أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » الدكتور فواز الكاتب : حينذاك تنبأت بخراب سيحيق ببلدي عاجلا ! أين النخوة ؟ أين الأخلاق التي ربينا عليها ؟

الدكتور فواز الكاتب : حينذاك تنبأت بخراب سيحيق ببلدي عاجلا ! أين النخوة ؟ أين الأخلاق التي ربينا عليها ؟

هذا المقال مهدى الى روح الأستاذ أكرم العنبري.
.
.

عام 1981 كنت في السنة الخامسة أمضي المقرر العملي في عيادات العينية.
شاهدت امرأة عجوزا رثة الثياب ملقاة عل ارض ممر العيادات وقد قاءت على الأرض لا يكترث لها أحد, ركضت استنفر الحشد لكن أحدا لم يكترث . أطباء الدراسات مشغولون مع الطالبات, والممرضات بالحياكة وعمال الخدمات بالطعام, حتى المرضى الجالسين في الممر كانوا ينظرون إليها والي ويشيحون بأبصارهم لأن الأمر لا يعنيهم.

.
أسرعت لرئاسة القسم فوجدت الأستاذ أكرم العنبري رحمه الله فقلت له: أظن عجوزا ميتة ملقاة في ممر العيادات ! أسرع الأستاذ مناديا المستخدم ليحضر نقالة صغيرة من عمليات العينية خارجي ( ليس لها حواجز) وحملنا سوية العجوز وقد ظهر في وجهها خراج حول الحجاج ككتلة حمراء تخمص العين اليسرى. مع حرارة مرتفعة تشخص السمية التي تعاني منها.

.
نقلنا سوية المريضة لإسعاف المواساة في رحلة طويلة من مصعد لمصعد واستلمت المريضة منا طبيبة دراسات داخلية (أدعو لها بالخير للهفتها في ذلك الجو المخيب).

.
حينذاك تنبأت بخراب سيحيق ببلدي عاجلا!, أين النخوة ؟ أين الأخلاق التي ربينا عليها ؟ أمعقول أن يحصل أمر كذلك في بلاد النشامة, أهل المروءة! . وفي دار المواساة ؟

.
ولكن أحدا لم يتبرع بمد إصبع عون ولولا وجود رئيس القسم لبقي البشر يفشخون من فوق المريضة لدخول العيادة.

.
رويت هذه القصة مرارا . أستنفر بها ضمائر من يسمعني وفي نفسي حزن مما حضرته.

.
روت لي ابنتي حادثة مشابهة, جرت بعد عشر سنين في مدرسة بناتي عند الانصراف, إذ أصيب آذن المدرسة بنوبة صرع ووقع على درج المدرسة يتفرج عليه أهالي التلاميذ منتظرين لاشيء, وإذ بسيدة أصلها من رومانيا ترافق ابنتها تتصدى للموقف فتجر المغمي عليه إلى منتصف الشارع وتوقف تكسي بالإكراه وتضع المصاب فيه وتأمره بأخذه إلى اقرب مستشفى.

.
اجتمعت بالسيدة الرومانية الملحدة لاحقا وشكرتها فقالت لي: لقد علمنا أهلنا أن نساعد بعضنا.

.
استمر شعوري بالإحباط من المجتمع المدني الذي أعيش فيه إلى زمن قريب عندما شاهدت برنامجا تلفزيونيا في قناة ناشيونال جيوغرافي اسمه السيطرة على الحشد, وفيه تجربة لسيدة ولرجل يمثلان حادثة إغماء أمام الملأ, مرة بثياب رثة ومرة بثياب أنيقة في حين تراقب الكاميرا ارتكاس الحشد .

.
أدهشني أن أحدا من المشاة في الطريق لم يكترث في حالة الرجل أو السيدة الفقيران !!, بينما سارع الجميع لنجدة من يبدو محترم الملبس والهيئة !!!.
لقد سامحت كل من قصّر في نجدة محتاج وأستطيع أن أجد له العذر.

.
البرنامج المذكور لم يبرر لي تصرف الدواب الثديية العاقلة على كوكب الأرض لكن أمرا آخر أعاد لي الثقة بالبشر وببني وطني.
اسمع يوميا وأشاهد واعرف أكيدا أن الكثيرين لم يتوانوا عن تقديم العون في هذه الأزمة العصية.

.
يقوم كثير من الأفراد- وخاصة الشباب – بتضحيات تصل لحدود المخاطر دون انتظار شكر أو ثناء. وفي هذا الشهر أمثلة كثيرة مما ذكرت.

.
تعلمت أن الخير في الناس موجود دائما, قد لا تصادف الطيبين في كل مكان لكنهم موجودون ويظهرون في الملمات وهم من يعمر الكون ويلملم الجراح ويضمدها, ينتظرون فرصتهم في التضحية. فقط أعطوا الزمان حقه وسترون ما يفعل الأخيار.

.
خلق الله البشر وباهى بهم الملائكة وتحدى بهم الشيطان وهو الخلاق العظيم وهو أعرف بما خلق .

.
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

.
كل عام وانتم بخير



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع