أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » “الخدمة الإلزامية” تلاحق شباب دمشق.. والفساد ينقذهم

“الخدمة الإلزامية” تلاحق شباب دمشق.. والفساد ينقذهم

يُعتبر “طيّ ملف الاحتياط” والحصول على “تأجيل” للخدمة الإلزامية، من القضايا الأساسية التي تشغل الشاب السوري في هذه الأيام، مع ارتفاع “أتعاب” الحصول عليها إلى 5 ملايين ليرة سورية (10 آلاف دولار)، ومليون ونصف ليرة مقابل التأجيل عبر استثناء من وزير الدفاع. وتنتقل الرشاوى “الأتعاب” عبر وساطات من مسؤولي النظام والنافذين في مليشياته، ممن يعملون كسماسرة، إلى “شُعب التجنيد”.

.

أحد العاملين في “شعبة التجنيد العامة” قال لـ”المدن”، أنه لا توجد ألية محددة لطي ملف الاحتياط للأشخاص الذين تم تعميم اسمائهم لسوقهم للخدمة، ولكن عموماً يتم شطب الإسم من “إدارة الأركان” و”إدارة شعب التجنيد” مباشرة، والبدء بمعاملة تسمى “كف البحث” بشكل رسمي، والحرص على عدم فتح ملف الشخص مرة أخرى.

.

وتمر المعاملة على أكثر من 20 موظفاً، يتم دفع رشاوى لهم جميعاً من رئيس الشعبة إلى موظف الديوان مروراً بـ”الشُعب الأمنية” التي يجب أن توافق على “طي الاحتياط”.

.

مصدر “المدن” أكد أن هذا هو المبرر الرئيس لارتفاع “تكلفة” طي ملف الاحتياط. عملية تأجيل الخدمة عبر استثناء من وزير الدفاع، تتم عن طريق أشخاص على صلات بمكتب وزير الدفاع، يتفرع عنهم سماسرة وموظفون في “شعب التجنيد” لتأمين الزبائن.

.

ويتم إعفاء الشخص لمدة سنة كاملة من “الخدمة الالزامية” من دون أي سبب قانوني، إلا أنه استثناء إداري من وزير الدفاع، لقاء مليون ونصف ليرة سورية.

.

محمد أقام في دمشق بعد نزوحه من داريا، قال لـ”المدن”: “جاءتني برقية الاحتياط منذ حوالي شهر وتم تبليغي بالسحب في الدورة القادمة، وبالطبع لن أخدم في جيش النظام، وغير قادر على السفر حالياً، فأنا بالكاد استطعت أن أحسن وضعي بعد نزوحنا ودمار ممتلكانا في داريا، فاضطررت إلى دفع مبلغ مليوني ونصف ليرة سورية، لأحد الضباط في شعبة التجنيد لطي الملف بشكل كامل”.

.

أما طارق، الشاب العشريني، فقد استنفذ جميع أنواع التأجيل القانونية المسموحة له، ولا ينوي السفر خارج سوريا، خاصة مع إغلاق تركيا لحدودها وفرض التأشيرة بالنسبة للسوريين، وعدم السماح للسوري بالإقامة في لبنان. طارق دفع مبلغ مليون ونصف ليرة سورية لأحد قادة مليشيا “الدفاع الوطني” في دمشق، للحصول على تأجيل باستثناء من وزارة الدفاع، ولمدة عام واحد.

.

في منتصف أيار/مايو، كانت “شعبة التجنيد العامة” قد أصدرت قائمة بما يقارب 7000 اسم من دمشق وريفها، كمطلوبين للخدمة الاحتياطية. وبدأت قوات تابعة لـ”المخابرات العسكرية” مدعومة بـ”الشرطة العسكرية” تنفيذ حملات اعتقال عشوائية في الشوارع لاعتقال المتخلفين عن الخدمتين الالزامية والاحتياطية، فضلاً عن تشديد أمني مكثف شهدته الحواجز الرئيسية لدمشق مثل المجتهد وجامع الحسن والتاون سنتر. ولا يستطيع رجل تخطي تلك الحواجز من دون “تفييشه” أمنياً من قبل أجهزة المخابرات، وسط حملات دهم واعتقال بشكل مستمر في أحياء العاصمة بحثاً عن مطلوبين للخدمة العسكرية.

.

وكان النظام قد نفّذ حملته الأمنية الأولى مطلع العام 2016، والتي استهدفت الشباب لسوقهم إلى الخدمة الاحتياطية والإلزامية، فهرب عشرات الآلاف منهم إلى الدول المجاورة لتشهد بعدها العاصمة دمشق هدوءً نسبياً في حملات التجنيد وعمليات الاعتقال التعسفي. وعلى الرغم من وجود طرق للتخلص والهروب من الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، إلا أن الكثيرين من الشباب يجدون أنفسهم فجأة على الجبهات. فليس لدى الجميع القدرة على دفع هذه المبالغ الطائلة، خاصة وأن الأوضاع الاقتصادية في تدهور مستمر داخل دمشق.

.

وتشهد أحياء العاصمة، بشكل دوري، تشييعاً للقتلى من مقاتلين أجبروا على القتال في صفوف النظام، بعد سوقهم للتجنيد الإجباري بأيام قليلة. ولا يتم تدريب أولئك المقاتلين الجدد بشكل مناسب على حمل السلاح واستخدامه، وإنما يتم جمع المسحوبين أكراهاً إلى الخدمة، في منطقة دريج، و”كلية الحرب الالكترونية” في أطراف الغوطة الشرقية، لمدة عشرة أيام، ومن ثم فرزهم إلى الجبهات الساخنة مباشرة.

.

وبحسب مصادر متطابقة فإن أغلب الذين سحبوا من مدينة دمشق تم ارسالهم إلى جبهات ديرالزور وحلب.

 

ولم يكتف النظام السوري بحملات “الاحتياط”، بل قامت “هيئة الأركان” بإصدار قرار، لم يُنفذ بعد، يقضي بتخفيض مدة تأجيل “كفالة السفر” من 9 شهور إلى 4. وكان يحق للذكر البالغ الذي ينوي السفر خارج البلد، الحصول على “كفالة سفر” يأخذ لقاءها “تأجيلاً إدارياً” عن “خدمة العلم” لمدة 18 شهراً على قسمين، وذلك بعد دفع مبلغ 50 الف ليرة سورية لـ”البنك المركزي” عن كل قسم من التأجيل، فضلاً عن الرشاوى التي يتم دفعها لتسيير أمور التأجيل. وبعد هذا القرار فلن يحق للشاب السوري سوى أربعة أشهر يستطيع خلالها مغادرة سوريا، وإلا فسيتم سحبه إلى “الخدمة الإلزامية” بعد انتهاء المدة.

.

ووردت أنباء أكدتها وكالة “رويترز” أن النظام السوري فاوض المعتقلين في سجن عدرا المركزي وتحديداً في الأقسام الجنائية، على اطلاق سراحهم مقابل التطوع في قوات النظام والمليشيات الموالية. واستثنت هذه المفاوضات المعتقلين المحالين لصالح “محكمة الإرهاب” والمعتقلين السياسيين، واقتصرت على أصحاب السوابق الجنائية.

.

وتستمر المليشيات الموالية للنظام من “الدفاع الوطني” و”حزب الله السوري” و”كتائب البعث” و”الحرس الثوري الإيراني” بعمليات التجنيد المستمرة مقابل مبالغ مالية كراتب شهري، وطي ملف “الخدمة الإلزامية” لدى “شعب التجنيد” بشكل مؤقت. ويلتحق بعض الشباب بتلك المليشيات، وخاصة “الدفاع الوطني” حيث يتنازلون عن رواتبهم لقادتهم مقابل ابقائهم في المناطق الآمنة وعدم زجهم في المعارك والجبهات. فيما يذهب آخرون بكامل إرادتهم للقتال في صفوف قوات النظام من خلال المليشيات الموالية، ويتم تشييع العديد منهم يومياً، في أحياء المهاجرين والميدان وبستان الدور والصناعة، في دمشق.

المصدر: المدن – رائد الصالحاني