أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » وليد البني : ما حدود الصبر الأميركي؟

وليد البني : ما حدود الصبر الأميركي؟

قال وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في زيارته النرويج أخيراً إن لصبر بلاده على روسيا، فيما يخص الملف السوري، حدوداً “مع محاسبة الأسد أو بدونها”. وأضاف أن الولايات المتحدة “مستعدة أيضا لمحاسبة (المجموعات المسلحة) من عناصر المعارضة”، الذين يشتبه بارتكابهم انتهاكات أو الذين “يواصلون المعارك في انتهاك لوقف اطلاق النار”.

بقي أن نعرف متى سينفد صبر الولايات المتحدة، وأين تقف حدود صبرها. أي متى سينفد صبر الولايات المتحدة من نظام الأسد وجرائمه المستمرة، بعد أن وسّٓعت صدرها، وألغت جميع خطوطها الحمر، يوم قصف الأسد الغوطة بالكيماوي، وقتٓلٓ الآلاف، قبل أكثر من عامين، وبعد أن انخفضت فجأةً حساسيتها تجاه جرائم التعذيب حتى الموت والقتل الجماعي في السجون. ووسَّعت أميركا صدرها، وصبرت على نشر حوالي خمسين ألف صورة لأكثر من عشرين ألف شاب وشابة سوريين، جرى قتلهم تعذيبا في سجون النظام

هل هناك عدد محدد من السوريين يجب أن يموتوا قبل أن ينفد صبر السيد كيري وإدارته؟ هل عدد النصف مليون لا يزال رقماً ضمن الحدود، ويمكن التسامح معه؟ ليحدّد لنا كيري عدد السوريين الذين يجب أن يقتلهم الأسد وحلفاؤه، لكي ينفد صبره وصبر إدارته. ما هي النسبة المئوية للمنازل والمدن والقرى السورية التي يُسمح للطائرات الروسية وقوات إيران ومليشياتها تدميرها قبل أن ينفد صبر الوزير كيري؟ نطالبه، وإدارته، بتحديد هذه النسبة: هل ينتظر أن يتم تدمير ما تبقى من حلب وإدلب وحمص وريف دمشق وريف اللاذقية والقلمون، وتشريد من تبقوا من سكانها حتى ينفد صبره؟ يبدو أن مخزون الصبر الأميركي تجاه موت السوريين أكبر من مخزون النفط العالمي.

ألا يكفي تهجير نصف سكان سورية من مدنهم وقراهم إلى مخيمات البؤس، أم لدى جون كيري وإدارته ما يكفي من الصبر، لترحيل النصف المتبقي؟ وكم هو عدد الأطفال المشرّدين والمحرومين من التعليم والحياة اللائقة في مخيمات البؤس الذي سيدفع كيري وإدارته للإعلان أن صبرهم نفد، وأصبح من الواجب دفع المؤسسات الدولية لعمل شيء من أجل تأمين عودةٍ آمنة لهم إلى مدارسهم ومنازلهم التي هجَّرهم نظام الأسد منها؟

فعلاً شر البلية ما يُضحك ويُبكي معاً. بعد أكثر من خمس سنوات من الموت والدمار والقتل
والتهجير والتشرد، ولا يزال لدى وزير الخارجية الأميركي، وإدارته، مزيد من الصبر. حوّل نظام الطاغية سورية إلى مرتع لمليشيات إيران الطائفية، لتزرع حقدها، وتؤمِّن البيئة المناسبة لفتنةٍ طائفيةٍ مهّدت لظهور داعش والتنظيمات التكفيرية بأبشع صورها، ولا يزال لدى كيري وإدارته مزيد من الصبر. وُلِد عشرات الأطفال في مخيمات اللجوء، ووصل مئات الآلاف منهم إلى سن التعليم، من دون وجود مدرسة تؤويهم، أو بيئة صالحة تجنبهم الانزلاق نحو التطرف، ولا يزال كيري وإدارته بعيدين عن الحدّ الذي يستوجب نفاد الصبر.

معالي الوزير: مع الأسف، لا أعتقد أن سورياً واحداً لا يزال يثق بحسّكم الإنساني، ولا بحديثكم عن حقوق الإنسان وضرورة احترامها ومحاسبة منتهكيها. الغالبية الساحقة من السوريين، ومن جميع الاتجاهات السياسية، ترى أن مسؤوليتكم عن استمرار شلال الدم السوري لا تقلّ أبداً عن مسؤولية الروس الذين تُنذِرونهم بقرب نفاد صبركم. صمتكم و(صبركم) تجاه الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري من قتل وتعذيب وتهجير على يد طاغيته، والمليشيات الطائفية التي تدعمه، وترككم “داعش” تكبر وتتمدّد وتقتل وتنكل بالسوريين منذ أكثر من عامين، بحد ذاته، جريمة أخرى بحق سورية وشعبها.

معالي الوزير: إذا ما شعرتم وإدارتكم أن صبركم نفد فعلاً، وكان مفترضاً أن يَنـفد منذ سنوات، فأنتم أكثر من يستطيع وقف شلال دمائنا (إذا لم يكن لكم مصلحة في استمراره؟).

تستطيعون أنتم وحلفاؤكم، لو شئتم، أن تفرضوا على الروس أن يتوقفوا عن دعم الطاغية وإيران ومليشياتها في حربهم ضد شعبنا، الأمر الذي سيساعدنا، نحن السوريين، لكي نتوحد ضد وحش التكفير والإرهاب. وتسطيعون أنتم وحلفاؤكم تشكيل قوةٍ عربيةٍ دوليةٍ، وبموافقة الروس، قادرة على دعم جهود السوريين في الحفاظ على وحدة وطنهم، وعيشهم المشترك الممتد آلاف السنين (إذا كان ذلك لا يتعارض مع مصالحكم واستراتيجيتكم في المنطقة!)، وفي حربهم المزدوجة ضد الظلم والظلام، لعّلكم تُكَفِّرون عن صمتكم، وعن سعة صدركم اللامحدودة تجاه موتنا وآلامنا وتدمير وطننا.

معالي الوزير: لن يكون سهلاً على السوريين المنهكين أن يحاربوا هذين الوحشين معاً وحدهم (ظلم الطاغية وظلام التكفيريين) من دون قرارٍ أمميٍّ، لم تبذلوا أي جهدٍ كي يصدر عن مجلس الأمن. آمل وأرجو ألّا تكون لكم أي مصلحة في استمرار مأساتنا ونزيف دمائنا، وكلي أمل أن ينفد صبركم بأسرع وقت ممكن، وقبل أن تظهر داعش أخرى أشدّ دموية، وأكثر خطورةً، علينا وعليكم وعلى الإنسانية.

المصدر: العربي الجديد – وليد البني



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع