أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » بدوي الجبل الشاعر الذي قضى بعد هجائه هزيمة 1967 يعين حفيده وزيراً للثقافة

بدوي الجبل الشاعر الذي قضى بعد هجائه هزيمة 1967 يعين حفيده وزيراً للثقافة

أُعلن في دمشق أمس الأحد، عن حكومة جديدة لنظام الأسد. ولفت في هذا السياق تعيين محمد الأحمد وزيراً للثقافة. والمفاجئ في ذلك التعيين أن الأحمد حفيد مباشر للشاعر الذي حاول البعثيون قتله، بعلم حافظ الأسد، وقتذاك، وهو الشاعر والسياسي المخضرم محمد سليمان الأحمد المعروف ببدوي الجبل.

وأشارت (العربية نت) إلى أن الوزير الجديد هو إمّا ابن لمنير الأحمد الذي قتل بدمشق أول تسعينيات القرن الماضي، أو ابن للدكتور أحمد سليمان الأحمد الذي عثر عليه ميتاً في بلغاريا عام 1993.

وبدوي الجبل هو سليل أسرة تضم والده الشيخ سليمان الأحمد، والذي كان شيخ مشايخ العلويين، كما أن العائلة تعرضت لاضطهاد منذ وصول البعثيين الى السلطة في سوريا، أول ستينيات القرن الماضي.

إذ تعرّض بدوي الجبل لمحاولة اغتيال، ثم رمي على الطريق، عام 1968، فأصيب بعدها بأمراض أثرت على حركته ونطقه، كما تجمع كل المصادر، والتي تؤكد بدورها أنه مات على إثرها عام 1981.

خصم الاشتراكية يقع بأيدي البعثيين

وورد تأكيد بأن من قام بمحاولة اغتيال بدوي الجبل، هم البعثيون، رداً على قصيدته “من وحي الهزيمة” في مقال بعنوان: “تكريم بدوي الجبل أهو تكفير عن محاولة قتله بعد هزيمة 1967؟” للصحافي أحمد الخليل في جريدة المستقبل اللبنانية، بتاريخ 19 سبتمبر/أيلول 2005. قال فيه “إن النظام البعثي” كاد أن يقضي على بدوي الجبل بعد قصيدته من وحي الهزيمة التي تلت هزيمة 1967.

وتعود ملابسات الاغتيال الى كتابته قصيدة “من وحي الهزيمة” وقصيدة “إني لأشمت بالجبّار” بعد هزيمة 1967 وتعرّض فيها لرموز الهزيمة سواء بالداخل السوري أو بعض امتداداته القومية ذلك الحين. ومما قاله في تلك القصيدة: “عبرةٌ للطغاة مصرع طاغٍ وانتقامٌ من عادل لا يجورُ. وغداً يذبح الرفيقُ رفيقاً منهمُ والعشير فيهم عشيرُ!”.

ورداً على تلك المواقف قامت عصابة مجهولة بمحاولة اغتياله عام 1968 عبر ضربه على الرأس ضرباً شديداً بحديدةٍ مخصصة لمثل هذه الأنواع من الاغتيالات، وكان الشاعر حينها يمارس رياضته الصباحية. ثم قام أفراد عملية الاغتيال باختطافه وإخفائه عن الأعين، مدة تجاوزت الاسبوع.

وبحسب تقرير “العربي نت” فإن دور حافظ الأسد، والذي كان حينها وزيراً للدفاع، في محاولة اغتيال بدوي الجبل، لم يتضح كلياً، إلا أن ما عرف وسجلته كتب تلك المرحلة، تقول إن حافظ الأسد “وجّه إنذارا الى الخاطفين” الذين استجابوا لذلك الإنذار ورضخوا له، فأطلقوا سراح بدوي الجبل، برميه في أحد شوارع دمشق.

ولم يقل الأسد الأب، ولم ينقل عنه في أي مصدر، من هي الجماعة التي وجّه إليها الإنذار لتخلي سبيل بدوي الجبل. كذلك لم يعرف السبب الذي جعل حافظ الأسد، وزير دفاع تلك المرحلة، يتكتّم على أسماء فرقة الاغتيال، ما ترك ظلالا من الشك بدور له في تلك العملية أو معرفته الكاملة بأسماء “زملائه” البعثيين الذين سعوا الى قتل البدوي، خصوصا أن الأخير ينتمي لخط سياسي مختلف كليا مع البعثيين، فضلا عن أن البدوي هو سليل أسرة ذات حسب ونسب ضارب الجذور في التاريخ.

أسرة تموت فجأة أو تقتل بظروف غامضة

أسرة محمد الأحمد الذي عين وزيرا للثقافة في عهد بشار الأسد، الآن، مات أغلبها بظروف غامضة، وقتل بعضها الآخر علناً. مثل منير الأحمد ابن البدوي، والذي تشير معلومات أنه هو والد وزير الثقافة الجديد، الذي كان إعلامياً معروفاً وحاد اللهجة إزاء آل الأسد، ولديه اتصالات مع أكثر من شخصية من معارضي الأسد الأب، فوجد مقتولاً عام 1992.

أمّا أحمد سليمان الأحمد، وهو الأستاذ الجامعي المتخصص بفلسفة الأدب، فقد عثر عليه ميتاً عام 1993 في بلغاريا. وأكّد الناقد اللبناني الراحل جهاد فاضل، أن أحمد سليمان الأحمد الذي صدر له أكثر من ثلاثين مؤلفاً، كان انشقّ عن نظام الأسد ومات في ظروف غامضة.

والوزير الجديد هو إمّا ابن لمنير المقتول، أو ابن لأحمد الذي قتل في بلغاريا. وإصرار إعلام الأسد على تغيب اسمه الثلاثي والاكتفاء بالثنائي، يشي أنه ابن واحد من الذين صفاهم آل الأسد مباشرة، لا مجرد حفيد لشاعر حاول البعثيون قتله، فقط.

أمّا قصة الموت “المفاجئ” الذي رافق تلك العائلة، فهي طويلة. فقد كان للبدوي ابنة اسمها جهينة، و”ماتت في عز شبابها” في شكل “مفاجئ”. وفلذة كبده عدنان، والذي كان يتعلق به البدوي شديد التعلق، فقد فجع بموته عام 1967 ولم يكن قد تجاوز الـ 32 عاماً من عمره.

أمّا ما بقي من تلك العائلة ولم يحصده موت مفاجئ أو قتل غامض، فقد خضع للرقابة المشددة في بيته وعمله. مثل الدكتور علي الأحمد، الطبيب الشهير الذي ما كان يجرؤ على التحدث بالسياسة في بيته، خصوصا أن آل الأحمد يجاورون آل الأسد في منطقة القرداحة.

قرية آل الأحمد التي يشتهرون بها في اللاذقية السورية هي “السلاطة” القريبة من القرداحة والتي دفن فيها شيخ مشايخ العلويين جدّ الأسرة سليمان الأحمد، كما دفن ابنه البدوي إلى جواره في ذات القرية. وأثر هذا كثيرا بتوليد نوعية من الاحتكاك بين عائلتين، إحداهما تغرف الحسب والنسب غرفاً في الشعر والأدب والتقاليد الاجتماعية الراسخة، وهي آل الأحمد، وثانيهما عائلة طرأت على الواقع الاجتماعي للمنطقة الساحلية، ولم تكن تملك أي جذور سوى قصة فولكلورية عن جدّهم الوحش، وهي آل الأسد.

هذا الاحتكاك أوقدت ناره الفوارق السياسية أيضا، خصوصا أن البدوي وصل الى مرحلة كان فيها عضوا رسميا في وفد الملك الهاشمي فيصل، وهي رتبة رفيعة لا يصل إليها أي كان في تلك الأيام.

الشاعر الفحل يصبح سكرتيراً في تشويه مقصود لسيرته

وأوضحت “العربية نت” أن آل الأسد عملوا على إنهاء سيرة تلك العائلة وحرق إرثها بكل السبل، حتى بلغ الأمر بحافظ الأسد، إلى إلغاء بعض قصائد البدوي التي كانت تدرسها مناهج التعليم. كما أن البعثيين بصفة عامة، وحافظ الأسد خاصة، شوّهوا سمعة البدوي إلى درجة تلفيق ودس معلومات كيدية للتقليل من شأنه وإيصالها الى الصحافي الشهير باتريك سيل الذي كان بصدد تأليف كتاب عن حافظ الأسد، فأشار إليه بصفته مجرّد “سكرتير” لواحد من زعماء المنطقة في ذلك الحين وأحد الذين ارتبطت “دويلة العلويين” باسمهم، هو ابراهيم فاضل الكنج.

ولم يتم تكريم بدوي الجبل إلا عام 2005 في وزارة الثقافة السورية، وبشهادة محمد الأحمد حفيد البدوي الذي قال إن تكريم وزير الثقافة للبدوي، عام 2005، هو الأول عبر تاريخه في سوريا.

وكذلك الحياة البائسة التي قضاها شاعر كالبدوي، منذ وصول آل الأسد إلى السلطة، وهو السياسي المخضرم والشاعر المحلّق والشخصية التي يعني وجودها تهديداً معنوياً لآل الأسد: “ألقى النظام الطائفي بشاعر سوريا الكبير بدوي الجبل، في وحل فرعٍ جاف لبردى، بلا تقدير لقيمته، وبلا اعتبار لعلويته”. كما سبق وكتب الصحافي السوري المخضرم غسان الإمام في “الشرق الأوسط” اللندنية في 27 مارس 2012.

العربية نت