أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » معركة حلب .. و استدارة أردوغان

معركة حلب .. و استدارة أردوغان

يدرك بشار الأسد الحساسية السياسية والعسكرية التي تشكلها حلب بأبعادها الثلاثة، المحلية والإقليمية والدولية، كما يدرك، شأنه شأن معارضيه، أنها لا تقبل القسمة على اثنين، وأن بقاء الوضع على حاله في عاصمة الشمال، المنقسمة بخطوط من الدم إلى شرقية وغربية، لا يمكن أن يُفهم منه سوى أن يديه مغلولتان ولو إلى حين، بحكم الأبعاد الثلاثة التي تقيم حواجز منع من العيار الثقيل، في حال قرر الذهاب إلى معركة شاملة.

ففي البعد المحلي تعتبر المدينة المعقل الأساس لفصائل المعارضة المسلحة، المصنفة غربياً بالمعتدلة، وقد وافقت على هدنة وقف الأعمال العدائية، على هشاشتها، برعاية روسية – أميركية. بالتالي فإن إقدام النظام على شن عملية عسكرية لاستعادة بقية المدينة، سيضعه في مواجهة حتمية مع الغرب وحلفائه الإقليميين، ما يعني بالضرورة فشلاً سياسياً قبل أن يكون عسكرياً!

اقليمياً، تشكل حلب بالنسبة الى تركيا الأردوغانية ورقة ضغط استراتيجية، لا تقل أهمية عن الورقة الكردية التي يجهد أردوغان للتخلص منها. ولأن الأخير يُعتبر الخصم اللدود للأسد، فمن البديهي أن يكون النزال على أشده بين الرجلين، ناهيك عن أن الأزمة السورية وما نتج منها من تنامٍ لظاهرتي الإرهاب واللاجئين، جعلت أردوغان لاعباً مهماً على المسرح الدولي، شأنه شأن الزعيم الروسي.

يبقى البعد الدولي المناهض للأسد، ممثلاً بالقوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث تدعم كل من فرنسا وألمانيا وبدرجة أقل بريطانيا، قيام منطقة عازلة شمال حلب، كما تصر على ضرورة ألا يكون أي دور للأسد في العملية السياسية الانتقالية. وفي المقابل فإن للإدارة الأميركية مواقف متباينة، تثير الكثير من الريبة، إذ تبدو بمثابة «كعب أخيل» مموه، في جسد التحالف المناهض لنظام دمشق. فإن نحينا جانباً التصريحات الرنانة ضد الأسد، سنرى أن الأسد المستفيد الأكبر من جملة المواقف التي تُترجم في واقع الأزمة السورية، ابتداءً برفض أي تدخل عسكري لإسقاط النظام، مع الإصرار على أن الحل لن يكون إلا سياسياً. وثانياً في خصوص ترحيل مسألة تنحي الأسد إلى ما بعد العملية الانتقالية. وثالثاً، في رفض واشنطن قيام منطقة عازلة تحمي المعارضة المسلحة والمدنيين. ورابعاً في خصوص جعل وحدات الحماية الكردية تشكل، بدلاً من الأتراك، المنطقة العازلة التي تعزل تركيا عن العمق الحلبي والسوري.

وفي هذا السياق يأتي الموقف الخامس المستجد، والمتمثل بذهاب الوزير جون كيري لحضور اجتماع باريس في 9 أيار (مايو) الفائت وذلك لأجل الضغط على مجموعة أصدقاء سورية، للقبول بالتفاهم الروسي – الأميركي، الذي يقضي بتوسيع وقف إطلاق النار ليشمل حلب، والإقرار بأن المفاوضات هي الحل الوحيد! هذا الضغط يؤكده تباين المواقف: ففيما يصرح وزير الخارجية الفرنسي «أن المعارضة التي تتعرض للهجمات في حلب ليست داعش، وإنما المعارضة المعتدلة»، نرى أن كيري يحمّل كلاً من النظام والمعارضة مسؤولية انتشار الفوضى في حلب!

أمام هذه الخريطة السياسية المعقدة، يقف كل من أردوغان والأسد على حلبة اللعبة التي يديرها الراعيان الروسي والأميركي. فالأسد يدرك أن أسهمه ارتفعت قليلاً مع استعادة تدمر من «داعش»، من هنا يعي أهمية استرداد مدينة الرقة، فهي إن حصل عليها ستكون بمثابة ورقة الجوكر التي تخوله دخول معركة حلب، وهو ما صرح به بالقول: «الأولوية بعد تحرير تدمر تعطى لمحوري دير الزور والرقة».

وعليه فإن حلب ضمنياً ستنتظر، وقد ينطوي تشبيهه حلب بستالينغراد، غداة تهنئته بوتين في عيد النصر، على إشارة ودلالة على أن المدينة بعدما حوصرت قاومت الحصار النازي، ثم انتصرت عليه!

ولأن الطيران الروسي لن يستطيع حسم المعركة إلى جانب القوات النظامية، استغلت إيران ذريعة مقتل مستشاريها في خان طومان لترفع سقف خطابها السياسي، ولتعلن على لسان علي أكبر ولايتي «أن تحرير حلب أهم الواجبات والأولويات»! وبتزامن مريب جاء مقتل القيادي البارز في «حزب الله» مصطفى بدر الدين، حيث شكل اغتياله منصة إضافية يطلق منها أمينه العام دعوته إلى المزيد من الحضور في كل الميادين والساحات، واصفاً معركة حلب بالاستراتيجية!

إذاً الأسد أعدّ العدة، مدعوماً بتأكيد بوتين على «دعم السلطات السورية في تحرير سائر بلادها من الإرهاب»! وهذا ما عكسه اجتماع وزراء دفاع كل من سورية وإيران وروسيا في طهران.

وعليه تشكل معركة حلب الفرصة الأخيرة للأسد ومعارضيه، والمنتصر في هذه المعركة سيفرض شروطه على طاولة المفاوضات. في هذا السياق أصبح رجل تركيا القوي على يقين بأن لا مصلحة له في معاداة موسكو وواشنطن اللتين اتفقتا على دعم خصمه الأشد، والممثل بوحدات حماية الشعب الكردي، في وقت بدأ فيه الأوروبيون ينفضّون من حوله، وذلك على خلفية ابتزازه لهم في ملف اللاجئين. ولعل الصفعة التي وجهها البرلمان الألماني بإقراره بارتكاب العثمانيين مجازر إبادة بحق الشعب الأرميني، خير دليل على ما نسوقه. لذلك كان على أردوغان وهو يراقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، البحث عن بدائل آمنة له، في حال جرت الرياح بما لا تشتهيه سفنه في الشمال السوري، وهذا ما تجلى في سعيه لإعادة ترميم ما خربه مع كل من اسرائيل وروسيا ومصر. ولأجل ذلك يحضر داعش كضرورة تساعد في تغيير المشهد الحقيقي!

بشير عيسى – الحياة



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع