أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » اللاقراءة

اللاقراءة

ثمة كتب نبتاعها، لكننا، لا نقرأها البتة، نرميها في المكتبة، أو فوق الطاولة، أو على الأرض. ومع أننا بذلنا كل ما في وسعنا لكي نحصل عليها، إلا أننا، وحين تصبح في متناولنا، نبدو كمن يتخلى عنها، ويذهب إلى غيرها. تبقى في مرآنا، بعضنا، يشعر بالضيق اتجاهها، ويحاول، بين وقت وثانٍ، أن يتصفحها، علّه، يجد فيها ما لا يفتش عنه، أما، بعضنا الآخر، فلا يبالي، ولا يستاء من كونه انصرف عنها. فليست كل الكتب هي كتب مقروءة، بل من الممكن، أو بالأحرى من حقها، أن تظل بعيدة، صامتة، وغير آبهة للإلتفات إليها، إذ تشكل مكتبةً، لا تشكل القراءة علة نشوئها. لطالما اعتادت دور النشر على تقريظ القراءة، ومن أجل هذه الغاية، تستند إلى شعارات رائجة، كـ”القراءة غذاء العقل، وارتقاء بالفكر”. يساوي هذا المنطق بين انعدام القراءة واللاقراءة، فالأول والثانية يفضيان إلى الجهل، الذي يأخذ شكل حفرة، لا مجال لسدها سوى بالمعرفة. الجهل موضوع كبت، ولا يمكن ممارسة كتمه الا من خلال المغالاة في غمره بالمعرفة، ذلك، حتى لا يعود بائناً. وعلى هذا النحو، تستحيل القراءة جهازاً لإخفاء الجهل، وحجبه بالمعرفة، فالسر، الذي ينطوي عليه كل اسم-كاهن، هو جهله، الذي يدأب على طمسه وإضماره، كأنه غلطته، أو وصمته. التبشير بالقراءة يرتكز على علاقة محددة مع الجهل، باعتباره إثماً، من الضروري إضماره ودفنه، وهذا الإثم سرعان ما يأخذ هيئة السر على مستوى المعرفة. المعادلة هي الآتية: كلما كان الجهل موضوع كبت، صارت المعرفة موضوع استسرار، ونافل القول أن للمكبوت صلة بالسر، بحيث أن السر هو المكبوت الذي يُباح بطريقةٍ تبقيه على حاله، وتنتجه من جديد. في هذا السياق، تصبح الكتب الجيدة هي الكتب التي تكتم جهل قارئها، مشعرةً إياه بأنه تخلص منه، وعليه، يفرط في القراءة، وفي المعرفة، معتقداً أنه، بذلك، ينتهي من خطيئته. فلما يتلكأ قليلاً عن القراءة، يحس بأنه عاد إلى “ضلاله”، وأن “وعيه” قد زل، فعليه أن يثبت في الكتب، وأن يتجمد داخلها، وأن يرد أي أمر خارجها إليها، وإلا سيتعرض لموته، لظهور جهله. لا مكان هنا لمسافة ومساحة بين انعدام القراءة والإفراط فيها، بين الجهل والمعرفة، بين الإثم والسر. لا مكان للاقراءة التي لا تجد في الجهل حفرة، ولا في المعرفة حشواً. كما لا تجد في الجهل خطيئةً، وفي المعرفة خلاصاً كابتاً لها. وفي الوقت عينه، لا يتعامل ممارسها مع الكتاب كمرجع، ومع الكاتب ككاهن، يقرأه كي يعترف له بأنه “جاهل”، فيحوله، بفعل قوة سره، إلى “عارف”. لا ينظر اللاقارئ إلى الكتب على أنها حيز إقامة خالصة، أو على أنها حيز ناقص في حال لم يدخل إليه، فهي، في بعض الأوقات، ليست مُعدة للقراءة، باعتبارها سداً للجهل، وليست مُعدة للعرض المعرفي، باعتباره كشفاً عن سرٍ داخلها. اللاقراءة هي شرط قراءة الكتب التي توفر خارجاً لها، إذ أن المشهد، الذي تظهر فيه الكتب غير مقروءة ومرمية هنا وهناك، هو دعوة إلى التخلي عن القراءة بمعناها الشائع، وترتيب واحدة أخرى، الجهل ليس عدوها، والمعرفة ليست ملجأها منه، وطبعاً، لحظات التوقف عنها ليست معصية.

المصدر: المدن – روجيه عوطة



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع