أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » انتعاش التجارة بين “الدويلات” السورية وتسلط العسكر على الفلاحين

انتعاش التجارة بين “الدويلات” السورية وتسلط العسكر على الفلاحين

من خلال تتبع الوضع الاقتصادي وتشظي سوريا لدويلات تحكمها جماعات متحاربة، يبحث كل منها عن الموارد والربحية، انعكس ذلك وخلافًا للتوقعات بشكل “إيجابي” على السكان في هذه المناطق، لجهة توفر البضائع من مصادر الطرف الآخر، وهذا ساهم بتحريك البضاعة في كل سوريا، وتمكنت من تجاوز الحدود، لكن بشرط دفع مبالغ مالية من أجل المرور عبر نقاط العبور بين خطوط تماس المتحاربين وعلى الطرقات السريعة.

وبحسب مدير مؤسسة الحبوب، حسان المحمد، “شرعنت” كل جماعة، مسعاها في الحصول على الأموال لقاء دخول المحاصيل الزراعية من الطرف الآخر إلى أراضيها أو مرورها بواسطة “الترانزيت”، ففي الوقت الذي سمت “الإدارة الذاتية” في منطقة الحسكة ما تتقاضاه من القوافل “جمركًا”، يسميها تنظيم الدولة “زكاة” ويسميها النظام “رشوة” علنًا، وبموجب هذا الاتفاق طافت البضائع سوريا كلها، وساهمت قيادة السوريين لهذه العملية في توفير المواد والسلع في عموم البلاد، وهذا أدى إلى ولادة طبقة جديدة من رجال الأعمال المستفيدين من هذا الوضع، بعدما هاجرت النخبة من رجال الأعمال المعروفين، وأصبحت هذه الطبقة تتحمل التكاليف الاقتصادية لعملية تمرير البضاعة إلى مختلف المناطق وتحمّلها للمواطن بالنهاية، من سعر تكلفة المنتج الرزاعي والصناعي، ما أدى لرفع الأسعار بشكل كبير، وقفز بمعدلات التضخم إلى نحو 500%.

وضمنت الاتفاقات البينية بين أطراف الصراع مرور السلع الأساسية والبضائع إلى جانب المحاصيل الزراعية، لكن بقيت هذه الاتفاقات رهينة التوترات العسكرية بين هذه الأطراف، فما إن يعلن النظام السوري معركة جديدة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” حتى يهدد الأخير بمنع أو إيقاف قوافل القمح المارة عبر أراضيه من الحسكة إلى الرقة فالساحل السوري. وعلى الجانب الآخر، ما إن تهدد المعارضة معاقل التنظيم في شمال حلب حتى يبادر بقطع مشتقات النفط عن مناطق المعارضة لترد الأخيرة بمنع تصدير الخضراوات والفواكه إلى مناطق سيطرته شرق سوريا.

في محافظة إدلب على سبيل المثال، وهي المحافظة الأولى في إنتاج الزيتون على مستوى سوريا، ورغم سوء أوضاع زراعة هذا المحصول، إلا أن سوقه التصديرية ماتزال مستمرة حتى اليوم، وذلك عبر مناطق النظام إلى العالم الخارجي، أي أن شحنات الزيوت تخرج من مناطق المعارضة إلى مناطق النظام في الساحل لتصديرها، وأضيف خلال الثورة بنود جديدة على فواتير المصدّر أو المنتّج، وهي “الأتاوات” على الطرقات التي تدفع لمن يحكم على الأراضي أو على نقاط الحدود والتماس، وهذا ما رفع سعر التنكة نظرًا لارتفاع تكلفة الشحن والنقل والحماية أيضًا.

ووسط هذه الحالة، انعدمت أي فرص للاستثمار في معظم المجالات، وخاصة الزراعة، وتبددت الجدوى الاقتصادية للمشروعات حتى على نطاق الأفراد والأسر، بعد أن تسلطت في مرحلة لاحقة القوى العسكرية الحاكمة في مختلف المناطق على المزارعين، ففي محافظة الحسكة وهي معقل زراعة القمح والشعير في سوريا، والسلة الغذائية للبلد، تتشابه معاناة المزارعين هناك مع بقية المزارعين في عموم سوريا، فقد استولت “الإدارة الذاتية” على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية رغم امتلاك أصحابها أوراق تملّك رسمية، ومنعت أصحابها من زراعتها بحجة قتال تنظيم “الدولة الإسلامية”، يقول محمد نواف، مزارع من منطقة المالكية بريف الحسكة، إن مسلحي الإدارة الذاتية استولوا على أرض لصالح “كومونات” (مجالس قروية منتخبة تتبع للإدارة) تحت حجج وذرائع الحرب على داعش واستولوا على آلاف الهكتارات في المنطقة”.

وفي أيار الماضي، حصدت الإدارة الذاتية مئات المساحات المزروعة بالقمح في منطقة جبل عبد العزيز بعد أن صادرتها بذرائع مختلفة، وبلغ حجم المساحات المحصودة حوالي خمسة آلاف دونم مزروعة بمحاصيل القمح والشعير.
في المقابل وزعت الإدارة الذاتية خلال العام الماضي، مساحة 8105 دونمات من الأراضي الزراعية على 173 مجلسًا تابعًا لها في مناطق رميلان، واليعربية، والجوادية في الريف الشمالي الشرقي، على أن يعود ريعها لهيئة “عوائل الشهداء” في المنطقة، حسب ناشطين من المنطقة.

النظام والإدارة الذاتية يحاصران المزارعين في الجزيرة

تلجأ قوات حزب الاتحاد الديمقراطي إلى فرض غرامات وأتاوات على المزارعين، وترغمهم على دفع مبالغ مالية مقابل زراعة محاصيل القمح والكزبرة وغيرها، كما يقول لعنب بلدي المزارع قاسم رمزي، من مزارعي منطقة طوميشا بريف الحسكة.

ولا تقتصر معاناة المزارعين في مناطق الإدارة الذاتية على طريقة التعامل معهم من قبل الإدارة نفسها ووحدات “YPG”، بل للنظام السوري “صولة” في تلك المنطقة، إذ يمنع المواطنين من التصرف بمحاصيلهم، وخاصة القمح والشعير، ويجبرهم على تسليمها لفروع مؤسسة الحبوب وبالسعر الذي أعلن عنه، وتصرف فواتير القمح من المصارف الحكومية التي ماتزال تفتح أبوابها في القامشلي، وهي المصرف التجاري السوري، والزراعي، والتسليف الشعبي. يقول المهندس الزراعي توفيق جان رشيد، “يتحكم النظام بقوت الشعب في منطقة الجزيرة والحسكة، وينقل القمح إلى خارج المحافظة ليصل بها إلى الساحل مرورًا بالمناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، وتعاني منطقتنا من نقص الطحين في حين يورده النظام لمناطق سيطرته”، مشيرًا في حديثه لعنب بلدي إلى أن أفران الخبز في الجزيرة عمومًا تخلط الدقيق التمويني مع النخالة بسبب النقص في المخازن.

وخارج مناطق الإدارة الذاتية، لا يبدو أنّ وضع الفلاحين، حتى في مناطق سيطرة النظام، أحسن حالًا، فإن لم تكن مضايقات النظام هناك عاملًا في دفع المزارعين للتخلي عن الزراعة، كان لارتفاع أسعار الأسمدة 60% والمبيدات لأكثر من عشرة أضعاف أن تتكفل بذلك، حيث كانت من أهم عوامل إحجام الفلاحين عن زراعة أراضيهم، وسط تخلي وزارة الزراعة في حكومة النظام عن الدعم وعدم قدرتها على تقديم المزيد، ما أدى لانتشار المبيدات والأسمدة المهربة غير مأمونة الجانب، وهي بدورها نافست المنتج المحلي أو المستورد، ونتيجة ذلك تراجعت مساحات الأراضي بشكل كبير وخاصة الخضراوات والحمضيات.

 

عنب بلدي