أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » المحامي فوزي مهنا: إلى متى سيبقى بعض العرب يستوردون أبطالهم؟

المحامي فوزي مهنا: إلى متى سيبقى بعض العرب يستوردون أبطالهم؟

ما أن أرخى الإنكليزي “هاري سانت جون بريدجر” ذقنه وتظاهر بالمداومة على صلاة الجماعة حتى وضعوه على رؤوس الأشهاد، وأصبحوا ينادونه بالحاج “عبدالله فيلبي” لكن عبدالله ما أن عاد إلى لندن حتى سارع لقص لحيته وأرسلها لهم برسالة قائلاً: “عدت الآن إلى جون وإليكم الدليل”.
بدوره “توماس إدوارد لورنس” الملقب بلورنس العرب وصانع ملوكهم، ما أن وصل لأبواب مضاربهم حتى ارتدى زيهم (العقال والكوفية) وأخذ يتقمّص بداوتهم وعاداتهم وتقاليدهم، متذرعا أنه من سلالة العرب الأقحاح، وعندما زُفّت ساعة ثورتهم ضد العثمانيين، كان أول من ناصرهم، لدرجة أنه اعتبر لدى الكثيرين من قادتهم الأبطال.
لم يكن لورنس رجلا خارقا ولا استثنائيا، بل على العكس من ذلك كان إنساناً منحرفاً، وفقا لكثيرين ممن كتبوا عنه، مُستدلين بذلك بعلاقته المثلية مع بدوي كان قد رثاه في قصيدة، فضلا عن أنه أهداه كتابه الشهير “أعمدة الحكمة السبعة” رغم ذلك استطاع لورنس أن يُسحِر ألباب العرب، بتمثيلياته الاستعراضية، فبدا وكأنه حامي العروبة، عندما حضر مداولات مجلس العموم البريطاني، وهو يرتدي الزي العربي (العقال والغترة) متظاهرا بالدفاع عن قضاياهم.
لذلك مرّر مخططه بسلاسة! وهو على يقين أنه يكذب عليهم، هذا ما كشفه لاحقا بكتابه المذكور بقوله: “لو كنت ناصحاً شريفاً للعرب لنصحتهم بالعودة لبيوتهم وسرّحت جيوشهم وجنّبتهم التضحية بأرواحهم، أما الشرف فقد فقدته يوم أن أكدت للعرب بأن بريطانيا ستحافظ على وعدها”.
ويغدو لورنس أكثر فجاجة عندما يكشف أكثر عن مخططاته وتطلعاته حيال مستقبل العرب، بتقريره السري الذي أرسله للمخابرات البريطانية عام 1916 بقوله: “إن مرامينا الأساسية هي تفتيت الأمة الإسلامية، وفيما يتعلق بالعرب فإن عرفنا كيف نعاملهم، سيغرقون في دوامة من الفوضى السياسية داخل دويلات صغيرة حاقدة ومتنافرة غير قابلة للتماسك”.
أما بطل العرب الثالث فكان “جون باغوت غلوب” المُلّقب بغلوب باشا “أبو حنيك” والذي بدوره عايش العرب قرابة ثلاثين عامًا، وهو يجوب صحرائهم متنقلا من خيمة لأخرى ومن مكتب لآخر، يأكل طعامهم ويتداوى ببول نياقهم، حتى أصبح يسوس بهم، لقد كان يشغل قائد الجيش الأردني، ويتقاضى رواتبه كما بقية زملائه الضباط من الجيش البريطاني، عندما أوكلوا إليه بقيادة جيوشهم لتحرير فلسطين من الاستعمار الانكليزي نفسه وقطعان الاستيطان.
نختم ببطل مستورد آخر من أبطال بعض العرب، وهو ابن سورية البار على حد وصف أحد القياديين البعثيين في ستينات القرن الماضي، إنه الرفيق كامل ثابت ابن أمين، الجاسوس الإسرائيلي”إيلي كوهين” والذي عاش في سورية طيلة مرحلة الانفصال عن مصر، تلك المرحلة المفصلية التي سبقت انقلاب مارس آذار 1963.
تمكّن خلالها الرفيق كوهين من إقامة شبكة واسعة من العلاقات الهامة مع ضباط الجيش وغيرهم، لذلك كان من الأمور المعتادة أن يقوم بزيارتهم بمقار أعمالهم وبمنازلهم، حتى بحال غيابهم عنها، وفقا لما أدلى به الرئيس السابق أمين الحافظ في برنامج شاهد على العصر.
في آخر زيارة له لقريتنا “أم الزيتون” روى لنا منصور الأطرش: “لفت انتباهنا أن بعض المداولات السرية لقيادات البعث كانت تُذاع من إسرائيل”، لذلك كان من الطبيعي أن يقوم كوهين بثلاثة زيارات للجبهة السورية مع إسرائيل وفقا لبعض المصادر، تمكّن خلالها من تفقّد مواقع الجيش السوري وأماكن مرابضه، وكان من الطبيعي أكثر أن يتنّقل من مدينة سورية لأخرى، ليلقى بخطبه، كما في محاضرته بمقر حزب البعث بمدينة ادلب عن أهمية استرداد العرب للأحواز.
لقد استطاع “كوهين” بسذاجة من حوله أن يخترق قلب النظام السوري، حتى بات على أعتاب ترشيحه رئيسا لحزب البعث أو للوزراء، قبل أن يتم القبض عليه ويشكلوا له محكمة عاجلة لمحاكمته صوريا برآسة صديقه المقدم صلاح الظللي، وفقا لما أورده النائب أكرم الحوراني بمذكراته الصادرة عام 2000 بقوله: “كان معروفا لنا بذلك الوقت عن وجود علاقة غرامية بين إحدى فتيات كوهين، وهي مضيفة طائرة، وبين رئيس المحكمة”.
من هم أصدقاء كوهين من السوريين؟ من منهم نصّبه بطلا؟ لا أحد يعلم عن ذلك سوى اليسير، على الرغم من اعترافاته أثناء المحاكمة بأنه قد تعرّف قبل الثامن من آذار على ما يربو عن أربعين شخصية سورية سياسية ومتنفِّذة في الشأن العام، وثّق علاقاته معهم غير ان المحاكمة لم تطلب منه التعريف بأسمائهم، فبقي سرهم غامضا إلى يومنا هذا.
والواضح أن عدم قيام المحكمة بذلك كان الهدف منه عدم معرفة أية حقائق وتفاصيل، وهو ما يثبت بأن كوهين كان على علاقة وطيدة برئيسها، وكثير من الضباط، الذين حاولوا تحريره عندما ألقي القبض عليه متلبسا بجريمته، وهو ما أكده الحوراني بتلك المذكرات بقوله: “روى لنا أحد الضباط الذين اشتركوا بإلقاء القبض على كوهين، الضابط (محمد بشير) بأن عددا من الضباط قد أشهروا مسدّساتهم لينتزعوا كوهين من بين أيديهم بعد إلقاء القبض عليه”.
جاء في كتاب الجاسوسية الإسرائيلية وحرب الأيام الستة، لمؤلفه “زفيلدوي جيرولد بالينغر” أن كوهين قد خطط لانقلاب 8 مارس آذار الذي أوصل حزب البعث للسلطة، وأنه انتخب عضواً في القيادة القطرية وكذلك القومية لحزب البعث، ثم رشح وزيراً للإعلام فنائباً لوزير الدفاع، وأنه هو الذي أحبط محادثات الوحدة الثلاثية.
ثم بعد ذلك يفاجئنا الضللي نفسه بحقائقه المزيفة التي لم تُنشر كما يقول، بكتابه الصادر عن دار الجابية بلندن عام 2003 بأن المهمة الرئيسة لكوهين في سورية كانت فقط التعرف على مكان إقامة النازي “لويس برونر” الذي التجأ لسورية بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك التعرف على إقامة السفير البلجيكي السابق دوسان، الذي عمل مع أجهزة الأمن السورية، والذي حصل على حق اللجوء السياسي في سورية وأقام بقرية “عرنة” في جبل الشيخ.
لن نجادل في صحة أو عدم صحة ما روي عن هؤلاء الأشخاص، من أدوار قاموا بها، لكننا نتسائل كيف استطاع هؤلاء السيطرة على قلوب العرب بهذه البساطة؟ كيف استطاعوا أن يتغلغلوا في الذهنية العربية؟ ليمتصون كل شيء في الشرايين، حتى عبق الياسمين؟ دون أن يلجأ أحدا من العرب لطرح السؤال الأهم، ماذا يريد هؤلاء المخادعون؟
بل الأصح أنه لم يجرؤ، فَقَدَ أحد الأمريكان قلمه فاتّهم به عاملا يدعى محمد، فما كان من شركة آرامكو التي كان يعمل بها سوى اقتياده إلى ولي الأمر، الذي أمر بقطع يده في الحال مع نفيه عن المنطقة، حيث ما لبث محمد أن مات في الطريق، في اليوم التالي وجد الأمريكي قلمه في جيب قميصه الثاني!.
ختاما في الأيام التي أعقبت التدخل الروسي في سورية تحوّلت بعض الشوارع السورية لمعارض صور للرئيس الروسي “أبو علي بوتين” ومثلها في بيروت وبغداد، فيما عنونت جريدة الأهرام القاهرية بخط عريض “بوتن بطل من هدا الزمان”، وقبلها كانوا قد استوردوا أردوغان وروحاني وغيرهما، فإلى متى سيبقى بعض العرب يستوردون أبطالهم؟.

منذ قرن من الزمان تماما في عام 1916 استورد العرب لورنسهم، فأوصلهم لكارثة “سايكس بيكو”، استوردوا “غلوب باشا” لتحرير فلسطين، فكانت نكبتهم 1948، استوردوا الرفيق كامل ثابت ابن أمين، فكانت نكستهم 1967، اليوم ها هم يستوردون أبطالهم من كل أصقاع المعمورة، فأي مصير كارثي آخر سيلاقونه، وأي منقلب سينقلبون؟.

المصدر: منشور في رأي اليوم



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع