أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » روجيه عوطة: العيديات ليست مجانية

روجيه عوطة: العيديات ليست مجانية

لا تبدو عيدية الفطر مجانية في “تويتر”، حيث أن مغردي هذا الموقع، وبمناسبة حلول العيد، أطلقوا هاشتاغات خاصة بها، أبرزها “أكبر عيدية اخدتها” و”آخر عيدية وصلتك”، ومن خلال هذين الوسمين، ينشران المتعلق والمنفصل عنهما. ففي بعض الأوقات، لا تلائم التغريدة أياً من وسميها، لكنها، تحيل الى تفجير هنا، وعمل ارهابي هناك، وعندها، توفر للعطية، التي لطالما ناولها الأهل لأبنائهم، معنى آخر، وهو البلية. غير أن المنشور، ومهما كان مخالفاً لهاشتاغ العيدية، يتأثر بها، ويبين قوامها، وهو ليس تقديمها بلا مقابل، بل العكس تماماً. أفصح المستخدمون عن العيديات التي حصلوا عليها في الماضي، من مبالغ مالية، أو ألعاب، أو ملابس. وبذلك، استحضروا وقت طفولتهم، بالاضافة الى أعضاء عائلاتهم، خصوصاً الأب والأم. بالتالي، سجلوا عنهما جملاً عاطفية، كما شددوا على أن وجودهما هو “أعظم هدية في الحياة”. وعلى هذا المنوال، يظهر أن العيديات، التي حصل هؤلاء المشتركون عليها في صغرهم، لم تُعط لهم بلا ثمن، بل أن محيطهم، الذي ناولهم إياها، أوثق صلاته بهم عبرها، حتى أضحوا مربوطين به. فعلياً، يوضح التغريد بأن العيدية ليست سبيلاً الى إعطاء الحاصل عليها هدية، بقدر ما هي أخذ الطاعة منه. وربما، التبادل، أي العطاء والأخذ، لا يغير في معنى تلك الهدية أي شيء، لكن، استقرار هذا التبادل على علاقات عائلية، هو الذي يحوّله الى طريق نحو الهيمنة. فالحاصل على العيدية، في هذا السياق، يعطي وجدانه بدلاً عنها، إذ يقدمه لغيره، أكان الوالد أو والدة، ويسكنه فيه، على أساس الذنب اتجاهه، أو الخجل منه. فهو يأخذ العيدية منه على إعتقاد أنه لا يستطيع ردها، ولهذا السبب بالذات، يعمد إلى دفع ثمنها من وجدانه، الذي يستحيل مفتوحاً للقاصي والداني، باعتباره المعطي والواهب. من هنا، يمكن القول أن العيدية ليست مفصولة عن مسلك الإدانة وقيده، بل أنها بمثابة أول الإدماج فيه، فلما يعطي الأهل عطية العيد لأولادهم، يقحمونهم في نظام الدين، الذي يطلبون منهم سدّه على الدوام. وهكذا، يصبح حسبان أن العيدية “مجانية” باباً يحول الحاصل عليها من محتفل إلى دائن. وصحيح أن العيدية في “تويتر” لا تبدو مجانية، بمعنى الحصول عليها بلا مقابل، لكنها، وفي الوقت عينه، تبدو مجانية، بمعنى نشرها، انطلاقاً من هاشتاغاتها، بكل عفوية وتلقائية. فالمستخدمون يغردون بها على سخرية مما أخذوه من أهلهم، واغتبطوا به آنذاك، كأن ينشر أحدهم صورة ثوب، كانت قد أعطته إياه والدته، معلقاً بالضحك عليه. فبعدما حصلوا على تلك الهدايا، وفرحوا خلال طفولتهم بها، ها هم الآن يسخرون منها.. كما لو أن فعلهم هذا يؤكد على إنتباههم إلى ضآلة العطايا، التي قُدمت لهم، والتي، على أساس أخذها، أسكنوا أهلهم في وجدانهم، ودانوا لهم بوجودهم، مثلما أنهم انصاعوا لهم. فوحدها سخريتهم تشير إلى أن العطايا التي جعلتهم منخرطين في نظام الدين الإجتماعي لم تكن تستحق موافقتهم وطاعتهم. فيا لها من عيديات ضئيلة، تلك التي يمضي المرء مُعاشه في تسديد ثمنها!

المصدر: المدن – روجيه عوطة



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع