أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » شارع النصر بدمشق.. مبانٍ تراثية ومقاهٍ عصرية

شارع النصر بدمشق.. مبانٍ تراثية ومقاهٍ عصرية

أنشئ عام 1865 ووسعه جمال باشا وغيرت اسمه الحكومة العربية الفيصلية سنة 1918

دمشق: هشام عدرة
على الرغم من أنه طوله لا يتجاوز الكيلومتر، فإنه يُعتبر من أعرق وأهم شوارع دمشق. فهو إضافة إلى أنه يصل ما بين طرفيه الشرقي والغربي بين أقدم أثر تاريخي دمشقي وهو القلعة والسور وسوق الحميدية من الشرق، وأحدث أثر تاريخي وهو مبنى محطة الحجاز التاريخي، فإن الشارع يتوسط مدينة دمشق ويضم على جانبيه العديد من المباني التاريخية العريقة ذات الاستعمالات الهامة منذ تأسيسها مع افتتاح الشارع. كما أنه يقدم بانوراما لدمشق القديمة والمعاصرة من خلال انتشار المحلات العصرية والمقاهي التراثية. تسميته وإنشاؤه حكاية عريقة كعراقته، فالشارع الذي تأسس سنة 1864 وكان في البداية ضيقا وقصيرا قام في عام 1914 الزعيم التركي جمال باشا والملقب بالسفاح بتوسيعه على حساب عدد من البيوت والمباني التي كان يضمها الشارع. وبعدها أطلق عليه اسمه فصار يُعرف باسم شارع جمال باشا، حتى مجيء الحكومة العربية الأولى بقيادة الملك فيصل بعد انتهاء الاحتلال العثماني، فغيرت تسميته ليصبح اسمه منذ ذلك التاريخ شارع النصر، نسبة إلى باب النصر، الذي كان موجودا في نهاية الشارع من جهة الغرب عند مدخل سوق الحميدية وأسسه نور الدين زنكي في القرن الثاني عشر الميلادي وهدمه الوالي العثماني محمد رشدي باشا الشرواني سنة 1864 أي في عام تأسيس شارع جمال باشا أو النصر. ومنذ توسعة الشارع قبل مائة عام أُنشئ فيه العديد من المباني الهامة على حساب البساتين والأشجار التي كانت مقصدا للدمشقيين في أيام الربيع والصيف، حيث ظل الشارع حتى عام 1920 يضم أشجارا كبيرة مثل الصنوبريات والسرو والزنزرخت وغيرها كما كان بجانبها أربع بحيرات تطلق النوافير من فرعَي نهر بردى وهما بانياس وقنوات. وفي منتصف القرن العشرين أُنشئت فيه مبان رسمية وحكومية كان أبرزها مبنى القصر العدلي في نهايته من جهة الغرب والمحكمة الشرعية ومؤسسة مياه عين الفيجة فتحول الشارع منذ عشرات السنين إلى منطقة تضج بالحياة والناس وتغيرت وظيفة الشارع حيث لم يسكن أحد من الأهالي في أبنيته القديمة بسبب الازدحام الذي يشهده. واستُثمرت جميع الأبنية كمحلات في طابقها الأرضي تبيع المواد الاستهلاكية وبشكل خاص تلك التي تشتهر بها ساحة المرجة حيث يلاصق الشارع أزقة الساحة ومنها ما يسمى سوق الكهربا حيث تنتشر محلات بيع الأدوات الكهربائية الحديثة ومحلات صيانتها في الشارع، وكذلك تنتشر محلات الألبسة خصوصا الرجالية منها ومحلات بيع الحلويات الدمشقية الشهيرة. ومن المباني التاريخية التي يضمها شارع النصر هناك جامع تنكز المملوكي الذي بناه سيف الدين تنكز كيلبغا نائب الشام سنة 1317 أيام حكم السلطان محمد بن قلاوون لمصر والشام. وكان هذا الجامع أصلا كنيسة عُرفت باسم القديس نيقولا وتم تجديد الجامع سنة 1367 وأنشئت فيه سنة 1585 تكية للدراويش (المولوية) وتم تجديدها سنة 1941 وبُني بجانبها جامع حديث ومئذنة على الطراز المملوكي لفن العمارة، وما زالت فرق المولوية توجد في الجامع الخاص بها وتحيي الأمسيات الدينية خصوصا في شهر رمضان المبارك. ومن مباني شارع النصر التاريخية أيضا هناك مبنى الطابو (السجل العقاري) الذي تأسس سنة 1932 على طراز العمارة الأوروبية ويستثمر حاليا من قِبل وزارة الزراعة السورية كمكتب للخيول العربية الأصيلة, واستخدم طابقه السفلي كمحكمة شرعية. وهناك مبنى مؤسسة مياه عين الفيجة الذي شُيّد ما بين 1937 و1942 على الطراز العربي الإسلامي بزخارفه وعمارته.ومن مباني شارع النصر العريقة هناك في وسطه مبنى إذاعة دمشق الذي كان حتى سنة 1945 مبنى للهاتف ومن ثم انتقلت إليه الإذاعة من مبناها القديم في شارع بغداد وظلت تشغله حتى أواخر الستينات، حيث انتقلت بعدها إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون الجديد في ساحة الأمويين، وكان الشارع يضم مبنيين تاريخيين هُدما عند توسعة الشارع من قِبل جمال باشا وهما جامع عيسى باشا والجامع الخليلي.

ومن مباني الشارع الهامة قصر العدل والذي ما زال حتى اليوم يستقبل آلاف الدمشقيين يوميا لحل قضاياهم داخل محاكمه المختصة، وهذا المبنى شُيّد سنة 1947 ونُقلت إليه دوائر العدل سنة 1952، وكان في الأصل قصرا مملوكيا ثم بُني محله في عام 1850 مبنى السرايا في العهد العثماني، حيث كان مقرا للولاة العثمانيين، وفي أواخر العهد العثماني صار دار المشيرية ومركزا للقيادة العسكرية العثمانية. وفي فترة الانتداب الفرنسي صار مقرا للمندوب السامي الفرنسي ولكن في عام 1945 احترق المبنى وتهدم لينشأ في ما بعد محله المبنى الحالي الذي يشغله قصر العدل. ومن المباني القائمة حاليا في شارع النصر والتي تأخذ طابعا تراثيا سياحيا مقهى الحجاز الشتوي والصيفي في بداية الشارع من جهة الغرب وهناك قهوة «الموشيرية» في وسط الشارع الذي تحدث عنه صاحبه سامر طرابلسي لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «تسميتها جاءت من الاستشارية الفرنسية حيث كان يجلس المستشارون الفرنسيون حيث كان مقرهم الرئيسي بالقرب منها في مكان قصر العدل الحالي وكانت مساحتها كبيرة تمتد من محطة الحجاز وحتى قصر العدل، ولكن في ما بعد أُخذت منها مساحات كثيرة لإنشاء مبانٍ مثل الهاتف الآلي والإذاعة القديمة ولم يبقَ منها سوى المقهى الحالي وهو مقهى شعبي تبلغ مساحته نحو 200 متر مربع حيث ما زال يستقبل زبائنه حيث يقدم لهم المشروبات الساخنة والأراكيل، ومن أبرز زبائن المقهى المحامون الدمشقيون الذين يستريحون بها صباحا قبل أن يذهبوا إلى القصر العدلي القريب من المقهى يدافعون عن موكليهم في محاكمه. كما قامت محافظة دمشق بإقامة جسر للمشاة في وسط الشارع ليستطيع المارة الانتقال منه بسهولة إلى ساحة المرجة الشهيرة. ويتميز وسط الشارع بانتشار أشجار نخيل الزينة بمنظرها الجميل والمنسق بشكل فني.

دمشق: هشام عدرة

 

asharqalawsat