أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عمر قدور : الجرأة الحقيقية هي في الاعتراف بأن داعش يمثل الإسلام على نفس الدرجة من مشروعية تمثيل التيارات الأخرى له

عمر قدور : الجرأة الحقيقية هي في الاعتراف بأن داعش يمثل الإسلام على نفس الدرجة من مشروعية تمثيل التيارات الأخرى له

ستبدو طرفة كبرى أن نجد من بين المسلمين، وحتى المثقفين العلمانيين، نسبة لا بأس بها تقول بأن “داعش” لا يمتّ إلى الإسلام، أو لا يمثّله. حيث سنرى فهماً للإسلام لدى هاتين الفئتين يزعم الوسطية التي يرى أنها روح الإسلام، وينفي ما عداها، أو بالأحرى يرى أن هذه الفرقة الوسطية هي الفرقة الناجية، فضلاً عن أنه صراحة أو ضمناً يكفّر داعش، أو بالأحرى يبادلها تكفيراً بتكفير، مع أن أحد أهم المآخذ القديمة على التنظيمات الجهادية هو تكفيرها لما عداها من المسلمين!

إذاً سيكون سهلاً القول بأن “داعش” لا يمثّل الإسلام، كتوطئة لنزع صفة الإسلام عنه، وسيكون إطلاق هذا الحكم أسهل بالتأكيد من القول بأن “داعش” يمثّل جانباً من الإسلام.

 

الإقرار بإسلامية “داعش” يقتضي من المسلمين والإسلاميين “المعتدلين” الاعتراف بتعدد الإسلام ذاته، وهو أمر ينفي صفة الانسجام التي يصر عليها هؤلاء، ويفضح انتقائيتهم الخاضعة لاعتبارات سياسية. القول بأن منظري “داعش” ينتقون من النص المقدس والأحاديث النبوية ما يدعم رؤيتهم يعني تالياً أن الآخرين يفعلون ذلك أيضاً، وهذا يقتضي نقل المعركة إلى داخل الفضاء الإسلامي، وإلى داخل النصوص المقدسة ذاتها، ومن الجلي أن معسكر الاعتدال غير جاهز لفتح معركة جوهرية قد تطال أيضاً الأسس التي يبني عليها اعتداله.

تكفير “داعش” هو الحل السهل، مثلما يرى داعش وأشباهه في تكفير المسلمين الآخرين حلاً يتهرب به من تقديم اقتراحات حقيقية تلامس واقع بلاد المسلمين في العصر الحالي. من هذه الجهة، لا يختلف معسكرا التطرف والاعتدال، فكل منهما يزعم النطق باسم المقدس، وكل منهما يستند في معركته أولاً إلى النصوص، فيلتبس السياسي بالفقهي على نحو لا يمكن إلا أن يكون متعمداً وماكراً للإجهاز على الفضاء السياسي العام، أو للهيمنة عليه بدعوى الإسلام؛ لا يخرج عن تلك المصادرة القول بأنها “بلاد الإسلام” لا بلاد المسلمين. التفسيرات المتباينة للمعسكرين لا تعترف في حالتها القصوى بالعالم بوصفه عالماً متحركاً ومتغيراً، ولا تعترف بمشروعية الخروج عن تعاليم الإسلام التي تتعلق أولاً بما يُسمى فقه “المصالح المرسلة”، وهو فقه توقف منذ قرون، وهي بالتأكيد لن تجرؤ على ملامسة قضية حرية العبادة، وتحديداً حرية أن يقرر أفراد ولدوا مسلمين أنهم ليسوا كذلك أو أنهم قرروا التخلي عن الإسلام.

ما يلفت الانتباه أن التنظيمات الجهادية أقرب من نظيرتها المعتدلة على صعيد القراءة التاريخية للإسلام، مع اتفاق الطرفين ضمنياً على إغلاق باب التغيرات الكبرى فيه. فالإسلام السمح المعتدل يستند غالباً إلى الإسلام المكّي المُستضعف حينها، بينما ينتمي نظيره الجهادي إلى الإسلام المديني. الإسلام المعتدل أقل انسجاماً لأنه لاتاريخي في طبعه، ولا يستطيع تجاهل المرحلة الجهادية المتقدمة، أو مرحلة الدولة التي لا تزال ترخي بظلالها على المفاهيم السياسية للاعتدال. لنقلْ ليس من مصلحة الإسلام المعتدل أن يكون تاريخياً، لأن الإسلام الجهادي سيمتلك الأرجحية حينئذ على قاعدة الناسخ والمنسوخ في القرآن، ووفق هذه القراءة سيجري نسخ العديد من الآيات التي يرفعها المعسكر الآخر دلالة على سماحة الإسلام ووسطيته. الإسلام المعتدل لا يملك خيار أن يكون تاريخياً ضمن النص القرآني أو النبوي، ولم تمتلك التيارات الفاعلة منه جرأة أن تكون تاريخية بالمعنى الذي يثوّر الإسلام ضمن الإسلام نفسه. من هذه الناحية على الأقل، قد يمتلك “داعش” مشروعية تكفير المعتدلين، بينما لا يملكون هم المشروعية ذاتها بناء على النص نفسه.

ثم إن الإسلام المعتدل، المستند إلى النص المكّي، لا يدفع انتماءه إلى الحد الأقصى، ولا يستطيع التخلي عن مقولة أن “الإسلام دين ودنيا”. ومع أن النص المكّي يتمحور غالباً على القضية الإيمانية إلا أن المعتدلين لا يجرؤون على حصر الإسلام في الجانب الإيماني المحض، ومن ثم لا يجرؤون على البناء عليه بمفرده، الأمر الذي سيجعل منهم إسلاميين علمانيين، لا وسطيين فحسب كما يجري تعريفهم. حتى تعبير الوسطية يبدو مخاتلاً، لأنه يستند إلى حديث نبوي وليس إلى الوقائع السياسية المعاصرة. فالأمة الوسط بالمفهوم القديم لا تعني الوسطية بالمفهوم المعاصر، وضمن تيارات الإسلام السياسي المعاصر يظهر الاعتدال نسبة إلى التطرف فقط، ولا نرى على يسار المعتدلين تياراً سياسياً فاعلاً، أما الحالات الفردية لكتّاب إسلاميين أكثر جذرية فقد بقيت هامشية على صعيدي الفكر والسياسة.

في مواجهة “داعش”، ليس من الجرأة في شيء استخدام أسلوب التكفير، والقول بأن فكر “داعش” خروج عن الديانة السمحاء. الجرأة الحقيقية هي في الاعتراف بأن داعش يمثل الإسلام على نفس الدرجة من مشروعية تمثيل التيارات الأخرى له، إن لم يكن يفوقها أمانة تاريخية. ربما هي الحرب الممتنعة حتى الآن ضمن الإسلام السني، والتي أتى داعش ليفرض استحقاقها على الأطراف الأخرى من خلال جرّ الإسلام الجهادي إلى مداه الأقصى، ومن خلال فهم عميق لتقادم الفكر المعتدل أو الوسطي. المراهنة على فشل داعش مبنية على أن الفهم الداعشي آتٍ من الإسلام لا من المسلمين الحاليين، وأن يتوخى تيار الاعتدال النجاح بناء على ذلك أمر لا يخلو من الانتهازية السياسية الصغيرة فحسب، وإنما يتوخى وراثة الإسلام من دون كلفة فكرية، ومن دون تحرير المسلمين من أعباء الإسلام المضافة فوق إيمانهم.

 

عمر قدور



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع