أخبار عاجلة
الرئيسية » ترجمات » ميدل إيست بريفنغ: أسباب تغيّر سياسات روسيا والولايات المتحدة في سوريا

ميدل إيست بريفنغ: أسباب تغيّر سياسات روسيا والولايات المتحدة في سوريا

بالنسبة لمتابعي السياسات الروسية والأمريكية في سوريا، فمن الواضح أنَّ فشل عملية جنيف والنهج الدبلوماسي، على الأقل حتى الآن، أدى إلى رد كلا البلدين بأساليب مختلفة.

في الآونة الاخيرة، في الأسبوع الماضي تحديدًا، رأينا مثالًا واضحًا على كيفية تغيّر موقف موسكو، لا سيما فيما يتعلق بعمليات قوات الأسد على الأرض في شمال سوريا. في حين واصلت القوات الجوية الروسية غاراتها ضد ما يزعمون أنها أهداف “إرهابية”، حتى لو كان معظم الضحايا من المدنيين، لم تتدخل تلك القوات عندما هاجم تنظيم داعش – الهدف الإرهابي المزعوم من روسيا – قوات “صقور الصحراء” الذين تدربهم روسيا  في محافظة الرقة. لم يوقف تنظيم داعش تقدّم تلك القوات ” فحسب، بل طردهم من كل المواقع التي كانت تحتلها في المحافظة بأكملها، وسط تجاهل تام من الجنرالات الروس.  

ومن الملاحظ الآن أنَّ القوات الجوية الروسية لا توفر الدعم لجميع العمليات البرية للأسد أو حلفائه؛ بل يتم اختيار المواجهات البرية فقط للدعم الجوي أو الأرضي الروسي. وقد بدأ هذا الاتجاه بطريقة عشوائية على الفور بعد أن أعلن الكرملين في مارس الماضي أنَّ ذلك يحدّ من الوجود العسكري الروسي في سوريا. ولكن منذ فشل عملية جنيف، أصبح هذا الاتجاه أكثر وضوحًا وأكثر انتظامًا.

ساعدت روسيا القوات السورية في تحرير تدمر والقريتين من أيدي داعش نظرًا لموقعهما الاستراتيجي. ولكن في الشمال، كانت القوات الروسية غائبة في المعارك الأخيرة التي شنّها حزب الله، في محاولات شنّ هجمات على معاقل المعارضة في وحول مدينة حلب. وفي حين قصفت الطائرات الروسية بعض جماعات المعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة في الشمال في منتصف يونيو الماضي، أعلنت موسكو أنها كانت مخطئة، وذلك بسبب عدم وجود معلومات وخريطة تفصيلية لتوزيع القوى. وذكرت بعض التقارير أنَّ الحكومة السورية قدمت عمدًا معلومات كاذبة لغرفة الحرب الروسية في القاعدة الجوية “حميميم.”

في الفترة الفاصلة بين نهاية سبتمبر من العام الماضي وحتى نهاية شهر مارس من هذا العام، استعاد الأسد وحلفاؤه زخمهم وغيّروا الوضع على الأرض في صالحهم. وكانت الخطة المبدئية أنه بمجرد تحقيق هذا الهدف – الذي كان في نهاية مارس الماضي – فإنَّ العملية الدبلوماسية التي كانت قد بدأت قبل أشهر، مع الزخم التكتيكي المواتي للأسد، قد تصل إلى اتفاق سياسي متوازن بين الأسد والمعارضة.

ومع ذلك، أُضيف عاملًا إضافيًا لهذا المزيج عندما توصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاق بشأن معايير وقف إطلاق النار في سوريا. وفي النهاية، التزمت المعارضة، تحت ضغط من مؤيديها الإقليمي، بهذا الاتفاق، في حين أنَّ الأسد وحلفائه انتهكوا الاتفاق في أكثر من مناسبة.

وقد حدث ذلك عندما تجلت الخلافات بين روسيا من جهة، والأسد، وإيران، وحزب الله من جهة أخرى. وقال التحالف الثلاثي إنَّ وقف إطلاق النار كان يُستخدم لإعادة تسليح وتنظيم المعارضة في الشمال. وفي الوقت نفسه، ضغط وزير الخارجية الأمريكي جون كيري على نظيره الروسي سيرجي لافروف لتنفيذ التزام روسيا لكبح جماح حلفائها في سوريا وإنقاذ وقف إطلاق النار والعملية السياسية. وحذّر كيري من أنَّ البديل سيكون تسليح الولايات المتحدة وحلفائها للمعارضة واستمرار الحرب، حتى هزيمة الأسد في النهاية.

حاولت موسكو إقناع الأسد بأنَّ “تحرير كل شبر من سوريا” هو ببساطة ليس اللعبة المخطط لها، وأنَّ الهدف من ذلك هو بدء عملية سياسية ذات مغزى تنتهي بتوجيه كل الأسلحة ضد عدو واحد: داعش. ومع ذلك، كانت حسابات الأسد مختلفة. لقد ظنّ الأسد أنَّ الروس لن يكون أمامهم خيار آخر سوى مواصلة دعمهم لقواته والمشاركة في دحر كل جماعات المعارضة، بغض النظر عن موقفهم من الإرهاب. ويخشى أيضًا أنَّ أي عملية سياسية “ذات مغزى” ستنتهي برحيله. الروس لا يرون أنَّ شخص الأسد نفسه هو الشيء المحوري من أجل التوصل إلى حل سياسي. لكن الأسد يؤمن دائمًا بشعار: “أنا سوريا”.

الآن، ما نراه أمام أعيننا هو الروس على مفترق طرق. يجب أن تحسب موسكو خطواتها في سوريا بالطريقة التي تناسب هدفها الأوليّ لمحاربة الإرهاب والضغط من أجل صفقة سياسية ناجحة لإنهاء الأزمة، في حين تجنب خطط محصلتها صفر من الأسد وإيران.

موسكو مقتنعة أنَّ هذا هو السبيل الوحيد للمضي قُدمًا في سوريا. إنها تراقب بقلق مفهوم في ظلّ تعنت واشنطن. وتدرك أنَّ عدم وجود اتفاق سياسي مقبول سيؤدي إلى ضرورة قبول اتفاق أسوأ وقت لاحق. ومع ذلك، لا يمكن للكرملين أن يدمر نفسه عن طريق التخلي عن الأسد بشكل كامل. الخطوط الروسية مرسومة وفقًا للهدف الأوليّ: الحفاظ على غرب سوريا ومحاولة التوصل إلى اتفاق سياسي لجمع كل القوى، بما في ذلك المعارضة، والتركيز فقط على قتال داعش. ومع إخفاء الأسد وإيران لأجندة مختلفة، فإنَّ الخلافات بين روسيا والأسد وإيران ستصبح أكثر وضوحًا.

من الصعب أن نرى كيف ستتطور الاختلافات في الاستراتيجيات بين موسكو من جهة، والأسد وإيران من جهة أخرى. ما هو واضح تمامًا هو أنَّ بوتين سوف يصرّ على التصرف وفقًا للاتفاق المبدئي مع حلفائه، وهذا يتناسب مع ما تقوم به الولايات المتحدة في سوريا. ما دامت الولايات المتحدة سلبية، فإنَّ الآثار المترتبة على سلوك الأسد وإيران ستكون منحوتة بشكل واضح في أذهان كل طرف، ولن تنجح محاولات بوتين لإقناعهم بالبقاء ضمن إطار الاستراتيجية الأولية للتوصل إلى حل سياسي.

ويبدو أن إيران بدأت في قراءة الوضع كما هو عليه. ولكن المشكلة هناك، كالعادة، هي أنّه ينبغي على المرء تحديد أيّ إيران التي نتحدث عنها، هل هي الحرس الثوري أم الحكومة؟ قبل أيام قليلة، عكسَ زعيم حزب الله، حسن نصر الله، بوضوح موقف الحرس الثوري بإعلانه أنَّ الحرب لاستعادة حلب سوف تستمر بغض النظر عما يقوله الروس. وألمح إلى أنَّ موسكو لا تفهم حقيقة أنَّ وقف إطلاق النار كان الهدف منه هو إعادة تسليح وتنظيم المعارضة.

في اللحظة التي يفقد فيها حزب الله والميليشيات التي يقودها الحرس الثوري زخمهم، ستتحول طهران إلى الدبلوماسية. ومن أجل أن يفقد للأسد وحلفاؤه زخمهم، ينبغي على الولايات المتحدة أن تكون أكثر فاعلية وتقدّم المساعدة للمعارضة بشكل أكثر علانية.

مرّ دور الولايات المتحدة في سوريا ببعض التعديلات الهامّة. حتى مارس الماضي، كان الوجود العسكري الأمريكي قاصرًا على اليعربية بمحافظة الحسكة، وحول سد تشرين. ولكن تدريجيًا، بدأت مزيد من القوات الخاصة الأمريكية في الانتشار، وخاصة بعد تأسيس قوات سوريا الديمقراطية

وكثيرًا ما شوهدت طائرات MH-60 و MH-47G في سماء شمال سوريا. كما تمّ إعطاء قوات سوريا الديمقراطية الصواريخ المضادة للدروع طراز M2A1 وطراز MK47. وقد وصلت قوات خاصة إضافية من دول الناتو الأخرى في شمال سوريا، وكان هناك بالفعل منصة لاستقبالهم من قوات سوريا الديمقراطية.

وبالتوازي مع قوات سوريا الديمقراطية، كانت الولايات المتحدة تبني بهدوء الجيش السوري الجديد. وقد وضع الجيش السوري الجديد استراتيجية محاربة داعش حتى هزيمته، ثمّ محاربة الأسد – وهو بالضبط ما تطلبه الولايات المتحدة من قوى المعارضة. وتستند هذه الصيغة إلى فصل لا معنى له بين داعش والأسد، بالرغم من أنّه كان من الأنسب تقديم قوة جديدة إلى البيئة المحيطة بطريقة مقبولة.

في بداية هذا العام، كان الجيش السوري الحر نشطًا في الصحراء السورية الشرقية. وفي وقت لاحق، تمّ رصد مقاتلين من الجيش السوري الحر وهم يتلقون التدريب في الأردن. وقد تمّ تزويد هؤلاء المقاتلين بأسلحة مثل MK14EBR، و M2 Browning، وM2-40B، وكلها أسلحة أمريكية الصُنع. وعلاوة على ذلك، شوهدت القوات الجوية الأمريكية في العديد من العمليات في شمال سوريا، حيث دعمت الجيش السوري الحر في العديد من المعارك الهامّة ضد داعش.

ما نراه الآن هو نهج تكتيكي من الولايات المتحدة وروسيا على الأرض. عندما كانت القوات الجوية الأمريكية تصف مواقع داعش وتساعد قوات سوريا الديمقراطية، والجيش السوري الحر، كانت روسيا تحدّ من عملياتها الجوية في إدلب وحلب. وقد توقف هجوم الأسد على حلب بسبب عدم وجود دعم جوي. وهناك اعتقاد سائد بأنَّ الروس امتنعوا عن دعم قوات “صقور الصحراء” أثناء التقدّم ناحية الرقة بسبب اشتباك محتمل مع قوات سوريا الديمقراطية، إذا ما استمر هذا التوجّه.

وقد ساعد هذا الموقف الروسي الجديد في إجهاض تقدّم مقالتي “صقور الصحراء” تجاه القاعدة الجوية بمدينة الطبقة، وحملة مقاتلي حزب الله جنوبي حلب، وخطة لاستعادة إدلب من قِبل الجيش السوري. كما كانت خطة تطويق قوات داعش في صحراء دير الزور، وفي منطقة الباب الشرقي من حلب، تهدد بمواجهة محتملة بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات الأسد. وبالتالي، ليس هناك رغبة في موسكو لأن ترى مثل هذه المواجهة. وإذا حدث ذلك، فإنّه سيدفع الولايات المتحدة ليس فقط لإنهاء التنسيق مع الروس، ولكن إلى الاستثمار بكثافة في جماعات المعارضة في شمال سوريا.

لقد رأينا في كل هذا نمطًا يخبرنا بأنَّ الروس يحسبون خطواتهم وفقًا لدرجة تماسك وإصرار الولايات المتحدة.

ولكنَّ الولايات المتحدة تتجّه نحو تغييرات أعمق في سياساتها بشأن سوريا. الخبيرة الاستراتيجية العسكرية المخضرمة، ميشيل فلورنوي، وهي مرشحة محتملة لمنصب وزير الدفاع في حال فوز هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية المقبلة، حدّدت مؤخرًا ما تعتقد أنها يجب أن تكون استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا عندما ينتهي التقاعس المكلف من الرئيس أوباما في نوفمبر المقبل. وكتبت:

“لقد طالبتُ بزيادة الدعم العسكري الأمريكي لجماعات المعارضة السورية المعتدلة التي تقاتل داعش ونظام الأسد، مثل الجبهة الجنوبية، ولم أطلب من القوات الأمريكية القتال نيابة عنهم. وأزعم أيضًا أنّه ينبغي على الولايات المتحدة تحت بعض الظروف أن تفكر في استخدام الإكراه العسكري المحدود – ضربات باستخدام أسلحة المواجهة – للرد على الأهداف العسكرية السورية من أجل وقف انتهاكات اتفاق وقف الأعمال العدائية، وردع القصف الروسي والسوري للمدنيين الأبرياء وجماعات المعارضة التي نؤيدها، ووضع شروط أكثر ملاءمة على أرض الواقع للتوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية.”

“باختصار، أؤيّد بذل المزيد من الجهد لدعم شركائنا على الأرض لجعلهم أكثر فعّالية.”

إذا تمّ تنفيذ هذا النهج في وقت سابق، كان من الممكن إنقاذ العديد من الأرواح، ولأصبح تنظيم داعش لا يمثل أي خطورة، إلى جانب احتواء الأزمة وحلها منذ البداية. ولكن أن تأتي متأخرًا خير من ألّا تأتي أبدًا.

في نهاية المطاف، نحن نرى عودة إلى الصواب: تغيير ميزان القوى على الأرض إذا كنا نرغب حقًا في وضع حد للمأساة السورية وهزيمة داعش.

ميدل إيست بريفنغ: ترجمة إيوان24