أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » حجـــــر الكِلس : قصة قصيرة فازت بمسابقة مجلة العربي بقلم د. أسامة عبد القادر

حجـــــر الكِلس : قصة قصيرة فازت بمسابقة مجلة العربي بقلم د. أسامة عبد القادر

حجـــــر الكِلس

 

 

 

كانوا يتصايحون من وراء قضبان زنازينهم الرطبة المصفوفة بجانب بعضها البعض ، تلك التي دخلوها قبل سنين طويلة لم يعد يعرف أحد عددها بالضبط ، منسيون داخل حفرهم القذرة لا يرون من الضوء سوى خيالات شحيحة ترتسم في ثنايا الظلمة الكثيفة ، الوقت لم يعد موجوداً ، فقد التهمته العتمة الكثيفة ، حتى باتوا في قبرهم مجرد خيالات …

كانوا ثمانية معتقلين ، قضى منهم ثلاثة خلال الأعوام الماضية ، أحدهم فقد عقله خلال أسابيع ، وظل لصيقاً بالجدار يضربه برأسه مضرباً عن الطعام حتى قضى ، والآخران ماتا ببطء من التعذيب والقروح والقرفصة المستمرة في زنازين لا تتجاوز المتر والنصف في الارتفاع ….

وهم لا يعرفون من بعضهم البعض غير أصواتهم وحكاياتهم التي ينسلونها من كوى ذاكرتهم ، ولا أحد يعرف عنهم شيئاً ، فقد تم محوهم من ذاكرة الدولة منذ اعتقلوا قبل سنين ، وزُجّوا في تلك الزنانزين المبنية على عجل تحت الأرض ، بفتحات تهوية بالكاد يمر منها ضوءٌ شحيح ، بات ساعتهم التي يضبطون بها يومهم ….

–    يا رجل خليني أشوف وجهك مرة وحدة بس ….

يقول أحدهم  لأحد الحراس وهو يلقي له بصحن الخبز والماء ، من خلال كوّة تخترقها بعض القضبان في أسفل الجدار الأمامي بالكاد يرى من خلالها بسطاره …

–    إخرس ….

يردّ عليه الحارس بتلقائية ….

يضحك آخر في الزنزانة المجاورة ….

–    شوف بسطاره كأنك تشوف وجهه …

يقول بينما تتعالى الضحكات من الزنازين الأخرى ….

–    تفو عليكم اولاد حرام …. و هه …. يصيح بنزق بينما يلقي في الصحون المعدنية على الأرضية …..

–    ما لكم أكل اليوم … تفوووو ….

ويمضي بخطىً عجولة ليخرج وقد صفق الباب الثقيل خلفه ….

يسود الصمت للحظات …

–    ملعون أبوكم ولاد كلب …

يصيح أحدهم ….

–    يا خسارة البوفيه !!!!

يعلّق آخر ،،، يضحك الآخرون ….

–    ضروري يعني لهالتعليقات السخيفة يا جحش !!!

–    شو نوكل هلأ !!!! صراصير !!!!

–    منيح إذا بتلاقي !!!!

وتتعالى الضحكات مرة أخرى ….

–    هششششششش …. يصيح أحدهم ..

–    ماذا ؟؟؟؟

–    هششششششش …. يقول بنبرة عصبية …

يصمتون جميعاً ….

يخيمّ صمت تقطعه سعلة أحدهم ……

تُسمع خشخشة ضعيفة …

–    فأر …؟؟

يصيح أحدهم …

–    ولك إخرس لا يهرب !!!

–    دقيقة !!!

يهمس آخر …

–    إنه قريب مني ….

–    حاول أن تلتقطه …. كن حذراً ….

–    ششششششششش ….. يقول أحدهم بينما يصغي إلى صوت الخشخشة الذي صار واضحاً وهو يقترب من الكوة التي في زنزانته ، يمد يده اليسرى وقد باعد بين أصابعها ينصبها مصيدة … يصغي بتركيز شديد …. يزرّ على عينيه علّه يميز ظله أمامه ….

–    …. فينتفض فجأة وقد شعر بخشونة شواربه تلامس كفه الخشنة فيقبض عليه بردة فعل خاطفة ….. فيصيح :

–    مسكته ،،، مسكته … !!!! بينما يزعق ذاك المخلوق اللزج بين يديه ويتلوى محاولاً الهرب ….

فتعلو الهمهمات من باقي الزنازين ….

فيصيح أحدهم :

–          إوعى يفلت !!!

–          دير بالك !!

–    ابعتوا له الخرقة ….

–    بسرعة !!!  ….. يردّ بعصبية

–    كبير ولا صغير !! يصيح آخر ….

–    وسط …. يجيبه وهو يمسكه بمهارة خشية أن يعضّه ….

–    لا يعضّك … يقول أحدهم ….

–    ابعثوا الخرقة يا جماعة ،،، يقول هو بعصبية …

تتطاير الأسئلة والتعليقات في فضاء العتمة بينما يتم نقل الخرقة من كوة إلى أخرى ، حتى تصل إلى يده أخيراً  ….

يتناولها بينما يعض بقوة على شفتيه ،،، يصنع منها شريطاً طولياً بثنيات عريضة ويتأكد من أن الحجر الكلسي مثبت بشكل جيد داخلها ثم يربطها حول بطن الفأر عدة ربطات ….

–    أربطها كويس …. يصيح أحدهم ….

–    دير بالك …..

–    دقيقة يا شباب !!!

–    إهدأ !!!! … يرد بينما يحكم الربط  ….

–    بوس لي اياه بالله عليك ….. يصيح أحدهم …..

–    إخرس …. يجيبه ويكمل إحكام الربط …. ثم يرفعه من إبطيه أمام وجهه كأنه يحمل طفل حديث الولادة يتلوى ويزعق كثيراً …. يحدق فيه يحاول أن يميز ظلاله الشاحبة …

ثم يقترب من الحفرة المليئة ببرازه في طرف زنزانته …. يغمض عينيه كأنه يحلم ….. ويلقيه فيها ليسمع تخابطه وفراره السريع  …. ثم يصيح بكل سعادة :

–    تمت العملية بنجاح يا شباب ….

–    الحمد لله ….

–    مبروك ما أجاك ….يقهقه أحدهم …..

–    الله ما بينسى حدا ….

ويستمر تبادل التبريكات …..

–    ان شا الله ينجح هالمرة …. يقول أحدهم …

–    الله يسمع منك ….

–    بدها حلوان الشغلة …. يصيح آخر …..

 

ويمضي الوقت ….. أياماً ….شهوراً …..سنيناً ……لا يعرفون من الدنيا غير بسطار الحارس …. وخشخشة الفئران وتكتكة العقارب ……  ينامون ويستيقظون …. يئنون ويضحكون ….. يضجرون ويحلمون حلماً واحداً ….

ذات يوم …. لا بد أن يلتقط أحد البشر ذاك الحجر الكلسي …. الذي حفروا عليه رسائل لذويهم يخبرونهم بأنهم معتقلون في سجن لا يعرفون اسمه ….  ولكنهم أحياء وبخير ….

***

**

 

 

 

تمت

 

د. أسامة عبد القادر

الأمارات

22-8-2012