أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » نورس محمد: الموت ولا المذلة (قصة قصيرة)

نورس محمد: الموت ولا المذلة (قصة قصيرة)

منذ نصبوك في ساحة قريتنا اصبحنا رفاق ورفيقات. لم يعد هناك سيد او سيدة او انسة. أصبحت انادي والدتي برفيقة امام حضور الاخرين. أما والدي لم يكن رفيقكم بل كان رفيقي وصديقي لقد اختفى بعد ان نصبوك في الساحة بأشهر قليلة. اختفى لأنه خالفكم الرأي. أتباعك اخذوه في ليلة معتمة ولم يعد الى الان. حدثني كثيرا عنك وعن اتباعك قبل ان يأخذوه. قال لي انكم أوغاد وادمغتكم متعفنة ومتحجرة وكان ينصحني دائما بأن لا أكون مثلكم، وقال لي اشياء كثيرة لن ابوح بها لك. أعرف قذارتكم ولا أريدكم ان تؤذوه لأنني عندي احساس انه على قيد الحياة في مكان ما في اقبيتكم العفنة، ينتظرني. عندي رغبة جامحة بأن ادمرك، ان احولك الى رماد واصنع تمثالا اخر بدلا عنك. تمثال لمدرس يحمل كتاب، عازف قيثارة أو طفلة ذاهبة الى المدرسة. إني اكرهك وأكره اتباعك. إني اكرهكم.

بينما كنت اجلس في فيء تمثال الطاغية في وسط ساحة قريتنا النائية، أراقب العساكر وهم ينصبون المشانق والاناشيد الممجدة بالطاغوت تصدح من مكبرات الصوت اقترب مني وهمس بأذني “يزرق من يشاء بدون حساب” وابتعد الى شاحنته السوزوكي وهو يقفز فرحا مرددا مع مكبرات الصوت الأغنية التي تمجد بالطاغية. حمل صندوقا من الخضار وعاد وهمس بأذني مرة ثانية “الحكومة” وتابع الى حانته. انه الرفيق عبد الكريم. أهل القرية يسمونه عبدو الكر. عين من أعين النظام في قريتنا. كان فرحا على غير عادته، فرحه دليل كارثة ما ستحصل في القرية. فهو كالبوم فأل شؤم، يعرف مالا يعرفه الاخرون لتواصله الدائم مع القيادات في العاصمة.
وضع الصندوق على منصة الخضار امام حانته وعاد وابتسامة عريضة على وجهه “أعرف شيئا لا تعرفه”.
– لديك اخبار جديدة بخصوص الاعدامات غداً
– نعم، خبر مفرح لنا.
– لنا؟ ماذا تقصد بلنا!
– أنا وأنت.
– ما علاقتي أنا بالموضوع؟
– تعرف ان العقيد وليد سيأتي غدا صباحا ليعدم الارهابيين.
– نعم اعرف ذلك واهل القرية يعرفون ذلك.
– ولكن مالا تعرفه هو انه العقيد سيذهب الى قرية أم الجبب ليعدم ارهابيين هنالك ومن ثم سيأتي الى قريتنا بعد الظهر.
– وما المفرح في ذلك؟
– ما المفرح. تسألني ما المفرح. الم تسمع ما قلت سيأتي بعد الظهر. سيأتي بعد ست ساعات عن الوقت المفترض. ولا احد يعرف ذلك. وسأقطع لسانك إن اخبرت أحدا ما. غدا صباحا سيجتمعون وسينتظرون وينتظرون وسيجوعون ويعطشون وسأبيع الكثير من السندويشات والمشروبات وسأربح الكثير من المال. اليس ذلك بخبر مفرح.
– مفرح لك.
– ولك ايضا. سوف تساعدني بلف السندويشات وسأعطيك عشرون قرشا عن كل سندويشة. اليس ذلك مفرحا لك.
قرصني من خدي مداعبا “اليس ذلك مفرحا، قل لي، الست سعيدا بالخبر؟”.
– ولكن غدا…
قاطعني “أعرف أنك ستذهب الى وادي الارانب لكي لا تشاهد اعدام الارهابيين، لأنك ارهابي مثلهم وتتعاطف معهم مثل والدك. ولكنك ستساعدني اليوم، غدا ليس لدينا الوقت الكافي لذلك. ماذا قلت عشرون قرشا للسندويشة الواحدة. فكر في الموضوع الى ان افرغ الخضار من الشاحنة”.
وانطلق الى شاحنته حمل صندوق وعاد “ماذا قلت، عشرون قرشا. ليس بقليل لصبي بعمرك” ثم تابع الى حانته.
نعم انه مبلغ ليس بقليل لصبي بعمري ولكنه مبلغ معجون بدماء الشهداء. لأ لن…، وقبل ان اتخذ قراري وقعت عيناي على صخرة صغيرة تسند عجلة من عجلات شاحنته السوزوكي. قفزت وركضت ورائه.
– موافق، سأساعدك ولن أخذ منك أية مبلغ.
– ستساعدني مجانا، هذا كرم منك.
– لا ليس مجانا، اريد الصخرة التي تسند شاحنتك.
– الصخرة، تريد صخرة.
– نعم.
– خذها فهي لك، غدا اجلب بدلا عنها، الصحراء ممتلئة بالصخور.
كنت سعيدا بموافقته على اعطائي الصخرة. اليوم سأرتقي بهوايتي من نحت الصابون والبطاطا الى نحت صخر حقيقي. بالفعل انه خبر مفرح لي ايضا كما قال عبدو الكر. هرعت فورا الى الشاحنة لأضمن حقي. الرفيق عبدو معروف بإنكاره لحقوق الاخرين.
سحبت الصخرة وركضت بها الى المنزل. وبينما انا اركض اندفعت الشاحنة باتجاه الحانوت واستضمت بمنصة الخضار وكسرتها.
ركض ورائي الرفيق عبدو وهو يشتم ويرميني بحبات البرتقال. ركضت الى الجهة الخلفية من المنزل حيث انصب سلما اصعد عليه عادة الى السطح. وبينما انا في منتصف السلم، مسكني عبدو من قدمي. حاولت عبثا تحرير قدمي من يداه. فما كان مني الا ان رميت الصخرة عليه.
سقطت الصخرة على رأسه. تفتت الصخرة وسقط عبدو على الارض، انفتح رأسه وتدحرج منه دماغه.
قفزت ارضا ورفست دماغه غيظا واذ بدماغه يلتطم بحائط المنزل ويعود متدحرجا ليستقر بين قدمي. كان دماغه أصلب من الصخرة. التقطت دماغه وقطعة من بقايا الصخرة وصعدت الى سطح المنزل وجلست الى منتصف الليل وانا انحت مزهرية صغيرة من دماغه. مستخدما مسمارا صغيرا وقطعة الصخر.

وفي الصباح الباكر صعدت السطح لأتفقد المزهرية التي سهرت على نحتها ولفيتها بقميصي الداخلي وخبيئتها خلف برميل الماء. التقطت القميص المصبوغ بدماء عبدو الكر وفردته على عجل شغوفا لرؤية منحوتتي الاولى من دماغ انسان. وكم كانت صدمتي كبيرة عندما شاهدت ما نحته. لم تكن مزهرية وانما رأس الطاغوت. نعم لقد سهرت الليل وانا أنحت رأس الطاغوت المنصوب تمثاله في وسط الساحة.
رفعت ما نحته لا قارنه برأس التمثال المنتصب في وسط الساحة. وفجأة يهمس شخصا ما في اذني “انه رائع، من نحته؟ انت؟”.
– نعم انا.
التفت الى الخلف وأذ بالرفيق عبدو يقف خلفي وقطعة من القماش يلف رأسه. حي، لم يمت رغم ان رأسه فارغ من الدماغ. ودماغه بيدي.
– انك فنان موهوب، هل تبيعه. سأعطيك خمس ليرات.
– خمسة ليرات؟
– خمسون.
– خمسون؟؟
– مائة ليرة لن ادفع أكثر من ذلك. ماذا قلت.
– انه لك، خذه.
أعدت له دماغه مقابل مائة ليرة. فرح به كما يفرح الطفل بهدية العيد “أنه جميل جدا، انت فنان كما قلت. هل بإمكانك ان تنحت لي سيجار أو ولاعة سجائر لأهديه للعقيد، اليوم؟”.
– يمكنني ذلك ولكنني احتاج الى مطرقة وصخرة.
– اذهب الى الحانوت وخذ ما تشاء ولا تنسى ان تأخذ اتعابك ايضا. ستجد المال في العلبة الصفراء على الرف الاول بجانب جهاز الهاتف. هيا اذهب لا تضيع الوقت.
هرعت على الفور الى حانوت الرفيق عبدو. أخترت مطرقة مناسبة للنحت ووجدت العلبة الصفراء التي سأخذ منها اتعابي وبينما افتح غطاء العلبة دخلت زوجة الرفيق عبدو وتفاجأت بوجودي في الحانوت. صرخت بأعلى صوتها “أيها المجرم ماذا تفعل في الحانوت. الا يكفيك فتح راس زوجي في الامس وتكسير منصة الخضراوات والان تسرقنا.!” وخرجت الى الساحة وهي تصرخ “يا عسكر، يا عسكر، انصبوا مشنقة رابعة لهذا المجرم، السارق” ثم عادت والشرر يتطاير من عيناها “لن انتظر العسكر، سوف اقتلك بنفسي. اين البندقية؟” خرجت وصاحت “أين وضعت البندقية يا عبدو الكر” .
فما كان مني ألا ان خرجت ورائها حاملا المطرقة. وهويت بها على رأسها من الخلف. التقطت دماغها وغادرت بكل برود لانحت لزوجها سيجار من دماغ زوجته. لكنني نحت طفلا صغيرا بدلا عن سيجار. ولاحقا عرفت ومن خلال التجربة اني انحت ما يتوق اليه صاحب الدماغ والقليل من الادمغة لأصحاب العقول التائهة استطيع التحكم بنحتها.

ومنذ ذلك اليوم والى ان انهيت الدراسة الثانوية اصبحت هوايتي اقتلاع الأدمغة المتحجرة ونحتها واعادة بيعها لأصحابها. أفرغت القرية من الأدمغة المتحجرة وجعلتها قرية آمنة لوالدتي، ويممت شطري باتجاه العاصمة دمشق حيث سأكمل دراستي في معهد الفنون الجميلة.
طلبت من والدتي ان تنتقل معي الى دمشق لكنها رفضت. تريد ان تنتظر خروج والدي من المعتقل ولا تريده ان يجد المنزل فارغا عند اطلاق سراحه.

بعد ثمانية ساعات من السفر، قضيت معظم الوقت متصنعا النوم لكي لا اناقش احد ولا أضطر الى اقتلاع دماغ أحد وصلت ليلا الى البيت الصغير الذي استأجرته بمعية عبدو الكر، في الطابق العلوي من بناء بجانب سوق شعبي في وسط العاصمة دمشق. استوديو صغير مؤلف من غرفة واحدة مقسم الى غرفة نوم ومطبخ يفصل بينما جدار بعلو المتر تقريبا. والطرف الاخر من المطبخ نافذة كبيرة تطل على المسجد الاموي. والاستديو مرفق بحمام وتواليت عربي. وأفضل ما في البيت هو مساحة السطح الكبيرة والكافية لبناء بيت لطيور الحمام الزاجل.

لم أكن أعرف قيمة الطيور لولا والدتي التي طلبت من عبدو الكر الذي اصبح دمثا وطيب القلب بعد اقتلاع دماعة، ان يبني لنا بيتا للطيور على سطح بيتنا في القرية. دخلت يومها في نقاش طويل عن اضرار الطيور واوساخه ومن سيعتني بهم. ولكنها اصرت واكدت لي بأنني سأشكرها يوما ما عندما أعرف قيمة الطيور. وبالفعل شكرتها وقبلت يدها عندما شاهدتها في صباح يوم باكر وهي تفرم بقايا الادمغة المتحجرة وتطعهم للطيور. استخدمت والدتي الطيور لتخفي آثار اعمالي وتحميني من الادمغة المتحجرة التي تحوم في القرية ليل نهار. بالإضافة الى ان وسخ الطيور وهديلهم المستمر يبعد الضيوف والفضوليين وهذا ما احتاج له في هذا الوقت.

لم افصح لوالدتي في يوم من الايام بما اقوم به. لا اريد لها ان تقلق بشأني. ولم تسألني هي من أين آتي بالنقود وماذا أفعل طوال الليالي ساهرا على سطح المنزل. سألتها في يوم من الايام ممازحا لم تسأليني من اين لك النقود، ربما اكون سرقتها هل تريدين ان تكوني ام للص. ضمتني الى صدرها وقالت انت ابن ابيك واعرفك جيدا كما اعرف ابيك. نعم كانت تعرفني جيدا وكانت تساعدني بتنظيف القرية من الادمغة المتحجرة. كانت تطلب مني بين الحين والاخر ان ارافقها بزيارة الى بيت من بيوت القرية. وفجأة تبدأ نقاش حاد ومستفز عن الطاغية وتستمر الى ان تتأكد من أن المضيف او احد افراد العائلة من اصحاب الادمغة المتحجرة ومن ثم تستأذن وتغادر وتتركني اكمل المهمة. سأفتقدك امي في هذه الغابة من الادمغة المتحجرة والمتوحشة.

ما ان وضعت الحقيبة الوحيدة التي حملتها معي من القرية على السرير لكي افرغ محتواها حتى لمحت مظروفا انيقا على طاولة الطعام في المطبخ. فتحت المظروف وإذ به دعوة من العميد وليد (ترقى الى رتبة عميد) يدعوني لحضور حفلة زواج ابنته. لقد تقربت من العميد عندما كان يأتي بشكل دوري الى القرية لكي يعدم المناوئين للنظام. تقربت منه ليس حبا به وانما لاقتلاع ادمغة المرافقين له. ولم أجرؤ على اقتلاع دماغه رغم الفرص الكثيرة التي منيت بها وكنا لوحدنا عدة مرات، خوفا على اهالي القرية من تعيين ضابط آخر أكثر قساوة. العميد وليد جشع ويمكن شراؤه بالمال، وانقاذ المتهمين ظلما من حبال المشانق.

هذه فرصة لا تعوض لكي ادخل غابة الادمغة المتحجرة عن طريقة بوابة العميد وليد. غيرت ملابسي على الفور حملت بطاقة الدعوة واشتريت باقة ورود وانطلقت الى منزله. كان على باب فيلته يستقبل الضيوف. عندما رآني اسرع الي وحضنني “أهلا وسهلا بالفنان نورس، أعرف انك ستأتي انت فنان ملتزم واكن لك كل تقدير”.
– ألف مبروك لزواج ابنتك وأسف لم احضار هدية معي. وصلت للتو من القرية.
– حضورك هو شرف كبير لي وهذا يكفي.
– سأحضر هدية مناسبة لابنتك وزوجها غدا.
– اريدك ان تحضر هدية شخصية منك لزوج ابنتي. ليست شراء وانما تنحتها انت بنفسك، فهو يقدر الفنانين وسوف يسهل لك امورك كثيرا. اذهب وتعرف عليه لقد كلمته عنك. انهم في الطابق العلوي اذهب.

تركت العميد يستقبل ضيوفه وصعدت الطابق العلوي. رجال ونساء وشباب وشابات يرقصون على اغنية لعلي الديك. بينما العروسان يجلسان في صدر الصالة العريس كان يتمايل طربا والعروسة جالسة والحزن باد على وجهها وكأنها غصبت على الزواج.
دنوت منهما ثم انحنيت امام العروسة وقدمت باقة الورد لها “ألف مبروك”.
قرأت على البطاقة المرفقة مع الباقة “نورس” ثم نظرت الي “انت الفنان نورس؟ سمعت الكثير عنك من والدي. شكرا لمجيئك” .
مدت يدها لتصافحني. بينما عريسها ينظر الينا باستغراب. قبلت يدها محاولا ان اكون جنتلمان. انتفض عريسها الضابط غاضبا. ومسك بعنقي وسحبني الى غرفة جانبية. رفعني من عنقي وحصرني في زاوية من زوايا الغرفة والشرر يتطاير من عينيه.
– أتعتقد لكونك فنان يحق لك ما لا يحق لغيرك. سأكسر لك زراعك ان اقتربت من زوجتي. يبدو انك لا تعرفني اسأل العميد وليد عني وسأ وسأ…
لم اعد اسمع صراخه. حصل شيء لم يحصل معي سابقا. رأسه اصبح هلاميا ودماغه يتراقص امامي. ما كان علي الا ان امد يدي والتقطه. سقط على الارض مغشيا. وضعت دماغه في كيس بلاستيكي صغير أأخذه معي احتياطا اينما ذهبت ووضعته في جيبي ثم قفزت من النافذة لأغادر.
بينما كنت في طريقي للباب الخارجي نادى علي العميد وليد “الى أين يا فنان؟”
التفت اليه “ذاهب لانحت تحفيه لزوج ابنتك”. كان يحمل كأسا من الويسكي بيد وزجاجة شبه ممتلئة باليد الاخرى.
– أنت مثلي عملي لا تضيع الوقت، ما رأيك بكأس من النبيذ لتنعش افكارك وتنحت اروع ما عندك.
اشار الى فتاة تحمل كووسا من النبيذ. عندما اقتربت التقط العميد كأس وقدمه لي.
– خذ وانتعش، الفنان كالعاهرة لا يبدع الا اذا انتعش.
استغربت من كلامه لم نكن اصدقاء ليقول لي ما قاله. يبدو ان اصحاب العقول المتحجرة ينظرون الى الفنان كالعاهرة.
– هذا رأيك أنت ولكن في واقع الأمر الفنان كالقديس لذلك تتباركون بوجوده وتتوددون اليه. شكرا أنا لا اشرب النبيذ.
سحبت زجاجة الويسكي من يده وغادرت.

فتحت كيس البلاستيك وملأته بالويسكي وتركت دماغ الضابط لمدة ساعتين ليصبح طريا صالحا للنحت. وكما توقعت نحت من دماغه بوط عسكري. وضعت المنحوتة على طرف النافذة لكي تجف وذهبت الى النوم.

استيقظت مبكرا مذعورا على صوت رنين الهاتف الذي لا املكه. هرعت الى المطبخ حيث كان هاتف محمول على الطاولة وبجانبه حزمة من المال. التقطت الهاتف واذ بالعميد على الطرف الاخر.
– رائع ايها الفنان كيف عرفت ان زوج ابنتي يعشق البوط العسكري. لا تفطر وحيدا تعال ننتظرك على الفطور.
لم اقل كلمة واحدة ولم ارد عليه. اخذت حزمة النقود والهاتف وذهبت الى بيت العميد فورا. العسكري الحارس لباب الفيلا فتح لي البابا “انهم في الطابق العلوي، ينتظرونك”.
صعدت الى الطابق العلوي. لم يكن الا العميد وزوجته على طاولة الافطار. ما أن دخلت رميت بحزمة النقود على الطاولة.
– أنا لا اشرى ولا أباع يا سيادة العميد.
– هذه اتعابك وهي من زوج ابنتي وليس مني.
مسكته من اعلى قميصه وسحبته ثم رميته عاليا ليلتطم بالجدار ويسقط على الأرض “من سمح لك بدخول بيتي بدون اذني؟”. ورميته بالهاتف ليفتح جرحا على جبهته وينزف الدم.
– اعتقدت بأننا اصدقاء.
– أصدقاء، كيف اصادقك وانت مجرم تقتل وتسجن، يداك ملطختان بدماء الابرياء.
خرجت زوجته واغلقت الباب وتركتنا وحدنا. بينما هي تخرج صاح عليها العميد “اطلبي من الملازم عيد ان يأتي فورا”.
مسكته من قميصه مرة اخرى ورميته بالاتجاه الاخر ليلتطم بصورة رئيسه المعتوه ويسقطا معا.
– من سمح لك بدخول بيتي بدون اذني؟.
– ندخل بيوت السوريين بدون اذن من احد وانت واحد منهم.
حملته من قميصه و بنطاله ورفعته عاليا وهويت به على طاولة الطعام. تكسرت الطاولة واخذ العميد يتوجع “يا ملازم عيد يا زفت اين انت، أتني بالمسدس”.
صحت به بأعلى صوتي “إلا بيتي، بيتي لا يدخله احد بدون اذن مني، هل تسمع ما أقوله لك. بيتي لا يدخله احد بدون اذني”.
– هل تعلم ما سأعمله بك لتطاولك علي؟
– نعم أعلم ما ستفعله بي ولكن انت لا تعلم ما سأفعله بك.
امسكت به من قميصه وبنطاله مرة اخرى ورميته من النافذة. قفزت ورائه، وضعت ركبتي على عنقه واقتلعت دماغه. وما ان هممت بالمغادرة احسست بأن احد ما يراقبني، نظرت الى الخلف وإذ بزوجة العميد تقف على النافذة. ابتسمت ثم قالت بصوت خافت “شكرا لأنك انقذت ابنتي”.
ما كان مني الان تسلقت الجدار وعدت الى البيت محملا بثلاثة أدمغة.

أعرف انه حقارة مني أن اسطو على دماغ امرأة احست بالأمان بوجودي ولكني لا اترك شهود عيان ورائي كائن من كان. لا اعرف من اين اتتني القوة لرفع شخصا بحجم العميد والجرأة بتحديه كنت ارتعد كالوحش الكاسر، لم اعطه المجال ليدافع عن نفسه او يقف على قدمية. كانت مغامرة خطيرة ولكن ما كان سيحصل اخطر لو تركته يتدخل بشؤوني الخاصة ويعتبرني صديق له.

ومنذ اليوم الأول لوصولي الى دمشق اصبحت كابوسا أسودا على الادمغة المتحجرة. كالخفاش انشط ليلا. اراقبهم واتابعهم واجهز عليهم واحدا تلو الاخر. الوضع هنا مختلف، هنا الادمغة المتحجرة تجتمع على بعضها دائما ويدافعون عن بعضهم البعض بشراسة. بينما في القرية سهل اصطيادهم فرادا. لذلك اصبحت اكثر قسوة وعنف وشراسة عما كنت عليه في القرية. واصبحت لدي قدرة عجيبة على صم أذاني، اراهم يبكون ويتوسلون ويتبولون في ملابسهم. وبكل برود افتح رؤوسهم واسيح دماءهم، اقتلع ادمغتهم. واصبغ جدرانهم بعبارة “نورس مر من هنا” وأغادر. العبارة التي أصبحت تؤرق اتباع النظام وترعبهم.

رغم قساوتي وبشاعتي بالتعامل مع ذوي الادمغة المتحجرة لم يحصل بأني اقتلعت دماغا امام طفل او عجوز ولم يحصل بأني خذلت زبون. عندما يزورني زبون في الغاليري الذي استأجرته في شارع بغداد لأبيع فيه منحوتاتي ولم يجد ما يعجبه. ادخله الى غرفة المسلخ واسلب منه دماغه وانحته وابيعه له ويغادر فرحا كطفل حصل على هدية العيد.

مهنتي في ازدهار ودراستي على ما يرام وازور والدتي كل شهر مرة لأطمئن عليها. يعتبرونني الناس فنان ويعاملونني على اساس ذلك وانا اعتبر نفسي متعهد بناء. اخذ المواد الاولية من الزبون واعيد بناءه من جديد واعيده اليه وآخذ اتعابي. اتمنى ان كون فنان مثل ابنة خالتي بسام. لأغني ساحات دمشق بمنحوتات كمنحوتاته. ولكني انا لست كذلك وكل ما اقوم به ربما يكون بسبب كرهي للأدمغة المتحجرة والمتعفنة التي عاثت في سوريا بغاء وفسادا ولربما يكون انتقاما لوالدي الذي حرموني منه وحرموا والدتي منه.

بينما كنت انتظر، لكي استفرد بدماغ بائع مازوت جشع يحاول بيع مازوت مخلوط بالماء لعجوز بضعف سعره الطبيعي، تساقطت على رأسي قطرات من الماء. نظرت الى الاعلى ورأيتها تقف على بلكونة بيتها تسقي الزهور. سحرتني بجمالها، بشعرها الكستنائي ووجهها الملائكي، وقفت متسمرا في مكاني بينما هي تبتسم وتزيد من سكب الماء علي. كنت اعتقد باني أنا الوحيد القادر على استلاب عقول الناس وإذ بها تسلبني كلي ووقفت كالأبله انظر اليها مفتون بها بينما هي تغرقني بالماء من رأسي حتى قدمي. رمت باتجاهي زهرة ياسمين واختفت. بقيت لفترة وجيزة حتى استردت وعيي التي سلبتني اياها، التقطت زهرة الياسمين وعدت الى البيت بينما بائع المازوت والعجوز يسخران مني.

غيرت ملابسي ونشفت نفسي وعدت لأتعقب بائع المازوت وإذ بها تحمل كتبها ذاهبة الى المدرسة. اقتربت منها.
– ها أنا هنا، اعتذري.
– اعتذر عن ماذا؟
– لقد أغرقتني بالماء قبل قليل.
– هذا انت؟
– نعم هذا انا، اعتذري.
– لن اعتذر، انت يجب عليك ان تشكرني.
– اشكرك ولماذا؟
– لأني قمت بتحميميك، هيا اشكرني.
– من قال لك اني احتاج الى الاستحمام في وسط الطريق.
– لو لم تكن تريد الاستحمام لكنت ابتعدت وما تركتني اسكب الماء عليك.
– كنت مصدوما بجمالك ولم استطع التحرك.

احست بالإطراء. وحاولت ان تقول شيئا ما ولكني لم اعطها المجال. شاهدت دماغا يتراقص على كتفي سيدة دخلت للتو الى المدرسة. زرعت بطاقة التعريف بين صفحات احد كتبها وأسرعت باتجاه فريستي.

دخلت المدرسة، وجدتها تصرخ في احدى الطالبات وتوبخها. سحبتها الى غرفة الادارة واقتلعت دماغها واسرعت الى الغاليري. دخلت مشغلي ونحت دماغها. توقعت ان انحت من دماغها مسدس أو حذاء ولكني لم أتفاجئ عندما نحت شيئا اخجل ان اذكره هنا لكثرة ما سمعت عنها وعن سهرات الليالي الحمراء التي تقوم بها.

بينما كنت في الغاليري اعيد ترتيب التحفيات في الفترينة. دخلت محممتي وشعرها المسبول على كتفيها وبقامتها الممشوقة وعينيها العسليتان. تمعنت بي للحظات ثم تجاوزتني واخذت تتفحص التحفيات.
ذهبت اليها: واخيرا أحسست بالذنب واتيتي لكي تعتذري.
– لا، لم اتي لاعتذر، اتيت لأعرف عنك المزيد.
– وما هو القليل الذي تعرفينه عني.
– لماذا تعيد ترتيب التحفيات.
– اكتشفت عندما اغير اماكن التحفيات ابيع اكثر.
– المارة في الشارع يكتشفون تحفة جديدة لم يلاحظوها من قبل. فكرة ذكية.
– هذا صحيح.
– من اين تستورد هذه التحفيات.
– لا أستوردهم. أنا انحتهم بنفسي.
– اذا انت فنان؟ ومن ماذا تنحتهم؟
– من الأدمغة المتحجرة.
– من الأدمغة المتحجرة!
نظرت الي باستغراب ثم انفجرت ضاحكة: وماذا يمكنك ان تنحت من دماغي.
– زهرة ياسمين.
– توقعت ان تقول ذلك.
– لم تجيبيني، ما هو القليل الذي تعرفينه عني؟
– أعرف بأن اسمك نورس ولديك غاليري في شارع بغداد وتحب الاستحمام في الطرقات. وتنحت تحفيات من العقول المتحجرة وإنك دائما على عجل.
– دائما على عجل، ماذا تقصدين؟
– تمشي بسرعة وكأنك تطارد شخصا ما.
– انت تراقبينني.
– كل يوم.
– اذا سكبتي علي الماء عن عمد وسابق اصرار وتصميم.
– نعم لكي اخفف من عجالتك وانبهك للأشياء الجميلة التي لا تراها وانت تمر بها.
– انت كمثال من الاشياء الجميلة التي لا أراها.
– مثلا.
– جميلة ومغرورة ولا تريدين الاعتذار!
– ربما أعتذر. عندما تخبرني ماذا فعلت بمديرة المدرسة. بعد ان كانت ديكتاتوره ترهب الطالبات والمدرسات اصبحت كالحمل الوديع. ماذا فعلت بها.
– فعلت ما يجب فعله.
– من انت؟ انت مختلف عن الأخرين، كلامك مختلف لباسك مختلف مشيتك مختلفة. بالله عليك من أنت؟
– تستطيعي ان تقولي بأني متمرد.
– متمرد؟!
– نعم متمرد.
– هل تعلم بأن المتمردون يصلون القمر قبل الأخرين.
– من قال ذلك؟
– أنا اقوك ذلك.
– ومن أنت؟
– أنا، اهلي يسمونني مايا.
– وماذا تسمين انت نفسك؟
– اسمي نفسي بصائدة المتمردين.
– صائدة المتمردين! وهل بإمكانك ان تقعي في حب متمرد؟
– لربما. الصياد يقع في حب فريسته، الا تعتقد ذلك؟

اعتقد ذلك؟ انا متأكد من ذلك. لقد رمت شباكها حولي واوقعتني بحبها. ومنذ ذلك اليوم اصبحت الحياة لها طعم أخر. أعطتني مايا الحب والحنان والطمأنينة التي احتاج اليها في غربتي. واصبحت تناديني بنوروستي وانا اناديها بعروستي. شبكنا يدينا ببعض وبدأنا نخطط لأسرتنا الصغيرة التي عزمنا على تكوينها بعد نهاية دراستنا. وخططنا لمستقبل ابتنا مليودي التي سنعلمها الموسيقى وابننا نارت الذي كان اقتراحها بأن يكون لميلودي اخ يحميها ويكون لها أخا وصديقا. ومؤخرا اضافت الى العائلة ابن ثاني لم تجد له اسما مناسبا لذلك قررت ان تسميهم نارت 1 ونارت 2.

فاجأتني حبيبتي مايا عن عزمها بالذهاب الى القنيطرة مع اهلها لقضاء فترة هنالك. وسأبقى أنا في دمشق أطارد الأدمغة المتحجرة. المهنة الوحيدة التي أعرفها والتي أدمنت عليها. السفرة لم تكن مخططة لها وخاصة نحن في الشهر الثالث ولا توجد اعطال دراسية. ولكنها فرصة مناسبة لأخبرها عن ما لا تعرفه عني. أنا لست كبقية البشر، أنا نصفي قلب ونصفي الأخر حجر. في النهار فنان ملهف، عاشق متيم وفي الليل كابوس أسود على رؤوس أتباع النظام. في النهار أنا الجانب المضيء من الملائكة وفي الليل الجانب المظلم من الشيطان. لا أنا لست كباقي البشر ويجب ان تعرف ذلك. لتفكر خلال اجازتها وسأرضى بما تختاره وسأكون سعيدا لها حتى وإن قررت أن تعيش حياتها مع انساني أخر طبيعي. فأنا لست بطبيعي وحياتي دائما في خطر، وسأعرض حياتها وحياة أطفالنا الى الخطر.

لقد تعرضت لإطلاق النار ثلاثة مرات واخترقت صدري رصاصة في إحدى المرات ولحسن حظي لم تخترق قلبي. بقيت طريح الفراش اسابيع طويلة. استحلفتني والدتي أن اتوقف عن مطاردة الأدمغة المتحجرة وبالفعل حاولت ولكنني لم استطع، أحسست بأني أخونها وأخون والدي وأخون سورية وأخون الله الذي اصطفاني من دون السوريين جميعا للقيام بمهمة لا يستطيع أحد القيام بها. يجب علي جعل سورية بلدا أمنا لحبيبتي ولأطفالي لميلودي ونارت وينال. ينال الاسم الذي اختارته لابننا الثالث بدلا عن نارت 2. وآمنا لأطفال سورية. أحس بأن نهايتي قد اقتربت وستكون بشعه وسأموت موتا شنيعا. وأتمنى أن لا ترى حبيبتي ذلك وأن لا تعيش تلك اللحظات.

دخلت حبيبتي واتجهت الي حيث كنت أجلس في زاويتنا المعهودة في كافتيريا صغيرة في زقاق من أزقة دمشق القديمة.
– ما الخطب؟ هل ماما بخير؟
– ماما بخير. اجلسي.

فرحت والدتي كثيرا عندما أخبرتها عن حبيبتي مايا وعرفتها بها. اصبحتا صديقتان وحبيبتان، تتهاتفان كل يوم واحس احيانا بأنهن تتآمران علي لكي أغير من طريقة حياتي وأقلل من سهر الليالي وانشغالي الدائم بالغاليري وان اهتم اكثر بالدراسة واحيانا تسخران مني لعدم معرفتي بالألوان كالفوشي والموف والسكلما انهن حبيباتي وكل ما أملك في هذه الدنيا لذلك يجب احافظ عليهن ولكنني اصبت بلعنة الأدمغة المتحجرة.

– ليس لدي الكثير من الوقت. والدي قرر السفر الى القنيطرة هذه الليلة، لديه موعد مع المحافظ غدا صباحا ويجب ان يكون هناك.
– لا أعرف من أين أبدأ وماذا أقول.
– ماذا بك، نورس. هل انت مريض وجهك شاحب.
– لا حبيبتي انا لست مريض ولكن احببت أن اخبرك.
– بماذا، تضايقت من ذهابي الى القنيطرة. لن اذهب.
– وددت أن أخبرك بانني خائف على سورية.
– سورية بخير، سورية الله حاميها.
– ماذا قلتي؟
– سورية الله حاميها. لا تخف عليها.
– سورية لم ولن يحميها الله. سورية أمانة في أعناقنا ونحن من يجب أن يحميها.

قالتها مرتين وبدون تردد “سورية الله حاميها” إحدى الجملتين الاكثر استخداما لذوي الأدمغة المتحجرة. جملتا السر التي اعرف من خلالهما تحجر الادمغة هما “سورية الله حاميها” و “اعرف مع من تتكلم”. الجملتان اللتان تحولاني من انسان طبيعي الى وحش كاسر.

اخذت قدماي ترتعدان وبردت يداي وأخذ العرق يتصبب مني. انها بداية تحولي. لا، لا اريد ان اسلب حبيبتي دماغها. يجب ان أغادر. انتفضت واقفا وركضت لأغادر الكافتيريا. اصطدمت في طريقي بالنادل واطحت به ارضا. احسست بأن قلبي سقط من صدري واستقر تحت النادل، دفعته جانبا والتقطت قلبي ووضعته في جيبي وغادرت كالمجنون.

دفعت رأسي تحت الصنبور في غرفة المسلخ في الغاليري. وسكبت عليه الماء البارد لكي استرد نفسي من الوحش الذي يسكن جسدي. وفجأة تذكرت قلبي. أدخلت يدي في جيبي وإذ بي احمل دماغ حبيبتي بيدي. يا الهي ماذا فعلت. لقد سلبت حبيبتي مايا دماغها. انه ذنب لا يغتفر. كيف اعيد لها دماغها. لم يحصل بأني اعدت دماغ احد. أعرف انها ستعيش كبقية البشر ولكنها ستبدأ من الصفر بدون ذاكرة. لماذا يا الله تركتني اسلب دماغها؟ انها حبيبتي وستكون اما لأولادي. لماذا؟ اجبني. لا تدعني اكفر بك. تعرف بأنني لا أستطيع السيطرة على نفسي وانت الوحيد القادر على ايقافي ولم تفعل. الم يخبروك بأنني احبها؟ الم تسمع عن ميلودي ونارت وينال. لماذا لم تجعل الرصاصة تخترق قلبي قبل أن اقترف هذا الجرم بحقها؟ الى متى تتركني اعبث بالأدمغة التي انت خلقتها؟ الى متى؟ الى ان اسلب والدتي دماغها!! لا هذا لن يحصل ولابد لهذا الجنون ان يتوقف.

التقطت اكبر مطرقة عندي وانتفضت. حطمت الغاليري. حولت المنحوتات الى رماد، كسرت الرفوف خلعت الابواب ودمرت الجدران. لكن هذا لا يكفي. غدا سأطارد الأدمغة المتحجرة من جديد. لابد لهذا الجنون ان يتوقف. وضعت يدي على الطاولة الحديدية التي انحت عليها الأدمغة واغمضت عيناي وهويت على اصابعي بالمطرقة وهشمتهم. ثم وضعتهم على طرق الباب واغلقت الباب بقوة وبترت اصابعي. الأن انتهت مهمتي.

كنت واهما عندما نصبت سلم طموحي على جدار احلامي المبني من ادمغة الأخرين. لبنة من لبنات ذلك الجدار هي لحبيبتي مايا. طموحي فاق المعقول وأصبحت خطرا على أحب الناس الى قلبي وكان لابد لي من اتوقف وليستلم الراية شخص اخر ليتابع تنظيف سوريا من الادمغة المتحجرة. سورية لديها ما يكفي من الشرفاء. سينتفضون يوما ما وسيحولون حياة الطاغية الى جحيم. أما انا يدي اليسرى وبعد ان بترت اصابعي لم تعد تنفع للنحت ولا حتى للرسم. ولكني لست من يستسلم بسهولة. من يولد متمرد سيموت متمرد. لدي الكثير من الوثائق والقصص المرعبة عن أفعالهم وخياناتهم لأخطها وأؤرق مضاجع الطاغية واتباعه. وهذا ما سأفعله بعد ان تلتئم اصابعي.

جلست في صالة الانتظار في المشفى مع مجموعة من المراجعين ننتظر الطبيب الذي تأخر عن الدوام. أريد أن أضمد اصابعي ليوقف نزيف الدم.

دخلت ممرضة غرفة الانتظار ثم نادت: نورس.
لم يقم احد من الموجدين ويعلن عن نفسه انه نورس.
نادت مرة ثانية: نورس محمد.
ثم وجهت كلامها لي: انت ما اسمك؟
أنا، ما اسمي؟ من أنا؟ يا الهي لقد نسيت اسمي! أيعقل هذا! كيف لي ان انسى اسمي. أيعقل ان يسلم الله الراية الى شخص اخر وأكون أنا أول أهدافة. لا هذه خيانة، كنت جندا من جنوده والأن يعاملني كعميل للسي أي أيه CIA. عندما يستغنون عن خدمات العميل ينهون عليه. لابد لي من التأكد بأن دماغي لم يسلب.

انتفضت متجاوزا الممرضة وسحبت في طريقي طبيبا كان مارا في الكريدور – من ذراعه – الى غرفة العمليات.
نمت على السرير: هيا افتح راسي.
نظر الي باستغراب: افتح رأسك!؟
– نعم افتح رأسي وتأكد انه دماغي موجود ولم يسرق.
– هل انت مجنون.
– لا انا لست مجنون هناك أناس يسلبون الادمغة. هيا ارجوك افتح رأسي اتوسل اليك.

نظر الي باستغراب ثم غادر الغرفة. ركضت ورائه تمسكت بثيابه رجوته، توسلت اليه. دفعني جانبا وتابع. اخذت اركض كالمجنون من غرفة الى أخرى ابحث عن طبيب ليفتح راسي. ارجوكم افتحوا رأسي، اتوسل اليكم، أرجوكم. لم أجد اذن صاغية. لا أحد يريد ان يفتح لي رأسي ليتأكد إن الله لم يخنني.

أمي، نعم، أمي هي الوحيدة التي ستساعدني وستفتح لي رأسي. حتى وان مت سأموت بين ذراعيها. اسرعت الى المنزل واتصلت بها ولكنها لم تجب. أين انت يا أمي، أين انت؟ اني احتاجك. يبدو وكأنني سأضطر الى فتح رأسي بيدي. ولكن ماذا لو دماغي لم يسلب؟ ولم استطع إعادة جمجمتي الى مكانها. الأفضل فتح ثقبا صغيرا في رأسي بمسمار صغير. هذا هو الحل. نعم هذا هو الحل، عملية صغيرة فقط للتأكد.

فرشت الطاولة بغطاء من النايلون وحشرت مسمارا صغيرا بين بقايا اصابعي المبتورة، وضعت رأسي على الطاولة ووجهت نهاية المسمار الى رأسي. أخذت المطرقة باليد الأخرى وهممت بضرب المسمار. لكني لم أجرؤ. أخذ العرق يتصبب مني، أغمضت عياني وحاولت مرة ثانية.
هيا يا جبان افتح رأسك. هيا، تفتح رؤوس الاخرين بدون تردد. هيا دع دمك يسيح وخط به على الجدار نورس مر من هنا. هيا يا نورس يا جبان.

نورس!! نعم أنا نورس. نورس محمد. دماغي لم يسلب. ربما نسيت اسمي مؤقتا للضغوط النفسية التي اتعرض لها وربما اشارة من الله سبحانه وتعالى بأن مرحلة جديدة قد بدأت. شكرا لك يا رب لأنك لم تجعلني افتح رأسي. أعرف انك ما زلت تثق بي وأن مهمتي لم تنتهي بعد. ولكن كما ترى انا لم اعد اصلح لمحاربة العقول المتحجرة بالطريقة التي اعتدت عليها. اعطني مهلة قصيرة لكي اجد حلا اخر لمحاربة الطاغية. ولابد من حل يقضي على الادمغة المتحجرة دفعة واحدة والى الابد. دعني اعود الى وعيي وسأفكر لك بطريقة أخرى، تعرف اني لن اخذلك.

وضعت رأسي تحت صنبور الماء كما افعل عادة لأهدئ من روعي واعود الى وعيي بعد كل عملية اقتلاع لدماغ متحجر. اغمضت عيناني ورأسي تحت الصنبور وبينما الماء البارد يسيل على رأسي سمعت هتافات تقترب رويدا رويدا. أغلقت الصنبور وأصغيت، وإذ بي أسمع صبية يهتفن “الموت ولا المذلة”.

نعم الموت ولا المذلة. هذا هو الحل. هرعت الى النافذة وإذ بي أتفاجئ بحبيبتي مايا تتوسط صبية وهن يهتفن الموت ولا المذلة. كم انت عظيمة حبيبتي، انت تتمردين في وضح النهار وانا اتمرد كالخفاش في الليل. انت تتمردين بسلمية وانا أتمرد بدموية. السلمية تجلب السلم والدموية تجلب المزيد من الدماء. كم انا فخور بك. الأن عرفت لماذا اخترعت قصة الذهاب الى الجولان. كانت تتوقع بأنها ستعتقل وستغيب في ظلمات السجون ولا تريدني أن اقلق عليها. وما الدماغ المتحجر الذي سلبته يوم لقائي الأخير بها الا للنادل الذي كنت اتحين الفرصة المناسبة لأقتلع دماغه.

صحت بأعلى صوتي: مايا. الموت ولا المذلة.
– نعم انها الموت ولا المذلة. وداعا للأدمغة المتحجرة.
الأن تأكد لي ما كنت أشك به بأنها تعرف ما أقوم به رغم انني لم اخبرها، لربما والدتي أخبرتها. المهم الان أن أشاركها تمردها وبطريقتها السلمية.

صاحت: ماما في طريقها اليك. رأت حلما أقلقها وأتت لتطمئن.
ماما حبيبتي. ماما هنا. ما ان هممت بأغلاق النافذة حتى احسست بشيء صلب يخترق جبهتي ويخرج من مؤخرة رأسي. أحسست بها وهي تمزق دماغي. عندها تأكدت ان دماغي لم يسلب.
سال الدماء على وجهي، ترنحت قليلا ومن ثم سقطت صريعا في حضن أمي.

النهاية.