أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون المهاجرين » الهجرة المعاكسة سوريون يتخلون عن إقاماتهم الأوروبية ويعودون إلى سوريا

الهجرة المعاكسة سوريون يتخلون عن إقاماتهم الأوروبية ويعودون إلى سوريا

فرقتهم الحرب، وشتتتهم في أصقاع الأرض، وكانت دول أوروبا الوجهة الأكثر إغراء لمعظمهم، كبلدان تتوافر فيها كل مقومات الحياة، بما فيها تأمين مستقبلهم ومستقبل أولادهم. إلا أن قسما من السوريين الواصلين إلى تلك البلاد سرعان ما اتخذوا قرارات بالعودة إلى سوريا، مدفوعين بأسباب مختلفة.

وبالرغم من قلة هذه الحالات مقارنة بمئات الآلاف الذين بدأوا حياتهم في الدول الأوروبية، إلا أن خيار العودة إلى البلد، أو ما يجاورها، كان قرارهم، على الرغم من

سوء الأوضاع، وحتى تدهورها بشكل أكبر مما كانت عليه قبل خروجهم. وعلى الرغم من مخاطر الملاحقة الأمنية لبعضهم.

إنهم لاجئون سوريون تخلوا عن إقاماتهم الأوروبية. فما الذي دفعهم للعودة إلى بلد تطحنها الحرب؟

لم يكن رياض بدران، 42 عاما، والذي كان يعمل مهندسا مدنيا في مدينة حلب، ليتصور أن يؤدي به اللجوء إلى ألمانيا إلى فقدان أسرته بالكامل، وعودته من هناك ليستقر في إحدى قرى محافظة إدلب وحيدا، بعد أن طلقته زوجته قبل مضي أشهر على وصولها إليه في بلد المهجر، بعد أن استكمل إجراءات لم الشمل لها ولأطفاله الثلاثة. ويوضح بدران لـ”صدى الشام”، أنه لم يكن ليتوقع أن يأتي يوم تطلقه به زوجته وتحرمه من أطفاله دون سبب مقنع، ودون أن يتمكن من فعل شيء. ويتابع بدران: “كنت أنتظر بفارغ الصبر استكمال إجراءات لم الشمل كي تصل أسرتي إلي، ونعيش حالة استقرار بعد أن افترقنا لمدة تزيد عن العام ونصف العام. ولكن يبدو أن فترة الانقطاع عن العائلة لمدة طويلة، قد غيرت كثيرا ما في النفوس. كما أن القوانين في أوربا كلها لصالح الزوجة، دون أن يكون للزوج الحق في فعل شيء”، ويضيف: “منذ وصول زوجتي، “طليقتي حاليا”، وأطفالي إلى ألمانيا، شعرت أن هناك تغيرا في طريقة التعاطي معي، ومما زاد في هذا التغير أنني هناك فقدت كل ميزات رب الأسرة المسؤول عن إعالتها، فكلنا نعيش على المساعدات، حتى أن القانون هناك أعطاها ميزات تفضيلية عني. الأمر الذي أعطاها القوة لتحاول فرض نوع من السلطة علي، والتعامل على أنها هي رب الأسرة وليس أنا، قابله حساسية من طرفي بعدم تقبل هذا الوضع مع إحساس بالعجز. وربما كان الانتقال من بيئة محافظة تحكمها تقاليد معينة، إلى بيئة منفتحة وتشجع على كسر كل العادات والتقاليد بهدف الاندماج بالمجتمع الغربي، هو السبب الأهم في ما حصل معي ومعي كثيرين غيري”.

لاجئ سوري: ربما كان الانتقال من بيئة محافظة تحكمها تقاليد معينة، إلى بيئة منفتحة وتشجع على كسر كل العادات والتقاليد بهدف الاندماج بالمجتمع الغربي، هو السبب الأهم في ما حصل معي ومعي كثيرين غيري.

رياض لم يكن الحالة الوحيدة التي تخلت عن اللجوء في أوربا وعادت إلى سورية. فبعض الحالات عاد أصحابها إلى إحدى البلدات التركية الحدودية مع سورية، بسبب استحالة العودة إلى مناطقهم. وهناك مئات الحالات التي تعددت أسباب عودتها، وإن كان العشرات منها فقط تتشابه أسبابهم مع أسباب رياض بدران، إلا أن أكثرهم عاد بعائلته قبل أن تستفحل المشكلة، وقليل منهم تركوا عائلاتهم في أوربا.

 

عدم التأقلم هو السبب الرئيسي

 

“الحقيقة لم تكن كما صورها لنا من سبقنا إلى ألمانيا، كما أن الصور التي شاهدناها عن أوضاع اللاجئين السوريين هناك لم تكن تشبه الواقع الذي عشناه فيها. لأن الصور ببساطة، لا تنقل المشاعر ولا الأحزان ولا المعاناة، ولا أي شيء مما يقاسيه اللاجئ”، هكذا بدأ أحمد المصطفى، موظف سابق في سوريا، حديثه لـ”صدى الشام”، ثم تابع: “شعرت خلال فترة لجوئي في ألمانيا وكأنني كائن غير بشري محبوس في قفص، يأكل ويشرب فقط، دون أن يتمكن من ممارسة حياة اجتماعية تشبه الحياة التي كنا نعيشها. حتى اللباس والطعام مختلف عما اعتدنا عليه”. واضاف المصطفى: “أعتقد أن الكثير من اللاجئين يعانون المعاناة نفسها التي عانيتها، لكنهم يحاولون أن ينقلوا صورة جيدة مختلفة عن الواقع”، وتابع: “ألمانيا بلاد جميلة ومتطورة، ولكنها لم تناسبني أبدا كبلد للعيش. ومنذ وصولي إلى اليونان، أولى المحطات الأوروبية، بدأت تتكشف لي معالم ما أنا مقدم عليه؛ لغة لا أعرفها، أناس مختلفون عن مجتمعنا، لباسهم مختلف وكذلك عاداتهم، حتى طعامهم مختلف”، وأضاف المصطفى: “على الرغم من أنني شخص أعزب وليس لدي أطفال أو عائلة أرتبط بهم، إلا أنني لم أستطع التأقلم مع المجتمع هناك. لقد عشت غربة كبيرة جدا، وأحسست بأنني شخص غير مرغوب به. عدا عن حالة القلق التي يعيشها كل اللاجئين، وخاصة بعد توتر الأوضاع في أوربا بشكل عام، وبعد أحداث باريس وتفجيرات بلجيكا، فقد بت أعتقد أن أي شخص عربي أصبح موضع شك بالنسبة لهم”.

أما ياسر الابراهيم، وهو رب أسرة مكونة من زوجة وأربعة أطفال، فقد ترك الإقامة في السويد ليعود إلى سورية، وقال لـ”صدى الشام”: “هناك أسباب كثيرة دفعتني لاتخاذ هذا القرار. قد تبدو هذه الأسباب بلا قيمة بالنسبة إلى غيري، لكنني اعتبرها جوهرية بالنسبة لي ولعائلتي. فأنا أستطيع أن أتحمل الفقر والحاجة على أن أرى ابنتي تخرج من دون حجاب، أو تدخل في مدرسة مختلطة للذكور والإناث، مع كل الفعاليات التي يفرض عليهم القيام بها معا. أنا من بيئة محافظة وليس بمقدوري تقبل عادات المجتمع الغربي”. وأضاف الإبراهيم: “أنا لم أعتد أن للمرأة الحق بالطلاق في أي وقت تشاء، وكأنني أصبحت “رجل كرسي” بالنسبة لها. فقد أصبحت زوجتي تهددني بأنها ستطلب الطلاق وبأنها محمية هناك عند أبسط خلاف بيننا. وكانت أبسط كلمة تقولها (نحن في السويد، ولسنا في سوريا) وتشعرني دائما بأنه لا سلطة لي عليها هناك”، وتابع الإبراهيم قائلا: “تصوري بأنه تم توقيفي لمدة 48 ساعة بسبب اتصال ابنتي بالشرطة، لأنني لم اسمح لها أن تذهب إلى مسبح مختلط ضمن نشاطات المدرسة. كما تم إبلاغي بأنني إن كررت فعلا مشابها مع أطفالي فسأحرم منهم. لذلك قررت أن أعود أدراجي، لأحافظ على عائلتي، رغم كل المخاطر التي تنتظرني في بلدي…فالموت موجود في كل مكان”.

فشل لم الشمل سبب آخر

كانت أسباب عودة عبد الكريم الحلبي، وهو مدرس سابق من ريف حلب، مختلفة عما سبق، وقد قال لـ”صدى الشام” بأن “قرار العودة من الدانمارك ليس بالأمر السهل، ولكن الظروف كانت أقوى مني. فمنذ أكثر من سنة، وأنا أنتظر لم الشمل لزوجتي وطفليي العالقين في تركيا، وهو ما لم أنجح بالحصول عليه، لعدم تمكني من الحصول على عدد من الأوراق الثبوتية المطلوبة، والتي يجب استخراجها من سوريا، وهذا أمر شبه مستحيل حاليا”. وتابع الحلبي قائلا: “بالإضافة إلى ذلك، فقد وجدت الحياة في الدانمارك صعبة، فالأجواء باردة جداً، وحتى الناس باردون جدا، وكأنك تعيش في القطب المتجمد، فلا حياة اجتماعية هناك، ولا أشخاص اعرفهم. كما أن الحكومة الدانماركية الجديدة بدأت تتخذ قرارات تضيق فيها على اللاجئين، وهو ما سرع بقراري للعودة. للأسف، لم أكن أتمنى العودة في ظل استمرار الحرب، ولكن الظروف كانت أقوى مني، وعائلتي بأمس الحاجة لي”.

الحلبي: لم أتمكن من لم شكل عائلتي الموجودة في تركيا، لعدم تمكني من الحصول على عدد من الأوراق الثبوتية المطلوبة، والتي يجب استخراجها من سوريا. وهذا ما دفعني للعودة إليهم.

ولأسباب مختلفة أيضا عن ل ما سبق، تسعى رنا الأحمد، اللاجئة في فرنسا، للعودة إلى بيتها في دمشق، وهي جامعية كانت موظفة بإحدى الدوائر الحكومية في مدينة دمشق، مبينة أنها تفكر جديا بالعودة بعد أصابتها بحالة من الاكتئاب، رغم وجودها مع والديها الذين اصطحبتهم معها في رحلة لجوئها. تقول الأحمد: “لقد خرجت رغما عني، كما الآلاف من الوريين، مع أنني لم أتخيل يوما بأنني سأعيش خارج وطني، وبعيدا عن أهلي وأصحابي. لقد كانت الظروف أقوى مني، فبعد اعتقال أختي من قبل قوات النظام ودون سبب واضح، اضطررت للخروج خوفا على نفسي؛ وبمعنى أصح: لقد هربت، واصطحبت أمي وأبي معي. أما الأن وبعد مرور سنة على إقامتي في فرنسا، فأنا أنوي العودة، لأتابع محاكمة أختي المعتقلة حاليا في سجن عدرا. لا أعلم ماذا ينتظرني هناك. ورغم الخوف الكبير مما سيواجهني في سوريا، ولكنني سأعود”. وأضافت رنا: “نعم، سأفتقد أشياء كثيرة هنا، وأولها إحساسي بأنني إنسان.. ذلك الإحساس الذي لم أشعر به إلا يوم وصولي إلى فرنسا”.

شهرزاد الهاشمي

صحيفة صدى الشام