أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » الكويت وإيران… انتقام الجغرافيا

الكويت وإيران… انتقام الجغرافيا

“إن موقع دولة ما على الخريطة، هو أول ما يحددها، بصورة أكثر حتى من الفلسفة الحاكمة لها”. روبرت دي كابلان الخبير الجيوسياسي في “ستراتفور”.

اليوم، وفي ظل القطيعة الرسمية والتوتر الذي يغلي في المنطقة بين السعودية وإيران، تبدو الكويت في موقف حساس للغاية، فالاصطفاف الطائفي الذي بدأت حدته فور اندلاع الثورة السورية، وتفاقم في ظل سياسيات إيران التوسعية في المنطقة، قد انتهى إلى نتيجة نهائية: دول تدور في فلك إيران، ودول تنحاز إلى السعودية، ودول تتقاطع مصائرها بشكل حاسم مع السعودية وهي تركيا ودول اختارت الحياد.

أما محددات الموقف الكويتي فتهود إلى نقطتين: الجغرافيا، حيث تقع الكويت في أقصى شمال ساحل الخليج، وسط ثلاث دول كبرى، هي السعودية وإيران والعراق.

والنقطة الثانية: المكون الطائفي في التركيبة السكانية، حيث إن غالبية السكان من السنة، لكن هناك أقلية شيعية.

تسبب موقع الكويت الجغرافي، والذي تحيط به العراق شمالاً وإيران شرقاً والسعودية جنوباً وغرباً، في أن تصبح البلاد قطعة في وجه محيطات الدول الأكبر سكانياً وعسكرياً ومالياً. عانت الكويت من مشكلات عديدة مع إيران فور استقلالها عن بريطانيا عام 1961، لكن الأمور تضخمت وتأزمت فور اندلاع الثورة ضد نظام الشاه، وتصميم الملالي على نشر “رسالتهم” في المنطقة، وبالتحديد إلى الأقلية الشيعية الموجودة في الكويت.

وبعد بدأ الحرب الإيرانية – العراقية وجدت الكويت، كما دول المنطقة، نفسها مضطرة للوقوف مع صدام حسين في وجه المد الإيراني آنذاك، ولعدم وجود حدود برية إيرانية مع الكويت، أوعزت إيران لخلاياها هناك بالتفجير وزعزعة الأمن، فيما عرف بسنوات الدم، وكانت أشهر التفجيرات حينذاك، محاولة اغتيال الأمير الراحل جابر الصباح سنة 1985، وعلى الطرف الآخر شمالا كانت الأطماع العراقية متواجدة في الكويت فور استقلالها أيضاً، حينما طالب رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم بالكويت كمحافظة عراقية. ورغم عدول القيادات العراقية المتعاقبة عن هذه الفكرة، وانشغالها بالحرب العراقية الإيرانية، إلا أن صدام حسين فاجأ العالم بغزوه الكويت فور انتهاء الحرب.

بعد هذا السرد التاريخي لمشكلات الكويت الجغرافية، علينا أن نعي أن التعامل الكويتي مع إيران اليوم لن يكون مثل التعامل معها في الثمانينيات، فإيران اليوم تملك حدوداً برية واسعة مع الكويت، تتمثل في الجنوب العراقي الذي تسرح وتمرح فيه المليشيات الإيرانية وتوابعها من المليشيات العراقية الموالية لطهران. بالإضافة إلى أن إيران تتمتع بقبول سياسي في الغرب، بعد الاتفاق النووي، وتتقاطع الرؤية الغربية معها في الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية- داعش”. لكن التعامل معها بـ”رفق”، مثلما يحدث اليوم، قد يدخل الكويت في نفق من الإحراجات أمام الحليف السعودي الأزلي المتحد مع الكويت في الرؤية والثقافة والتاريخ، حيث وجهت انتقادات للكويت من طرف إعلاميين محسوبين على السعودية، وأطراف واسعة من المعارضة السلفية وغير السلفية في الكويت، بسبب ما وصفوه بالموقف المتردد في حسم قطع العلاقات مع إيران نصرة للسعودية.

الموقف الكويتي هو أشبه بالسير على حبل رفيع أمام فورة الغضب تلك، فالوقوف في صف السعودية نهائياً، يعني تأجيج مشكلة جيوسياسية مع إيران. والوقوف في الحياد، قد يحرجها أمام الحليف السعودي، والذي يشعر أنه تعرض للخذلان، ومحاولة الصلح في حفلة التصعيد تلك لا تبدو مجدية أبداً، إنه “انتقام الجغرافيا” كما يقول روبرت دي كابلان، والكويت هي الضحية هنا.

المصدر: العربي الجديد – خالد الخالدي