدى لفائض في السوق العالمية ساهم بانخفاض شديد لسعر برميل النفط.

وذكر فرد، أن الرياض قد لا تتحمل عبء تبعات سلبية على اقتصادها الذي يعتمد أساساً على عائدات الصادرات النفطية، وهو ما يجعل البعض يراهن على تحسن السوق النفطية مستقبلاً حتى بقطع العلاقات مع إيران وهو ما سيعود إيجاباً عليها.

ولكن بحال أصرت الرياض على التصعيد، مع الإبقاء على حالة منظمة أوبك كما هي واستمرار الصراع فيها بين جبهة تؤيد خفض الإنتاج النفطي، وجبهة أخرى لا ترى ضرورة في الأمر رغم انخفاض الأسعار، فهذا سيكبد المنطقة برمتها وليس فقط إيران تبعات سلبية تنتج عن تراجع حاد في سوق الطاقة، حسب رأي أنصاري فرد.

وأضاف أن طهران ستكون مضطرة للاستفادة من فرصة تقليص الاعتماد على عائدات النفط، كما حدث معها إبان تشديد الحظر الغربي النفطي عليها عام 2011، معتبراً أنها استطاعت الصمود آنذاك، وستحاول جاهدة لتجاوز العقبات هذه المرة أيضاً، رغم أنه سيكون للأمر تبعات سلبية على اقتصادها في الداخل فسترتفع الأسعار وسترتفع معها نسبة التضخم الاقتصادي.

كما أن خطراً آخر يكمن في محاولة الرياض جذب شركاء إيران الآسيويين في سوق النفط نحوها، في محاولة لفرض المزيد من الضغط عليها وعلى اقتصادها.

الأموال الأجنبية

بهذه الحالة يتوقع مراقبون توجه إيران أكثر نحو السوق الأوروبية، التي أعلنت أطراف فيها في السابق عن حماسها باستئناف الاستثمار في قطاع الطاقة الإيرانية، ويبقى هذا مرهوناً بالنتائج السياسية التي سيفرزها التوتر الحالي بين طهران والرياض وحتى التوتر مع دول خليجية وعربية أخرى.

فإيران التي راهنت سابقاً على إلغاء العقوبات لجذب رؤوس الأموال الأجنبية إليها لترميم ما تكبده اقتصادها، قد تعاني من تبعات مخاوف شركائها من اهتزاز الوضع الأمني في المنطقة، وكانت التحضيرات الإيرانية قد بدأت بالفعل منذ أشهر، فأعدت العقود، وأعادت ترميم بنية المصارف، وصاغت قانوناً يرتبط بآليات الاستثمار الأجنبي، وستحرص على التوجه نحو شركاء غربيين أوروبيين بالذات، في ظل التوتر الذي يعصف بالمنطقة العربية.

نفطياً، يتوقع المراقبون، أن تحاول طهران الاحتفاظ بالشركاء الآسيويين، وتتجه أكثر نحو السوق الأوروبية بعد فتح الأبواب عليها، وإن لم تفلح الجهود سيتدهور وضعها في السوق النفطية كثيراً، وهذا سينعكس على اقتصاد الداخل، ويضغط على مكوناته حتى وإن حاولت بناء منظومة الاقتصاد المقاوم، الذي يعتمد على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص الاعتماد على عائدات النفط، وزيادة معدل الصادرات غير النفطية، والتقليل من الواردات. وتبقى نتائج الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع الغرب، مرهونة بوضع المنطقة والإقليم.

المصدر: العربي الجديد – طهران ــ فرح الزمان شوقي