أخبار عاجلة
الرئيسية » دين ودنيا » تحالف النظام السوري و الصوفية البعثية

تحالف النظام السوري و الصوفية البعثية

علي الأمين – الحوار المتمدن

عقب فراغ النظام السوري من العملية العسكرية التي قضت نظرياً و مؤقتاً على وجود حركة الإخوان المسلمين في سورية، و عقب نجاح مجازره التي أصَّلت الخوف الرهيب في نفوس المواطنين وخصوصاً المتدينين البسطاء  من سطوة النظام، ظن الناسُ أن سورية ودّعت الحياة الروحية إلى الأبد بدلالة حملات نزع الحجاب في منتصف الثمانينيات والسكوت الشعبي عنها.

ومن موقع القوة الغاشمة اختار نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد طوعاً ألا يكون عُرضة لاتهامات المنابر الإسلامية في المحيط الدولي بمحاربة الدين، بدأ بتقديم الجزرة إلى هؤلاء المتعطشين  للتدين الخائفين من ممارسة شعائر دينهم  عن طرق إفساح المجال لهم بممارسة نوعٍ  خاص من التدين الذي يقوم أساسه على الولاء التام للنظام  قبل الله، ولا أقول “قبل الله” مبالغةً، فليس هنالك أكثر من حضور الأدلة على ذلك.
هذا النوع من التدين المراقب بشكل لصيق من قبل أجهزة الأمن ومن قبل  زعامات دينية تقبل بانتهاج خط يمالئ و يجمِّل سقطات النظام  بل ويجعل تلك السقطات تبدو و كـأنها من الدين الإسلامي شاء من شاء و أبى من أبى، اكتسب الرعاية الرئاسية التي استشعرت أهمية هذا الخط الديني في هندسة دين إسلامي مصنوع في مطابخ النظام السوري فاستحدثت نسخة دين أفضل ما يوصفها به هو تعبير “إسلام المبعثن.”(1)
لقد تلاقت مصلحة هذه الفئة من أتباع “الإسلام المبعثن” مع مصلحة النظام الذي يدَّعي العلمانية للتوصل إلى هذا الرسم الصُوَرِي لأطياف المجتمع السوري الذي أمَّن القدر الكافي من إثباتات لا أصل لها على أرض الواقع السوري فقط ليُفهم المجتمع الإسلامي أن سورية بلد مسلم و ينتمي إلى منظمة المؤتمر الإسلامي.
أما داخلياً فكان ذلك النوع من الإسلام  المشَّكل على مقاس مصالح النظام عبارة عن حَلَمة زجاجة إرضاع حليب فارغة  (  nipple ) لا تغني ولا تسمن من جوع  و مع ذلك تُوهب بمنةٍ رئاسية للمتدينين البسطاء داخلياً كي يفرِّغوا شحناتهم الروحية  كما يحلو لهم و لكي يزيدوا في مجد النظام و تعميق جذور سطوته في المجتمع السوري في المقابل.

هذه الحالة من التعايش بين العلمانية المزيفة  المتمثلة في نهج حزب البعث العربي الاشتراكي و الإسلام المبعثن المتمثل في نهج الحركات الصوفية أخذ شكلاً من أشكال التآمر على الحركة الفكرية في المجتمع السوري حيث ضَمِن النظام وجود هذه الحركات المنضوية تحت جناحه وحيدةً في الساحة السورية واتهم كل من خرج من تحت هذه العباءة بكونه سلفياً تكفيرياً والعياذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، و حاسبه حساباً عسيراً و زج به في غيابات السجون. و بهذا المناخ ضمنت التيارات الصوفية خلو الساحة لها، و أَمِنَ النظام جانب المتدينين و ضمن لنفسه مزيداً من القداسة والاستمرارية. فصار في سورية نسخة فريدة من الإسلام المهجن تدين به فرقٌ و تحزبات  وجدت لنفسها صيغة مقبولة بين عامة المواطنين الذين لم يعترضوا على المسار المنحرف لهذه الطرق  على اعتبار أن “التبشكر خير من العمى” (2) فنتج لدينا تيارات صوفية اتخذت أشكالاً متعددة و ألواناً مختلفة قاسمها المشترك  كلها الشكلانية  و الرضا عن النظام ألبعثي.

ولكي لا يكون الحديث عاماً، سأعمد فيما يلي إلى شيء من التفصيل.

ففي الفترة التي تلت مرحلة التأكد من خلو الساحة السورية من أي نشاط  ديني بعد إقصاء الإخوان المسلمين من الفناء السوري ظلماً و عدواناً، ظهر على الساحة مشايخ مقربون من حافظ الأسد كالشيخ الراحل احمد كفتارو والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي  اللذين كان لكل منهما دور بارز في تجميل صورة النظام  و إعادة تدويره  كلما لزم الأمر لتقديمه إلى الناس لضمان استقرار الحكم و ضمان سهولة  سير عملية التوريث  أساساً و سلاستها ولكن كلٌ على طريقته وفي اتجاهه الخاص.

فالدكتور البوطي صار يخرج على التلفزيون السوري في برنامج “دراسات قرآنية” مساء كل أربعاء في أواخر عقد الثمانينيات. و قد أكد البوطي عدة مرات من خلال هذا البرنامج  أن برنامجه “دراسات قرآنية”  كان بمنةٍ و بتوجيه من الرئيس حافظ الأسد الذي كان يتدخل حتى في توقيت بث البرنامج و هذا الكلام على ذمة البوطي.

لقد لاقى البرنامج استحسان الكثيرين من الناس ولا أخفيكم سراً، فقد كنت من المتابعين لهذا البرنامج الذي يشرح ويفسر القرآن الكريم على طريقة البوطي الجذابة، غير انه كان بين الفينة و الأخرى يمرر رسائل مباشرة و غير مباشرة من حافظ الأسد إلى الشعب السوري كانت كلها تصب في إطفاء هالة إيمانية على شخصية حافظ الأسد.
فمثلاً كثيراً ما ألمح البوطي إلى أن الأسد رجل مؤمن و أنه بصدد نشر القرآن في سورية في القريب آنذاك، و تصديقاً لتصريح البوطي سرعان ما انتشرت معاهد الأسد لتحفيظ القرآن التي لم يكن لها اثر حقيقي في المجتمع السوري يذكر سوى تلك اللوحات الدالة على وجود معاهد الأسد لتحفيظ القرآن. و إن سُجِّل نشاطٌ ما، فهو نتيجة جهود شخصية من بعض الأئمة الذين أخذوا على عاتقهم  دعوة الطلاب و تعليمهم على حسابهم  الخاص أحياناً أو على حساب الطلاب أنفسهم في معظم الأحيان.

وكثيراً ما سرَّب  البوطي تفاصيل دعوته للأسد الأب لإطلاق سراح  بعض المعتقلين السياسيين أو المنتسبين للإخوان المسلمين، وما هي إلا أيام حتى  يفرج  عن دفعة من السجناء المساكين الذين يُكتشف فيما بعد بأنهم ممن انتهت مدة سجنهم، وبكلمة أخرى كان يمنن الشعب بأمر كان مفعولاً، فاكتسب د. البوطي مصداقية لا يضاهيها مصداقية آنذاك.

ومن بين رسائله التي كان يدسها و تصب في خدمة التيار الذي يمثله، رسائلاً يشنِّع فيها على التيارات الإسلامية الأخرى مثل التيارات السلفية و لا ينسى أن يشكر الرئيس لتفهمه هذا الأمر و دفاعه عن وجهة نظر العلم الصحيح الذي يمثلها البوطي و نظرائه بشكل صريح و كأن الرئيس حافظ الأسد، على حد زعم البوطي،  يفيء للحق الذي يمثله فكر البوطي الذي ينأى بنفسه عن مساندة النظام شكلاً.

وقد مرَّر و بارك البوطي إنشاء فصيل نسائي بقيادة سيدة دمشقية تدعى منيرة القبيسي التي كان منهجها يعنى بتربية النساء التربية الدينية “الصحيحة”  اللواتي اتخذن لباساً موحداً يعرفن به من غيرهن  دون عناء و كأنهن فصيل من شبيبة الثورة. هذا الفصيل يهتم بالتعليم الديني المحتوي على الكثير من المغالطات الدينية التي كانت مقصودة  وتهدف إلى أن يؤمِّن الجانب النسائي الضغط على المجتمع لتأكيد فكرة وجود الحرية تحت مظلة النظام البعثي كمكملٍ لعملية غسل العقول و سلبها إرادتها باسم الدين المبني وفق شروط النظام و وفق مصالح الصوفية و مشايخها.
أما الشكل الآخر لاستخدام الإسلام المبعثن فقد قاده الشيخ احمد كفتارو ومريديه الذين ازداد نشاطهم في أوائل التسعينيات لضمان ولاء المتدينين للنظام من خلال تنضيدهم وفق ما يشبه تنظيم حزب البعث نفسه. فالقاعدة في منطقة ما، تتمثل في وجود مجموعات صغيرة تدعى “بالمريدين الجدد” الذين يتولى أمر إرشادهم مريدٌ قديم، و المرشدون بدورهم  يدينون بالولاء المطلق لشخص قديم في الدعوة نسبياً، ولا يهم كونه رجل دين، أم غير دين، متعلم أم غير متعلم، المهم أن يكون قديماً في هذا الكار (3) و أن يكون على تواصل مستمر مع جماعته.

ومن متطلبات تعيين هكذا شيخ هو أن يدين بالولاء المطلق لمشايخ الطريقة الذين يشبهون الوزراء أو أمناء فروع الحزب  من حيث مكانتهم وهم عادة من تلاميذ أحمد كفتارو مثل الشيخ رجب ديب و الشيخ علاء الدين الزعتري و آخرون الذين بدورهم  يدينون بالولاء المطلق للشيخ احمد كفتارو  زعيم طريقتهم النقشبندية الأوحد.

السؤال ما علاقة  الطرق الصوفية بالنظام؟

للإجابة على هذا السؤال سنأخذ الطريقة النقشبندية نموذجاً التي يتوجب فهم آلية عملها و مبادئها، لتبيان نتائج ذلك على ارض الواقع.  فأهم مبدأ للانضواء تحت كنف النقشبندية هو الطاعة العمياء للشيخ، وبدون هذه الطاعة  المترافقة مع المحبة المطلقة لا يصح إيمان المريد. فإذا قال الشيخ أن “اللبن أسود”، وجب على المريد أن يصدق تلك المعلومة و أن يشكر الله على نعمة هداية الشيخ له وربما يزيد على قول شيخه بأن يقول أن “اللبن أسود من الليل.”

والمريد لا يقطع أمراً يخص حتى حياته الشخصية دون الرجوع إلى شيخه  ليعرض عليه أمره وينتظر ما يأمر به الشيخ. وهذا الشيخ الذي بيده “كل شيء” يرى بأن بشار الأسد، و من قبله حافظ الأسد، رئيساً مثالياً وتجب طاعته ومحبته مما يستدعي إيمان المريد بهذه الفرضية ومحبته للرئيس محبة شديدة بسبب محبة الشيخ قدس الله سره للرئيس بشار الأسد.
وقد خرج من بين ثنايا تعاليم الطرق الصوفية مقولة “سورية الله حاميها” التي صارت تكتب بخط كبير بجانب صور بشار الأسد العملاقة المنثورة في كل مكان، حتى صار الأمر محيراً، فكلما ذكر الرئيس بشار الأسد، ذكر أحدهم أن سورية الله حاميها، وكلما وضعت صورة كبيرة لبشار الأسد كتب بجانب رأسه “سورية الله حاميها” حتى صار الأمر محيراً و يفتح الباب للتساؤل الجدي  بالطريقة التالية:”من هو “الله” المقصود في تلك العبارة، أهو الله الذي يعبده الناس, أم بشار الأسد؟

و بالعودة إلى قصة النقشبندية يتوجب علينا ألا ننسى أن مبدئها  في التراتبية هو مبدأ كل الطرق الصوفية المتواجدة في الساحة السورية و خصوصاً من حيث طاعة المشايخ الطاعة العمياء، و رزوح كبار هؤلاء المشايخ  بموجب العقد التآمري مع النظام تحت “سقف الوطن” أي تحت جناح النظام. وبنظرة سريعة لتوزع مدارس أو الطرق الصوفية في سورية نستطيع أن نفهم أموراً كثيرة. فمدينة دمشق تعتبر معقل النقشبندية بحكم وجود رأسها أحمد كفتارو أو خلفائه الحاليون فيها بالإضافة إلى كونها تضم جماعة القبيسات التي دعم وجودها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
غير أن الانتشار الأوسع للنقشبندية تحقق في مدينة حلب التي تعتبر المعقل الرئيسي لها بالإضافة إلى طرق مشابهة تتبع نفس أسلوب الولاء للنظام أولاً، ولله ثانياً، و البراء من بعبع السلفية “الكافرة”  ثالثاً مثل الطرق الرفاعية و القادرية و أخيراً و ليس آخراً الكلتاوية  التي أسست لها معهداً أشبه بمدارس إعداد مقاتلي الأحزاب السياسية حيث لا يمكن لأحدهم انتقاد أي مبدأ من مبادئ هذه العصبة، و إن تجرأ و فعل، فسيكون عرضة للتكفير والسباب و الإهانة، ومن الجدير ذكره أن مدرسة الكلتاوية تسيطر على فئة كبيرة جداً من الحلبيين الذي حشرهم تحصيلهم العلمي المتدني فيها.
لقد استهدفت هذه الطرق فئة الشباب من كل الشرائح في كل المدن فنجحت في بعضها مثل دمشق وحمص، و إدلب نجاحاً ليس كبيراً، بينما كان نجاحها ساحقاً في مدينة حلب. و من الجدير ذكره أنك ترى الطبيب الشاب و الطالب و الأمي و العامل متوحدين جميعاً على قلب شيوخهم وقلوب شيوخهم على قلب زعيم الطريقة الذي قلبه ينبض باسم  بشار الأسد حباً و امتناناً.

ولا ننسى أن أهم فئة من المريدين و أكثرهم دلالاً  عند مشايخهم هم فئة التجار الذين يعتبرون أهم العناصر في هذه المعادلة لكونهم المصدر المالي الذي يمول المشايخ و يرضي نزواتهم المادية  و قد ازدادت ثقة النظام بأتباع هذه الطرق في الآونة الأخيرة فصاروا يوضعون في المراكز الحزبية القيادية الوسطى مثل أعضاء و قادة الفرق، و أعضاء وأمناء شعب، وأعضاء فروع.

و بالنظر إلى تسلسل التهم التي ألقى النظامُ الشعبَ بها نلاحظ وجود تهمة “السلفيين” والتي لم تأت عن عبث. فالنظام يعلم علم اليقين دين ما لديه في سورية، و كان يظن أن المتدينين من المسلمين هم فقط الصوفية أتباعه و أتباع الأديان الأخرى وهؤلاء كلهم مأموني الجانب، و لكن لمفاجئته العظيمة خرج شباب يطلبون الموت أو “الشهادة” ويصرخون بـ”الله أكبر”  ويموتون في الشارع تحت وطأة إجرامه دون تردد كل يوم.

وبعد تمحيص النظام تبين له أن هؤلاء الذين يطلبون الحرية و يقدمون أرواحهم  الزكية في سبيلها متدينون وما هم متدينون  ولكن صَدْح الشعب بالحق رهيب، فراح يشحذ همم  مفبركيه و ملفقيه من أبواقه ليصبغوا الشعب بلون المعتدي مقنع للغرب، فوجد هؤلاء النصّابون أن الثائرون ليسوا  من جماعته  أي الصوفية بالرغم من أن علامات التدين باديةٌ عليهم، إذاً لا بد أن يكونوا “سلفيين”، فأطلق عليهم صفات السلفيين التكفيريين الذين لا تعرف جباههم السجود لله حسب توصيف د. البوطي الذي أدخل الأسد الكبير وابنه باسل الجنة على ذمته التي يبدو أنها ما زالت تتسع للكثير. وللمفارقة  تجد أن أتباع الأسد تعرف جباههم جيداً السجود لله عفواً أقصد السجود لبشار الأسد كما شاهد العالم بأسره كيف يصرُّ المنحبكجية على السجود لـ “ربهم” الأسد أمام كاميرات العالم.
لقد راقت صفة “السلفيين المندسين” للمتظاهرين، ليس لطرافة الصفة فقط، بل لأن هذه الصفة  تغيظ المنحبكجية  بالإضافة إلى أنها، و هذا الأهم، تميزهم عن المتدينين الذين يرون في الخروج على الحاكم كفراً كما صرح البوطي مراراً و تكراراً وكان آخرها أن أفتى حين سئُل عن رأيه في كون عنصر المخابرات يطلب من المعتقل أن يقول لا اله إلا بشار، حيث أفتى بأنه قبل مناقشة هذا الأمر يتوجب سؤال عن السبب الذي دفع عنصر الأمن لأن يطلب هذا الطلب من المعتقل (4)، وهذا دليل من الأدلة على كون الولاء لبشار الأسد أولاً قبل الولاء لله عند هؤلاء القوم من المتصوفة أصحاب الدين المهجن.

هذا المنطق الذي يتهم المطالبون بإسقاط النظام حصراً بالتمذهب السلفي جلب السخرية على النظام من كل حدب وصوب، فصارت السلفية صفة كل من يحتج ويطالب بإسقاطه حتى ولو كان المتظاهر مسيحياً، أو ملحداً أو علمانياً. وهذا الأسلوب إن دلَّ على شيء فهو يدل على تخبط الدعاية الإعلامية للنظام التي ترتكز على فرضيات  تثير الذهول من الصدمة نتيجة وصوف النظام  للشعب السوري بكونهم جراثيماً، و أن الشعب أجبن من أن يثور من تلقاء نفسه، و أن من يثوِّره هم أشخاص أجانب عن المجتمع السوري، فراح يستخدم آلات قتله البشرية وغير البشرية  لقنص كل من يطالب بإسقاطه  بحجة انه سلفي مندس على مبدأ أن يتغدى النظام بالشعب قبل أن يتعشى الشعب به.

و بتركيز النظام على وصف المتظاهرين بالسلفيين يفضح ضعفه حين يقول:” يا متصوفي سورية اتحدوا، فقد جاء من يعاديكم و يريد النيل من سطوتكم، فاعدوا لهم ما استطعتم من كذب و تدجيل تهزمون به عدو النظام و عدوكم.” ولهذا يمكن فهم ما يجري في مدينة عريقة كمدينة حلب اليوم من هذه الزواية.
فإلى جانب كون حلب معقلاً لرجال الأعمال المتحالفين مع النظام، فهي تضم أيضاً كماً هائلاً  من أتباع الطرق الصوفية و مشايخها ، حيث كانت تعقد فيها “الحضرات الشريفة” (5) في المساجد ليلاً خارج أوقات الصلاة و بأعداد قد تصل إلى أكثر من 500 شخص في المسجد أو في صالة بيت أحد المريدين الميسورين جداً  أوالمرضي عنهم، بمعرفة النظام و بمباركته،  وقد كان المريدون و المريدات من القرى و البلدات يشدون الرحال إليها فيما يشبه رحلة الحج الذي حجره الأسود هو المعادلة التالية:” محبة الشيخ من محبة الله و الشيخ يحب الأسد، ومحبة الشيخ تستدعي محبة ما يحب إذا فالمريد يحب الأسد.” فكيف يخرج مثل هؤلاء للمطالبة بإسقاط من يحبون – النظام؟

لقد فضحت ثورة الكرامة السورية الفشل الذريع لعملية غسيل أدمغة الشعب السوري التي مارسها النظام السوري خلال أربعين عاماً من محاولاته ترسيخ فكرة ممانعته و مقاومته الجوفاء للصهيونية، كما عرّت وطنيته  الزائفة بإثبات خيانته حين قتل السوريين المسالمين العزل فرفع أبناء الشعب السوري شعاراً بدهياً لا تشوبه شائبة حين قال “اللي بيقتل شعبه خاين” و الخيانة تستدعي إسقاطه منطقياً فأضحى “إسقاط النظام” الشعار الأوحد لثورة الكرامة السورية.
غير أن فضح رموز و مشايخ الإسلام البعثي لهو أمر بالغ الحيوية في هذه المرحلة من الثورة السورية، فكشْفُ و تعرية هؤلاء المستنفعين من النظام الذين يقمعون كماً هائلاً من المواطنين و المواطنات البسطاء بسيف مخافة الله وطاعة أولي الأمر سيكون أمراً حاسماً في إعادة من يظن  أنهم يخافون الله حقاً و لا يدركون أنهم يحبون الله بطريقة خاطئة أو أنهم يشركون فعلاً حين يعتقدون أن طاعة الشيخ المطلقة هي من طاعة الله حتى ولو كان ذلك الشيخ يساهم في جريمة قتلهم في الشارع وليس لديه “أدنى” مانع  نفسي من أن يكون التأليه لراس النظام بدل توحيد الله الذي تعالى عما يأفكون.

إن فك عرى هذا السفاح بين النظام و أقطاب الصوفية  البعثية، وفضح طبيعة مصالح هؤلاء المشايخ لهو نصرٌ جزئي يحطم إحدى أهم  تكتيكات النظام في احتواء أي فكر ثوري ضده، وهو بلا شك مكمل لبقية عوامل النصر لأنه يعين في توضيح رؤية قطاع مهم من الشعب لطريق الحرية و الكرامة التي فقدها منذ أن قامت مؤامرة الثامن من آذار 1963 بقيادة حزب البعث على سورية خاصة و العالم العربي عامة إلى يوم الــ 14 من آذار 2011 حيث بدأت جولة الحق في سورية و المنتظر منه أن يزهق الباطل.

هوامـش توضيحية

1. (1) المبعثن – أي المعدل و المصبوغ و المعاد إنتاجه وفق منطلقات و تنظيرات حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سورية.
2. (2) “التبشكر خير من العمى” – عدم القدرة على الرؤية بشكل جيد أفضل من فقدان البصر، والتبشكر اسم محلي لمرض العشا الليلي الذي يصيب البصر.
3. (3)  الكار – العمل
4. (4) موقع نسيم الشام- وهو موقع يعتمد فتاوى الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ويوثقها بالإضافة إلى مجموعة أخرى من المفتين، والموقع والفتوى المقصودة على الرابط
http://www.naseemalsham.com/ar/Pages.php?page=readFatwa&pg_id=14658&back=8928

5. (5) الحضْرات الشريفة – اجتماعات لأصحاب الطرق الصوفية يقومون فيها بترديد أوراد و أنواع من الذكر المأثور أو غير المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ويدَّعون حضور شيخ الطريقة بجسمه  فيها بالرغم من عدم تواجده في المنطقة نهائياً أو حضور النبي محمد صلى الله عليه وسلم بجسمه، و أحياناً حضور أنبياء آخرين.