أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » سوريا: الحواجز العسكرية تكره وتحب وتعتقل

سوريا: الحواجز العسكرية تكره وتحب وتعتقل

ربا الخيّر-

تنتشر الحواجز العسكرية في سوريا بشكل كثيف، وتتوزع في كل زاوية من شارع أو مدخل أو حي. وتتنوع بين حواجز للجيش النظامي أو حواجز للأمن السوري، أو حواجز لميليشيات ترتبط بالأمن. ويتكدس مع الحواجز دائماً عناصر وسواتر رملية واسمنتية، ولافتات وصور للقائد. والمسافة التي كانت تستغرق من السوري دقائق باتت الآن تستغرق اليوم كله.

سيدتي الأزمة

في الطريق إلى وسط العاصمة دمشق، وقبل وصول الباص المحمل بالمواطنين إلى  الحاجز العسكري، يقول السائق: “جهزوا هوياتكم  يا شباب من أجل التفتيش”.

أقول في نفسي: “الهويات جاهزة للتفتيش سيدتي الأزمة”.

كان الشاب المفتش بزيه العسكري وببندقيته وبنظراته يقول: “أنا جاهز لتنفيذ كل الأوامر”.

في الجانب الآخر من الطريق كانت لافتة معلقة “بدشم من الرمل”، تحمل صورة الرئيس، مع عبارة تقول: “لولا الخوف من الله، كنت عبدتك وأنت بشر”.

بين الخوف والحذر، بادر السائق بالسلام على العسكري المفتش: “السلام عليكم”.

انتفض “العسكري” في وجهه، وكأنه يدافع عن حقه في الحفاظ على هيبته، كرمز لسلطة طارئة : ” ومن قال لك أني أحتاج أن تسلّم علي..! احفظ سلامك لنفسك. لا أحتاجه.. أعطني الهويات..”

يتبادل الركاب نظرات تعبر عن ردود أفعال مختلفة، يسودها موقف استهجان لسلوك العسكري، لكنه يبقى حبيس ابتسامات صفراء مضمرة.

يجمع العسكري الهويات ويتفحصها بعينين يتطاير منهما شرر. ثم يتوقف العسكري عند هوية فيسأل: “من عبد الجبار”؟ يجيب أحد الشباب بصوت ثابت: أنا.

يقول له العسكري بلهجة متعجرفة: أنت من “خان شيخون”؟ يجيب الفتى: نعم.

يسأل العسكري: “ولماذا أنت هنا”؟ أجاب الشاب وقد احمر وجهه: “نازح”. يقول العسكري: “العصابات الإرهابية دمرت منزلك، أليس كذلك!!. يصمت الشاب. ثم يسأل راكباً آخر، لماذا الصورة في الهوية لا تشبهه؟ فيرد الشاب أن الصورة في الهوية كانت منذ خمس سنوات. فيرد العسكري: “لكنك أعمر بكثير من ذلك”؟. فيجيب الشاب: “نعم لقد كبرنا كثيراً في السنتين الماضيتين”. فيرمي العسكري الهوية في وجه الشاب الذي يلتقطها في اللحظة الأخيرة.

ينتهي العسكري من تفحص جميع الهويات. وبإيماءة من وجهه ويده يشير إلى السائق، أن يمضي مع عبارة لا تخلوا من قسوة وانتقام: “روحوا، إنشا الله لا ترجعوا إلى منازلكم”.

سلام من بردى

يمضي الباص، ويتابع ركابه من النوافذ نهر سيلان نهر “بردى”، وهو يتدفق بلا صوت، رغم  جموحه  في هذه الفترة من السنة. وقبل أن يصل الباص إلى الحاجز الثاني ينبه السائق من جديد: “يا شباب الهويات إذا سمحتم..”.

يصعد “العسكري” إلى الباص، بعد أن يترك سلاحه فوق كيس الرمل، الذي يسند لافتة أخرى تمجد القائد وبطولاته. ويتسلّح بابتسامة ودودة، ويلقي التحية على الجميع: “السلام عليكم”. يرد قسم من الركاب بحذر. ويراقبه آخرون بصمت.

يأخذ العسكري هوية كل واحد من الركاب ويتفحصها. يدوس دون قصد على قدم أحد الواقفين في الباص.  فيعتذر بشدة قائلاً: “آسف جداً.. لا تؤاخذني يا خال”.

يبتسم الشاب ويرد: “بسيطة .. لم يحصل شيء”.

ينتهي العسكري من المرور سريعاً على هويات مختلفة.. لكن واحدة منها تستوقفه،  فيسأل صاحب الهوية: “أنت من حمص”؟ يجيب الشاب، وقد اتشح لون وجنتيه بأصفرٍ خفيف واكتست ملامحه الناعمة مسحة كبرياء حزين: “نعم”. يصمت العسكري.

يعيد جميع الهويات إلى أصحابها، وهو يقول لكل منهم: “تفضل يا خال”… ثم ينزل من الباص قائلاً: “يعطيكم العافية… روحوا الله يحميكم”.

يرد جميع الركاب بصوت قوي وبدون أي اتفاق: “الله يعافيك… الله يحميك”.

يتابع الباص رحلته نحو قلب الأزمة، عابراً حواجز أخرى وعساكر آخرين. ثم على أحدها تم إنزال أحد الركاب، قيدوه وأغلقوا عينيه بعصابة. وطلبوا من الآخرين الصمت وإغلاق عيونهم.

وعندما غادر الباص الحاجز من جديد، كانت أعمدة الدخان تصبغ سماء دمشق جراء قنابل بعيدة. وكان سرب من السنونو يطير خائفاً.

 

 

ربا الخيّر-

موقع “هنا صوتك” المكتب العربي لإذاعة هولندا العالمية

 

 



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع