أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » ذيبان الأردنية… صوت الفقراء العالي ينذر بالانفجار

ذيبان الأردنية… صوت الفقراء العالي ينذر بالانفجار

شهد الأردن الأسبوع الماضي أزمة اجتماعية كادت تتحول إلى انفجار مفتوح في كل أنحاء المملكة، لا سيما البؤر الفقيرة والمهمشة فيها، على خلفية إقدام الشرطة، يوم الأربعاء الماضي، على قمع اعتصام كان ينفذه عاطلون عن العمل في لواء ذيبان، جنوبي عمان، منذ حوال شهرين، مما أثار مواجهات عنيفة، تخللها اعتقال 20 شخصاً، قبل أن تتوصل السلطات وفعاليات محلية في البلدة إلى اتفاق يوم السبت الماضي، نص على الإفراج عن المعتقلين وإيجاد فرص عمل.

احتدمت الأزمة مساء الأربعاء الماضي بعد تدخل قوات الشرطة الأردنية، بناءً على تعليمات صادرة عن وزارة الداخلية، وهدمها خيمة أقامها عاطلون عن العمل لمطالبة الدولة بتوفير وظائف لهم. وأثار قرار الداخلية استغراب سكان لواء ذيبان الواقعة ضمن حدود المناطق الأشد فقرا، لا سيما أنه جاء بعد مضي 58 يوماً على وجود الخيمة، التي ذاع صيتها في الأردن، وأصبحت رمزاً لمشكلة البطالة المستفحلة التي تعجز السلطات عن حلها، على الرغم من اعترافها ببلوغها مستويات خطرة، ووصولها إلى معدل 14 في المائة بحسب الإحصاءات الرسمية، علماً أن منظمات محلية ودولية تؤكد أن نسبة البطالة تتجاوز هذا المعدل بكثير.

التدخل العنيف لقوات الدرك خلال هدم الخيمة، وتعاملها مع الاحتجاجات الشعبية على هدم الخيمة، واللذان سبقهما اعتقال ممثلين عن العاطلين خلال دعوتهم للقاء رسمي لبحث سبل حل المشكلة، أفقد لواء ذيبان (70 كيلومتراً جنوب عمّان) هدوءه لتتحول شوارعه إلى ساحة مواجهة بين قوات الدرك والمواطنين الغاضبين، وهي المواجهة التي استخدم فيها الدرك الغاز المسيل للدموع بكثافة، ورد عليهم المواطنون بإلقاء الحجارة وإشعال الإطارات، وإطلاق فردي للرصاص باتجاه الدرك.

وأثار تدخل الشرطة ردة فعل شعبية، وحصلت موجهات عنيفة طوال ثلاثة أيام متتالية، قبل أن يساهم اتفاق من بندين، عقد صباح أول من أمس السبت، بين وزير الداخلية سلامة حماد، ووجهاء محليين، بعودة الهدوء الحذر للبلدة. وينص البند الأول على الإفراج عن جميع المعتقلين على خلفية الأحداث والبالغ عددهم 20 معتقلاً، أما البند الثاني الذي لا يزال معلقاً بانتظار التنفيذ، فينص على توفير وظائف للعاطلين من العمل، والذين أقاموا خيمة الاعتصام والبالغ عددهم 22 شخصاً.

في هذا الإطار، يقول أحد المعتصمين، محمد الهواوشة: “سننتظر لأيام تنفيذ وعدهم بتوفير وظائف لنا وإذا كانت وعودهم كاذبة كما في السابق، ليس أمامنا سوى العودة لبناء الخيمة من جديد”. ويروي هذا الشاب الذي يحمل شهادة البكالوريوس في تخصص القانون، لـ “العربي الجديد” قصة إقامة هذه الخيمة، قائلاً: “قررت أنا وأربعة من أصدقائي بعدما أغلقت جميع أبواب العمل في وجوهنا بناء الخيمة للفت انتباه المسؤولين لواقع البطالة الذي نعانيه (…) وبدأنا أربعة وبعد أيام بدأ الشباب بالانضمام إلينا حتى أصبح عددنا في الخيمة 22 شخصاً”.

ويضيف الهواوشة الذي تخرج من الجامعة في عام 2014 “لم يسجل منذ إقامة الخيمة علينا أي خروج على القانون، لم تغلق الطرق. ولم نحدث فوضى. لم نرفع شعارات سياسية تمس سيادة الدولة أو نظام الحكم. شعارنا الوحيد كان المطالبة بحقنا في العمل وهو حق كفله الدستور لنا”. ويكشف أنه “خلال أيام الاعتصام زارتنا الأجهزة الأمنية وممثلون عن وزارة العمل والعديد من الجهات الرسمية التي أبدت حرصاً كبيراً على ضرورة إزالة الخيمة. وخلال زياراتهم عرضوا علينا عملا في القطاع الخاص داخل العاصمة، لكن الراتب المعروض لا يكفي بدل مواصلات لذهابنا للعمل يومياً، فطلبنا فرص عمل برواتب أقل داخل ذيبان”.

ويفتقر لواء ذيبان للمشاريع الإنمائية والاستثمارية سواء كانت حكومية أو تابعة للقطاع الخاص، ويعمل الغالبية العظمي من السكان البالغ عددهم نحو 40 آلفاً بالزراعة أو في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.

ويبدي السكان نقمة على الحكومات المتعاقبة والتي يتهمونها بتهميشهم، وهي التي لم تنفذ حتى الآن، تحت ذريعة عدم توفر الموازنة، المشاريع التعليمية والصحية والخدمية والصناعية التي أمر بها الملك عبدالله الثاني شخصياً حين زار لواء ذيبان في شهر يوليو/تموز 2011.

الهواوشة واحد من أربعة أشقاء أنهوا تعليمهم الجامعي، فيما يواصل اثنان من أشقائه دروسهم، ومن بين الخريجين الأربعة لم يحالف الحظ سوى واحد فقط بالحصول على عمل. ويروي والد الهواوشة لـ”العربي الجديد” كيف أقدم على بيع 75 دونماً من أرضه لتأمين دراسة أبنائه، ويشير إلى اضطراره بيع المزيد لإتمام دراسة من يتابعون تحصيلهم العلمي في الجامعة، ويقول “أحياناً أشعر بالندم لأنني درّستهم، لكنني أعود وأقول إن الشهادة سلاح لأبنائي”.

ويأمل العاطل عن العمل، الجامعي أحمد البريزات، أن تلتزم الجهات الرسمية بوعدها بتوظيفهم. ويقول “إذا صدقت وتوظفت سأكون أول موظف بين أشقائي”، ويقيم البريزات مع أسرته المكونة من ثمانية عشر شقيقاً وشقيقة إضافة إلى والده ووالدته وزوجة والده.

وخلال وجودها الطويل، خلقت خيمة العاطلين عن العمل تعاطفاً من قبل المواطنين المحليين الذين عبروا عن غضبهم لطريقة هدمها وتعامل الأجهزة الأمنية العنيف مع الاحتجاجات التي أعقبت إزالتها. ويقول المحامي ياسر الإبراهيم، وهو من سكان البلدة، إنه “كان يجدر بالدولة أن تبحث عن حلول حقيقية لمشكلة الشباب بدلاً من أن تعتمد الحل الأمني في التعامل مع قضيتهم العادلة”. ويؤكد في حديثه لـ”العربي الجديد” على سلمية الاحتجاج، وأن “الشباب لم يتسببوا خلال اعتصامهم بالفوضى، بل على العكس كانوا يقومون يومياً بأعمال تطوعية كتنظيف المقابر والشوارع ودهان الأرصفة”. ويطرح الإبراهيم نفس السؤال الذي يطرحه سكان ذيبان وشباب الخيمة: “لماذا الآن؟”.

وجاءت أحداث ذيبان بعد يوم واحد من الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له قوات حرس الحدود الأردنية في منطقة الركبان على الحدود الشمالية الشرقية مع سورية، وبعد أيام قليلة من قرار حكومة رئيس الوزراء، هاني الملقي، رفع أسعار المشتقات النفطية والسجائر والمشروبات الروحية، تنفيذاً للاتفاق الموقع مع صندوق النقد الدولي والذي بموجبه سيصار إلى رفع المزيد من أسعار السلع الأساسية على المواطنين مطلع العام المقبل.

ويساهم توقيت أحداث ذيبان بخلق انقسام بين الناشطين الأردنيين على مواقع التواصل الاجتماعي. ففي وقت يحمّل مؤيدو الحل الأمني أهالي البلدة المسؤولية عن تفاقم الأحداث، مطالبين بانصياعهم للحل الأمني حتى لا تتفاقم الأوضاع الداخلية، في وقت تعيش المملكة معركة مع الإرهاب، يشكك ناشطون آخرون من البلدة، في المقابل، بنوايا توقيت إزالة الخيمة ويتناقلون على صفحاتهم عبارة “الهجوم في الركبان والرد في ذيبان”، في رفض لوصف المعتصمين بالمخربين.

لكن ما يؤكده مسؤولون لـ”العربي الجديد”، يتمثل في أن إزالة الخيمة كان ضرورة حتى لا تنتقل عدواها إلى مناطق أخرى من المملكة، تعاني مثل ذيبان من الفقر والبطالة والتهميش.

ويتذكر الأردنيون أن شرارة موجة الاحتجاجات الأردنية المتأثرة بالانتفاضات العربية انطلقت من ذيبان، حين خرج عدد من سكانها مطلع يناير/كانون الثاني 2011 بمسيرة شعارها “تسقط حكومة رفع الأسعار”، وهو الشعار الذي أطلقته مئات المسيرات التي خرجت في الأردن بعد ذلك، إلى أن أسقطت الحكومة آنذاك، والحكومة التي تلتها أيضاً، في حين واصلت الحكومات المتعاقبة مهمة رفع الأسعار، وهو النهج الذي تكمله الحكومة الحالية، مما يجعل الخوف قائماً من عودة الشعار الذي انطلق من ذيبان إلى الشارع من جديد.

المصدر: العربي الجديد – ذيبان (جنوب عمّان) ــ محمد الفضيلات