أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » هل تسير تركيا باتجاه إقرار نظام رئاسي؟

هل تسير تركيا باتجاه إقرار نظام رئاسي؟

تركيا بوست

منذ الدعوات الأولى لتغيير نظام الحكم في تركيا من برلماني إلى رئاسي، وجدل واسع يدور بين الحزب الحاكم في البلاد العدالة والتنمية، وبين أحزاب المعارضة وعلى رأسها الشعب الجمهوري والحركة القومية.

الدعوات الأولى للتغيير أطلقها الرئيس التركي منذ أكثر من 3 أعوام، ولكنها بدأت الآن فقط تجد الصدى الإيجابي لدى الشارع التركي، وهو ما تشير إليه نتائج الانتخابات المبكرة في نوفمبر الماضي والتي حقّق فيها العدالة والتنمية المتبني  لتغيير دستور البلاد والتحول للنظام الرئاسي نسبة مكّنته من تشكيل الحكومة منفردا، ومكّنته من طرح هذا التغيير الآن على الشارع التركي والأحزاب.

تحول في استطلاعات الرأي

قبل 3 سنوات حينما طُرِحت فكرة التحول للنظام الرئاسي كشفت إحدى الدراسات أن 56 في المائة من الناخبين الأتراك يرفضون الانتقال إلى النظام الرئاسي في مقابل تأييد 16 في المائة فقط.

ولكن يبدو أن هناك تغيّرا كبيرا في مدى قبول الأتراك لهذا النظام الجديد الذي ربما تشهده البلاد. فقد أعدّت شركة “جيزيجي” للأبحاث واستطلاعات الرأي التركية  استطلاعا  في 16 محافظة و26 بلدة بمشاركة 1264 شخصا، حول تغيير نظام البلاد من البرلماني إلى الرئاسي، والذي أظهر  أن نسبة 53.5 % تؤيد التحول إلى النظام الرئاسي، فيما رفض 40.2 % هذا التوجه، بينما كانت نسبة مؤيدي تغيير النظام في وقت سابق32-35%.

 فهل تكون تركيا بطريقها للتحول للنظام الرئاسي؟

في نهاية نوفمبر الماضي وعقب فوز حزبه بالانتخابات المبكرة استعرض رئيس الوزراء التركي “أحمد داود أوغلو”، برنامج حكومته أمام البرلمان، وكان من أولويات البرنامج ضرورة العمل على كتابة دستور مدني تركي جديد، بدل الدستور الحالي الذي وضعه العسكر، كنيّة واضحة للحكومة للعمل على التحول نحو النظام الرئاسي، مؤكّدا أن النظام الرئاسي في إدارة الدولة سيكون أكثر ملائمة لرؤية “تركيا الجديدة” ومتطلباتها.

وعقب ذلك بأسابيع قليلة عاد داود أوغلو ليصرّح بأن تركيا قد تجري استفتاءين منفصلين بشأن وضع دستور جديد للبلاد وخطوة مقترحة لاعتماد نظام رئاسي بسلطات تنفيذية.

وقال داود أوغلو وقتها إنه سيبدأ محادثات مع المعارضة بشأن سن دستور جديد واحتمال التحول عن النظام البرلماني الحالي، مشيرا إلى أن الحكومة ستهيئ مناخا مواتيا للمناقشات.

كلمات داود أوغلو واستطلاعات الرأي تشير إلى تحول في قبول المجتمع التركي لذلك التغير الذي ربما تشهده البلاد خلال الفترة المقبلة.

ولكن لكل نظام حكم سلبياته وإيجابياته، فماذا عن النظام الرئاسي الذي تريد تركيا التحوّل إليه؟ وعن النظام البرلماني الذي يحكم البلاد منذ عقود؟ وهل سبق أن دعا لهذا النظام رؤساء سابقون لتركيا أم كان أردوغان أول الداعين له؟ وما هواجس المعارضة بشأن التحول للنظام الرئاسي؟

مخاوف المعارضة

بشكل عام تتّفق أحزاب المعارضة التركية على الحاجة لاستبدال الدستور الحالي الذي وُضِع بعد انقلاب 1980 لكنه لا يزال يحمل بصمات من صاغوه من العسكريين، غير أنهم لا يدعمون النظام الرئاسي.

الشعب الجمهوري

وبداية بأكبر أحزاب المعارضة التركية، فقد أبدى المتحدث باسم حزب الشعب الجمهوري ونائب رئيسه “خلوق قوج” تمسّك الحزب بموقفه بخصوص النظام الرئاسي، وقال قوج في مؤتمر صحفي إنه “على تركيا إنقاذ نفسها من دستور الانقلاب”، مؤكّدا أن حزبه سيواصل دعم التغييرات من قبيل التحركات من أجل إصلاحات يدعمها الاتحاد الأوروبي.

وتبدو مخاوف أحزاب المعارضة من النظام الرئاسي في أن يمنح النظام الرئيس أردوغان مزيدا من السلطات، وهو ما لا ترغب به هذه الأحزاب، ولكن العدالة والتنمية يرى أن هذا النظام هو الأنسب لتركيا الآن.

الشعوب الديمقراطي

أما حزب الشعوب الديمقراطي وعلى لسان زعيمه “صلاح الدين دميرطاش” يرى أن الحديث حول الدستور الجديد والتحول لنظام رئاسي أمر غير مقبول حاليا، ويقول دميرطاش إن “مشكلة تركيا الكبرى هي القضية الكردية.. لذلك فإنه من دون الحديث عن القضية الكردية كيف سيضعون دستورا جديدا”.

وكان داود أوغلو قد ألغى اجتماعا مقرّرا مع حزب الشعوب بشأن مناقشات الدستور الجديد في وقت سابق، وهو الأمر الذي قال عنه دميرطاش “دستور جديد من دون حزب الشعوب الديمقراطي لا يمكنه تحقيق مصالحة اجتماعية، مضيفا أن الحزب في انتظار أن يحدّد حزب العدالة والتنمية موعدا جديدا للاجتماع”.

الحركة القومية

فيما يرى حزب الحركة القومية بزعامة “دولت باهجلي” أن النظام البرلماني هو الأنسب لتركيا.

 ويتخوّف معارضون من أن يكون الانتقال إلى النظام الرئاسي مدخلا لحكم شمولي ديكتاتوري، ويرون أن أردوغان سيستغل هذا الانتقال ليصبح حاكما مطلقا مما سيشكّل خطرا على الديمقراطية والتعددية في البلاد.

وهو ما يرفضه  محللون، قائلين إن المعارضة تخشى من أن يؤدي النظام الرئاسي ليس إلى الدكتاتورية فحسب بل إلى القضاء على بقايا نفوذها السياسي والبرلماني.

كما أنه ثمة رؤية تقول إن تركيا غير جاهزة للانتقال إلى النظام الرئاسي، ويرى أصحاب هذه الرؤية أن الاستشهاد بالنظام الرئاسي في الولايات المتحدة كمثال للاقتداء به فيه ظلم كبير، فهناك مسار تاريخي لم يتحقّق بعد، وهناك قضايا جوهرية ما تزال عالقة في طبيعة الحكم بتركيا.

بينما هناك رؤية أخرى تخشى من أن يؤدي الانتقال إلى النظام الرئاسي إلى تحرّك الجيش، وأصحاب هذه الرؤية يعتقدون أنه رغم نجاح حكومة العدالة والتنمية في الحد من دور المؤسسة العسكرية التركية وتدخلها في الحياة السياسية والعامة فإن الجيش ما زال يحتفظ بالعديد من عناصر قوته ويتحين الفرصة للتحرك.

ورغم أن مخاوف الأحزاب من هذا التحول لها مبرراتها إلا أن هذه الدعوات للتحول في دستور البلاد ونظام الحكم ليست الأولى من نوعها، فلم يكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أول من طرح قضية الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي في تركيا، فقد سبقه إلى ذلك كل من الرئيسين تورغوت أوزال وسليمان ديميريل، لكن أردوغان هو الوحيد الذي بذل خطوات فعلية في هذا المجال عندما أمر قبل سنتين بتشكيل لجنة برلمانية مهمتها إعداد دستور جديد يلحظ الانتقال إلى النظام الرئاسي.

ورغم مخاوف المعارضة والحديث عن عدم قابلية الكثير من الأتراك لهذا التحول، إلا أن لهذا النظام إيجابيات كثيرة، كما أن فيه الكثير من التعديلات على النظام الحالي تحتاجها البلاد بشدة.

لماذا قد يكون النظام الرئاسي الأنسب لتركيا؟

الإجابة تكمن في أن النظام السياسي الحالي والموصوف بالبرلماني يعاني خللا في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، أي الحكومة والبرلمان، حيث يشكو الثاني من سيطرة الأولى، وعليه فإن الانتقال إلى النظام الرئاسي سيحل هذا الخلل من جهة، ومن جهة ثانية سيجعل النظام السياسي أكثر استقرارا.

النقطة الثانية هي أن الدور القوي للنظام الرئاسي ينبع من طريقة الاقتراع في الانتخابات الرئاسية التي جرت في البلاد، حيث للمرة الأولى جرى الاقتراع بشكل مباشر من الشعب خلافا للمرات السابقة التي كانت تتم من داخل البرلمان، وعليه يرى أنصار النظام الرئاسي أن الرئيس بات يمثل الشعب الذي طالما فاز بأصواته.

والأهم أيضا، والذي يجعل تركيا  بحاجه فعلا لهذا النظام هو أن تركيا التي حقّقت خلال العقد الماضي نجاحات كبيرة، ولا سيما في المجال الاقتصادي وشهدت تغيرات سياسية داخلية عميقة واكتسبت نفوذا إقليميا ودوليا باتت بحاجة إلى دستور جديد يعبّر عن هذا الدور ويعكس هذا الصعود في النفوذ والمكانة، وهو ما يعني أن يقوم الرئيس بإدارة الملفات الأساسية، ولا سيما ملف السياسة الخارجية.

وأخيراً فإن الحديث عن الانتقال إلى النظام الرئاسي لا يمكن تصوّره بعيدا عن شخصية أردوغان الذي يرى أن النظام الرئاسي سيخلّص السلطات التنفيذية والتشريعية من البيروقراطية الموجودة والإجراءات الروتينية، وسيعطي قوة دفع كبيرة للسياستين الداخلية والخارجية ، وتحقيق أهداف البلاد في عام 2023 من خلال إنجاز سلسلة ضخمة من المشاريع الاقتصادية والقيام بإصلاحات سياسية حقيقية وحل القضايا المزمنة ولا سيما القضية الكردية، حتى تكون تركيا ضمن قائمة أفضل عشرة اقتصادات في العالم.

المصدر: تركيا بوست