أخبار عاجلة
الرئيسية » إقتصاد » فواد الكنجي: بريطانيا بين الخروج والأزمة الداخلية

فواد الكنجي: بريطانيا بين الخروج والأزمة الداخلية

بريطانيا بين الخروج والأزمة الداخلية

فواد الكنجي
إن تداعيات إعلان بريطانيا انسحابها من الاتحاد الأوربي سيفرز بنتائج سلبية وخيمة ليس فحسب، على مستقبل بريطانيا بل على مستقبل امن العالم برمته، بكون قرار انسحابهم هو أشبه بقنبلة انشطارية ستنفلق إلى شظايا عديدة تودي بإحداث تغيرات عالمية على نطاق واسع.
ففي وقت الذي تؤشر كل الإحداث التي تعصف بالعالم نتيجة تفاقم ألأوضاع الدولية وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وتداعياتها الخطيرة التي أصبح ترمي بظلالها على أوربا وأمريكا وشتى إنحاء العالم، وبما يجزم بحدوث تغيرات على النظام العالمي، والذي يبدوا بأنه على قيد البناء و التشكيل ببنية جديد و وفق اتفاقات سياسية تعيد رسم خارطة الاتفاقات القديمة-الجديدة من تقسيم جغرافي لدول ومناطق النفوذ في منطقة الشرق والعالم، وهو أمر لم يعد مستبعد بعد موجة صعود اليمين المتطرف في عديد من دول العالم، ولان وقائع الإحداث التي تعصف بدول العالم الشرقية والغربية ما تزال في بداياتها، فمن سابق على أوانه التنبؤ بمستقبل دول العالم والى أين يتجه بها رياح الإحداث وكيف سيسير مسار النظام العامي الجديد .
ففي وقت الذي ساد الاعتقاد بان العالم يمضي قدما نحو الانفتاح والتوحيد و العولمة والى مزيد من الحرية والديمقراطية والتنمية، نصحوا مفاجئين بصدمة القرار البريطاني – اعرق دول العالم ديمقراطية – بإعلان خروجها من الاتحاد الأوربي، و التي فضلت مصالحها القومية على تضحيتها ببعض الخسائر لصالح وحدة اقتصاديات دول الأوربية والعالم، والذي لا محال سيشكل بداية لسقوط الوحدة الأوربية والذي سيؤثر على مستقبل بريطانيا ووحدتها قبل وحدة الكتل الأوربية .
ففور إعلان بريطانيا خروجها من الاتحاد الأوربي لمحت كل من (اسكتلندا) و( ايرلندا ) بإجراء استفتاء لانفصالهما عن بريطانيا والانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وفي أوربا، وتحديدا في فرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا ظهرت أصوات من اليمين المتطرف تنادي بالانفصال وإجراء استفتاء شبيه باستفتاء البريطاني لتحديد مواقفهم بين البقاء أو من عدمه في الاتحاد الأوربي، وهذه مؤشرات ( تنبئ ) في المستقبل إلى احتمال تفكيك الاتحاد الأوربي ويرجع بالعالم إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية بما يؤدي إلى تقهقر العولمة والتنمية والانفتاح وتراجع الحريات وحقوق الإنسان نتيجة تجدد الصراعات، والتي لا محال ستتجدد نتيجة زوال الاتحاد بين الدول الأوربية. وما يزيد من اختناق الأوضاع العالمية أكثر- في ظل هذه الأجواء الساخنة – اذ ما فاز مرشح الرئاسة الأمريكية ( دونالد ترامب ) الأكثر تطرفا وتعصبا في تبني سياسة الانغلاق والتعصب والذي سيقصم ظهر المنظومة الدولية باعتبار أمريكا اليوم تعتلي قمة الهرم في النظام العالمي الحالي .
فمن خلال وقائع التي سبقت الاستفتاء البريطاني يوم 23 حزيران الماضي، على الخروج من الاتحاد والذي جاء على خلفية صعود التيار القومي واليمين المتطرف و الحملة التي قادوها للخروج من الاتحاد الأوربي باعتمادهم على الخصوصية والاستقلال والهوية، سياسيا واقتصاديا.
وخلال الجدل الذي دار مع الطرف المؤيد بالبقاء في الاتحاد الأوربي حيث الاندماج والتنوع والتكامل أممي، طرح عدة تساؤلات خطيرة حيال مكافحة الإرهاب والأمن والهجرة والتضخم الاقتصادي والنمو والى أخره من الأسئلة المحرجة، وهذا ما قاد البريطانيين إلى الاستفتاء لصالح الخروج، وهي أسئلة أيضا التي اعتم عليها المرشح الأمريكي (دونالد ترامب) في دعايته الانتخابية ليحصد مزيدا من دعم اليمين المتطرف .
فقد شكلت تحديات الاقتصادية والتفاوت في الأداء الاقتصادي حافزا نحو اتخاذ بريطانيا قرارها بالانسحاب، حين فشل الاتحاد الأوروبي في تمكين الدول الصغيرة من بولندا وقبرص وهنغاريا واليونان والى حد ما في ايرلندا والبرتغال، من تحقيق معدلات نمو اقتصادي مما دفع بإعداد ضخمة من سكان (أوروبا الشرقية) الفقيرة للبحث عن الوظائف في أوروبا الغربية الثرية وبالأخص بريطانيا بسبب قوة برامجها التنموية والضمان الاجتماعي الذي يطبق فيها، والتفاوت الكبير بين الاقتصاد الألماني و القبرصي واليوناني الذي يعاني الكساد، وهو الأمر الذي طالب الكثير من أبناء الدول الغنية والمنتجة بمرجعة حساباتهم بهذا الشأن بكونه من غير إنصاف إن ينضم الجميع في عملة واحدة وسياسة مالية واحدة…؟
ومن هذه الوقائع، وظفوا الأحزاب اليمينية المتطرفة في بريطانيا حملة الخروج وفق خطاب الكراهية زاعمين أن قوانين الاتحاد الأوروبي هي السبب في تدفق المهاجرين إلى بريطانيا، مما أثر سلبا على مستوى الخدمات العامة والمعيشة، ولا سيما في قطاعات التعليم والصحة والمواصلات والإسكان .
ومما خدم دعاة لانفصال ظروف طارئة حدثت إثناء الاستفتاء في بريطانيا وفي الدول الأوروبية حيث شهدت أوربا خلال هذه الفترة العديد من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والأزمة المالية وتدهور الوضع الأمني وانتشار الإرهاب الذي ضرب بروكسل وباريس، وهو الأمر الذي أدى إلى تصاعد موجة الاحتجاجات المطالبة برفض تواجد الجاليات ألمسلمة على أراضيهم باعتبارهم مناصرين لمنظمات الإسلامية الإرهابية المتطرفة التي تجتاح الشرق الأوسط و يمثل وجودهم في أوربا تهديدا إرهابيا لهم، وقد تعالى صيحات الأوربيين بصورة عامة، منتقدين الاتحاد الأوروبي بسبب عجزه في حماية حدوده، وكذلك العجز الذي أبداه الاتحاد الأوروبي في تهدئة الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط المضطربة، وخاصة في العراق و سوريا، وعجز النظام الدولي من معالجة أزمة تدفق اللاجئين من الشرق الأوسط إلى بلدان الأوربية الذي بدء منذ خريف عام 2015.
وهذه النقاط بالمجمل شكلت أبرز دوافع و الأسباب التي شجعت البريطانيين بدخول الاستفتاء لصالح قرار انسحابهم من الاتحاد الأوربي ومن اجل تحصين أنفسهم .
ونتيجة إعلان بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي تسبب قرارهم حالة غير مسبوقة من الارتباك السياسي داخل بريطانيا ومنذ إن تم التصويت لصالح الخروج، حيث شهدت بريطانيا خلال الأيام الماضية حالة من الاضطراب شملت أركان الحكومة والمعارضة و شهدت البلاد حالة من الفوضى العارمة اجتاحت المشهد السياسي والشارع البريطاني، وهو الأمر الذي لم يشهده هذا البلد المعروف عنه باستقلاله السياسي والقانوني تصل به الأمور للانحدار نحو الفوضى.
فأجواء التوتر الداخلي اخذ إبعاده يضرب مفاصل الحياة اللندنية، فبعد الاستفتاء زاد من الانقسامات السياسية وخاصة المتعلقة بالهوية وعزز الطموحات الانفصالية للقوميين الاسكتلنديين المطالبة بالانفصال مما خلق موجة من ردود أفعال سلبية داخل بريطانيا و في أوربا.
فقد أصبح مشهد التظاهرات سمة الشارع البريطاني، حيث تظاهر في لندن عشرات الآلاف من معارضي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في شوارع لندن احتجاجا على خطوة أغرقت الحكومة في دوامة من الاضطرابات السياسية وأدت إلى استقطاب حاد في البلاد بين مؤيد ورافض، فمدينة لندن تشهد ثاني تجمع احتجاجي خلال هذا الأسابيع بعد إعلان نتائج استفتاء يوم 23 حزيران الماضي على الخروج من الاتحاد، معبرين عن سخطهم إزاء السياسيين، في وقت الذي أعلن رئيس الوزراء البريطاني (ديفد كاميرون) استقالته بعد أن اختار الشعب البريطاني الخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث أعلن استقالته بعد عام واحد من ولايته الثانية، وأعلن أنه سيستمر حتى تشرين أول من أجل انتقال سلس. كما تسببت هذه الأزمة أيضا في إثارة خلافات داخل حزب العمال المعارض، وهذا ما تسبب في انخفاض سعر الجنيه الإسترليني مقابل الدولار إلى أدنى مستوى له منذ ثلاثة عقود، فضلا عن الخسائر في أسواق المال العالمية، وهنا يطرح السؤال نفسه في خضم هذه الإحداث التي تعصف لندن هل يمكن أن يؤدي الخروج إلى تقسيم المملكة المتحدة…….؟ وهل تفقد السياسة البريطانية، قوتها…….؟
علما بان فكرة إنشاء الاتحاد الأوربي قد جاءت نتيجة جهود بذلها قادة دول الأوربية بعد سلسلة من المباحثات لإيجاد وسيلة لمنع تكرار وقوع حروب مدمرة كالتي شهدها العالم، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما خلفته من نتائج مدمرة ليس بملاين القتلى فحسب، بل بتدمير البنى التحية والفوقية لكل دول العالم مما حدي بهؤلاء القادة بالتفكير الجاد لإيجاد وسلة يمنع اندلاع أي حرب مجددا، فاقترح آنذاك وزير الخارجية الفرنسي ( روبرت شومان) تأسيس الجمعية الأوروبية للفحم والصلب وكان ذلك في عام 1950 ليكون الغرض منه إنشاء السوق المشتركة الحرة، وهو أول سوق من نوعه في العالم، وفعلا تم التوقيع على الاتفاق من قبل فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا، وهولندا وفي عام 1956 انضمت إليهم بريطانيا .
وكان الغرض من إنشاء هذا السوق هو لمنع اندلاع حرب أخرى، بين الدول الأوروبية، لكون اقتصاديات الدول الموقعة لتأسيس هذا السوق هو اقتصاد مشترك وبالتالي لا يعقل إن تشن دولة ضمن هذا السوق، الحرب على دولة مشتركه معها في نفس السوق، بكون أمر حدوث ذلك سيكون مستبعدا و مستحيلا، ونتيجة لتعاون هذه الدول فيما بينها فان من شان ذلك إن يتطور فكرة السوق إلى (التحالف الأوروبي) ومن ثم إلى (اتحاد شبه متكامل) وهذا ما تم تحقيقه فعلا.
ومن الجانب الأخر كانت أمريكا التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية تسعى لزعامة العالم وبعولمته ليبراليا ليتجنب العالم أي حرب أخرى، وهكذا التقىت طموحات أمريكية مع توجهات أوربية لتأسيس مجموعة من المنظمات الدولية تنظم العلاقات السياسية واقتصاديات بين كل دول العالم.
فتم عام 1945 تأسيس الأمم المتحدة، وفي عام 1944 تم تأسيس البنك الدولي، وفي عام 1945 أسس صندوق النقد الدولي، وفي عام 1995 تم تأسيس منظمة التجارية العالمية، فعبر هذه المنظمات انخرطت جميع دول العالم في اتفاقيات اقتصادية وثقافية واجتماعية لصالح النظام العالمي يستبد فيه الأمن والسلام ويبعد شبح الحرب، وفعلا أفرزت العولمة نتائج ايجابية في العلاقات الدولية واستفاد جميع الشعوب العالم من تكنولوجيا وعلوم الدول المتقدمة وأعطت للعالم حرية حركة والتنقل بين دول العالم سواء على مستوى البضائع أو رؤوس الأموال أو الأشخاص وبشكل سلس، مما سمح بتدفق المعرفة بين دول العالم المختلفة وبما رافقه تدفق المهاجرين من والى جميع إنحاء العالم، رغم كونها جاءت بحرية نسبية، ليمكن لنا إن نلتمس ما أثمرته العولمة وما أفرزته من نتائجه للفترة ما بعد الحرب العالمية بكونها أكثر إيجابا، رغم ما افرزه نظام العولمة ببعض النتائج سلبية شخصت بمشاكل عدم الاندماج و الهجرة ، وتمركز الثروات في أيدي النخبة المالية لفئة قليلة وانتشار الإرهاب والهجمات المسلحة، نتيجة سياسات خاطئة.
وبخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي الذي شكل صدمة لنظام العالمي الجديد، فهل سيشكل ذلك حافزا مضاد يدفع بالدول الأوربية إلى مزيد من التوحد أم العكس….!
الأيام المقبلة ستخبرنا إلى أين يتجه العالم، هل إلى مزيد من العولمة والانفتاح، أم إلى الارتداد نحو الوراء والانغلاق …..؟

المصدر: فواد الكنجي