أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » اللواء محمد منصورة : أغنية الكراسي السورية

اللواء محمد منصورة : أغنية الكراسي السورية

قُتل وحش الجزيرة السورية الذي حكمها – كما حُكمت بقية المحافظات- بالحوافر والأنياب، اللواء محمد منصورة، في ظروف غامضة. ألقي به من أعلى بناية. وضعوه في بطانية ثم هزّوه من الطرفين، وهم يغنّون له أغنية النوم الأخيرة التي يغنيها الأولاد لهواً ولعباً: “كرسي كراسي عمي جراسي”.. وبعض الجزاء من جنس العمل، ومن لم يمت بالسيف أو بالرصاص مات بأغنية الكراسي الدامية. هذه نهاية مجرم عبث بالجزيرة السورية، وحلبَها حلباً، ولعب بشطرنج ملف حزب العمال الكردستاني الواعد بدولة جديدة قد تكون أطول من مهاباد عمراً، وكان الأسد لشدة إعجابه ببطشه قد لقبه بفارس الجزيرة.. نعم فارس الجزيرة وكأنه فتحها فتحاً؟ فارس على ايش؟ لا أعرف يا غالي؟ صنع أثرياء الجزيرة لفارس الجزيرة الذي ركب على صهوة الشعب مثل سيده، نجوم رتبته الثلاث، ومعها عقاب من الذهب الإبريز! ويروى عنه أنه لم يكن يحب التعذيب بنفسه، فيتفضل بها على عناصره الكرام البررة، وهذه مكرمة فرسان والله أعلم.

.

وكان عماد مغنية قد سبقه في المصير وقتل في ظروف غامضة، وقتها خرج وزير الخارجية وليد المعلم، وأعلن بنبرة الشحوم الثلاثية المفلترة المتقطعة الأنفاس: إنه سيعلن بكل شفافية تفاصيل قتل مغنية، وكان تصريحاً غريباً لوزير خارجية بعثي، فليس من عادة النظام التحدث عن مثل هذه الأمور في وضح النهار الحالك السواد وأمام الكاميرات!

.

المهم أنّ القضية لا تزال غامضة بعد سنوات من قتله في ظروف غامضة، وقتل الضابط محمد سليمان في ظروف غامضة، وقتل غازي كنعان، ملك لبنان، وفارسها طبعا، في ظروف غامضة. وكان بدوره قد صرّح أيضاً تصريحاً غريباً وعجيباً يشبه الطرائف ونوادر “صدق أولا تصدق” في تسالي المجلات، وهو أنه سيجعل الشرطي يضرب التحية للمواطن السوري، فاستغربنا هذا التصريح من ملك لبنان الذي أذاقه الويل والثبور، وكان قد أعلن تصريحه هذا عندما نزلت رتبته من ملك لبنان إلى وزير للداخلية السورية، ثم سمعنا أنه انتحر في ما سماه الظرفاء لاحقاً “الانتحار على الطريقة السورية” في ظروف غامضة!

.

وانتحر الزعبي في ظروف غامضة برصاصتين قبل الغداء رحمه الله ظالماً أو مظلوماً، وخرجت” الأجهزة المتخصصة” الغامضة لتقول إنه كان ضعيفاً تجاه أولاده ورغباتهم فلم يستطع تحقيقها براتبه المحدود فانتحر!

.

وصُرع الوريث الجمهوري باسل الأسد في ظروف غامضة، ولم تظهر صورة واحدة لسيارته المزودة بكل وسائل التأمين والراحة والبسكويت، أو بأخبار لظروف موته، وعُدّ سيداً للشهداء المعاصرين، وشهيداً مطلقاً، وبرزت له صور بعد استشهاده الغامض وهو يطير في الفضاء، و معتمراً أو حاجّاً، ويشرب الشاي من إبريق عادي مثل الزهاد الدراويش في صورة من رحلة إلى بعض قرى الساحل.

.

ومات المؤسس الغامض لدولة الغموض والتصدي والمقاومة والمغامضة، ثم أعلن عن موته في ظروف غامضة بعد ثلاثة أيام من موته الغامض، وتولى الابن وارثاً أبيه في الجمهورية الغامضة في ظروف غامضة مدتها دقائق.. ثورة الثامن من آذار كانت ثورة ظروف غامضة، قادتها لجنة عسكرية قتل أعضاؤها في ظروف غامضة، والوحيد الذي بقي منها على قيد الحياة هو الرئيس الغامض المتخفي بنظارة سميكة من العسكر وحيطان الجهات المتخصصة. حتى حرب تشرين التحريرية كانت حرباً غامضة، قتل أبطالها الحقيقيون في السجون جزاء على بطولاتهم، أو نُفوا إلى الخطوط الخلفية و”الخدمات الثابتة”. كُتب في بطولات تشرين آلاف الصفحات، لكنها ما زالت حرباً غامضة أو بلا معنى، وما زالت القنيطرة المحررة مهدمة وغامضة، فلا نعرف أهي محررة أم تحت الاحتلال؟ وعقد المؤسس الأب صفقات كرسيه مع مانحي الشرعية الغربية في ظروف غامضة. ومات آلاف من أبناء سوريا الأحرار، وقتلوا وحوكموا في ظروف غامضة، اللهم إلا الأخبار القليلة التي تسربت من الضحايا الناجين في مذكرات وشهادات وروايات.

.

أمّا المصدر الثاني الغامض والوحيد، فهما مسؤولان رفيعان من طائفة “الهوتو” السوري، هما وزير الدفاع مصطفى طلاس في كتابه “ثلاثة أشهر هزت سوريا”، وفاروق الشرع الذي كتب “الرواية المفقودة”، وهي رواية خارجية لا داخل فيها تقريباً، حتى يبقى غامضا. ويبدو أن التوتسي السوري لا يكتبون مذكراتهم فهم غامضون، سريون! الأمر الوحيد المثير في كتاب الشرع داخلياً هو وصفه لحال ماهر وبشار بعد وفاة الأب الغامضة، أنهما كانا قلقين وخائفين من منافسات محتملة على العرش من أجهزتهم المختصة الغامضة. ذكر الشرع أنهما قبل تفصيل الدستور ليناسب سن الوريث، الصغيرة على الشعب الكبير والدستور العظيم، كانا يذرعان القصر جيئة وذهاباً، خوفاً وقلقاً من فقدان أغنية الكراسي.

.

قرأت مقالاً غريباً في صحيفة الأسبوع الأدبي في بدايات صدورها، للسياسي والأديب السوري حافظ الجمالي ينتقد فيه جملاً غامضة في النشرات الإخبارية، مثل: استقبل الرئيس الفلاني الرئيس العلاني ظهر هذا اليوم، وتمّ خلال اللقاء استعراض “العلاقات الثنائية” القائمة بين البلدين الصديقين، وعدد من “الموضوعات ذات الاهتمام المشترك”…. وكلها أمور غامضة، أقل غموضاً بكثير من قتل رستم غزالي، وآصف شوكت، وجامع جامع، وهشام بختيار (أو الاختيار كما ترد في وثائق النظام ستراً لأصله الفارسي كما يروى فهو غامض)، ومصطفى التاجر… وبقية الرفاق الذين قتلوا في مراجيح مع أغنيات كرسي كراسي عمي جراسي، رحنا على سوقو، كسرنا صندوقو.. كما تقول أغنية لهو الأطفال. تحطمت سوريا، لكن الصندوق الأسود ما زال غامضاً ومغلقاً.. واحدة من أكثر الكلمات التي علكها إعلاميو النظام الغامضون وبراءة الذئاب في عيونهم، كانت: شفافية!

المصدر: المدن – أحمد عمر



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع