أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عمر قدور : معركة تسليم حلب

عمر قدور : معركة تسليم حلب

لا داعي للانتظار حتى يُعلن نهائياً اكتمال الحصار حول القسم المحرر من حلب، لأن هجوم حلفاء النظام في المقام الأول يدل على تصميم غير مسبوق، ويصعب تصور وجود هذا التصميم في معركة كسر عظم إقليمية ودولية، هو بالأحرى تصميم مسنود إلى الاستفراد بفصائل المعارضة في حلب. بل كان ذلك واضحاً منذ تركيز حسن نصرالله في خطابه، خلال تأبين مصطفى بدر الدين، على المعركة الكبرى القادمة في حلب، وحتى التمهيد لخسارة المزيد من مقاتليه هناك. فنصرالله لم يكن ليتحدث قبل حوالى ثلاثة أسابيع، بهذا الجزم، لو لم تكن المواكبة الروسية لميليشياته صارت مضمونة، وبخلاف ما أعلنه عن دخول آلاف المسلحين عبر تركيا، فمن المرجح أن لديه مؤشرات أو معلومات عن صفقة فرضت تخلي الداعمين عن فصائل المعارضة. ليس سراً منذ أشهر، تحديداً منذ التدخل العسكري الروسي قبل تسعة أشهر، أن أولويات الطيران الروسي كانت في استهداف حلب وريف اللاذقية، والغاية المعروفة هي قطع خطوط الإمداد من تركيا أولاً عن الفصائل التي يصنفها الغرب معتدلة. على ذلك ينبغي فهم تأجيل استهداف إدلب بشكل مكثف حتى المرحلة التالية. ففي إدلب سيكون الأمر أسهل مع وجود أقوى لجبهة النصرة وغيرها من الفصائل الإسلامية، وسيكون صعباً الدفاع عن تنظيم مشمول بقرار دولي يصنفه على لائحة الإرهاب. ثم إن معركة إدلب هي الأصعب بسبب الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض الأرياف، ولا تحظى المدينة بالصدى المعنوي والاستراتيجي لحلب بوصفها أكبر مدن البلاد. طوال الأشهر الماضية، كانت المعركة واضحة ومنسّقة من ثلاثة محاور، بغية خنق القسم المحرر. فداعش الذي يواجه هجوماً من قوات التحالف على معقله في الرقة، كان يجد الفرصة لتسليم مقاره شرقي حلب، لقوات النظام وحلفائه، بينما يتولى الهجوم على قوات المعارضة في الطريق المؤدي إلى أعزاز المحاذية لتركيا، وقد قيل الكثير حينها عن القصف الروسي الذي يستهدف المعارضة في أثناء هجوم داعش عليها. من الجهة المقابلة، كانت قوات الحماية الكردية تندفع لإكمال الطوق من جهة مواقعها في عفرين، ولم تتمهل تلك القوات إلا تحت قصف مباشر بالمدفعية التركية، بينما لم تتوقف وحداتها في حلب عن قصف المعبر الذي يربط المدينة بالريف. أما المليشيات الشيعية فقد زادت أعدادها إلى حد غير مسبوق، مدعومة لأول مرة بقوات إيرانية نظامية وصل تعدادها في سوريا إلى حوالى ستين ألف عنصر، فوق قوات الحرس الثوري المتواجدة أصلاً. أخيراً، من نافل القول أن قوات النظام ومليشياته المحلية والفلسطينية ليس لها ثقل في هذه المعركة، وأن الثقل الرئيسي هو في القصف الروسي المكثف الذي يغطي الميليشيات الأخرى. البسالة التي أبدتها فصائل المعارضة من أجل منع الحصار، أمام هذا الاستهداف المتعدد المحاور، لا جدال فيها. الأهم أن مجموع الفصائل أثبت قدرة كبيرة على اتباع تكتيكات عسكرية أعاقت لوقت طويل تقدم القوات المهاجمة، على رغم النقص في عدد القوات المدافعة والنقص في الذخيرة والسلاح. ومن المؤكد أن فصائل المعارضة لم تحصل خلال أشهر على أي سلاح نوعي جديد يفاجئ الخصوم ويدفعهم لمراجعة حساباتهم، في الوقت الذي كانت فيه القوات المهاجمة تزج بأسلحة أكثر تطوراً، بعضها وصل من روسيا للتو، مع كل هجوم جديد. الحديث هنا عن أسلحة متوسطة وخفيفة كان يمكن إيصالها إلى المعارضة طوال الفترة السابقة، أي قبل أن يصبح المعبر تحت طائلة نيران القوات المهاجمة، وهذا ما لم يحدث على رغم وضوح المخطط الذي يقضي بحصار المدينة. في الواقع، لا يمكن فهم الثقة التي تحدث بها بشار ونصرالله عن معركة حلب إلا ضمن ثقتهما بعدم توافر دعم فعال للمعارضة، وطبعاً ضمن ثقتهما بأن الحليف الروسي يغطي المعركة بكافة جوانبها اللوجستية والحربية، والأهم تغطيتها من الناحية السياسية بالتفاهم مع إدارة أوباما، إذ لا يمكن تصور استعادة السيطرة على مدينة لها هذه المكانة الاستراتيجية من دون موافقة أميركية. لنا أن نسترجع الآن الأوهام والأكاذيب حول معركة حلب بعدما صارت واقعاً، فالبعض روّج الأوهام حول أنها ستكون معركة كسر عظم دولية وإقليمية، وأنها خط أحمر لن يُسمح لبوتين والخامنئي بتجاوزه. وإذا كان بعض الأوهام ينطلق من حسن نية أو سذاجة، أو من كليهما، فإن الأكاذيب المتعمدة هي الأهم، وقد جاء بعضها من أقلام تنطق عادة بلسان قوى حليفة للمعارضة، ولا يُعرف ما إذا كانت تحليلاتها منطلقة من معرفة خاطئة بصانعي القرار في بلدانها أو في بإدارة أوباما. أما تصويرها هكذا من قبل حلفاء النظام فهو الكذب الذي يُراد به تغطية الخسائر البشرية الضخمة أمام فصائل المعارضة، وأيضاً التغطية على التواطؤ الدولي والإقليمي الذي يفرغ الانتصار من المفاخرة المعتادة. لن تُقتحم الأحياء المحررة في حلب، في حال اكتمل الحصار، لأن الغاية الأساسية تكون قد تحققت، ولأن حلفاء النظام يفضّلون عدم الدخول في التحام يوقع خسائر فادحة. الخسائر ستكون أولاً في صفوف حوالي 300 ألف مدني سيعانون من تبعات الحصار، وسيصبحون مادة للمساومة مع كل شحنة أغذية تدخلها الأمم المتحدة، أو حتى مع كل شاحنة فارغة تدخلها الأخيرة وتورد وكالات الأنباء العالمية خبر دخولها مع إغفال كونها خاوية. بل مع كل خبر قد يأتي عن مأساة إنسانية تحدث في المدينة ستتعاظم نشوة أولئك الحلفاء، لأن هذا الخبر سيذكّر بانتصارهم على مؤامرة دولية ساعدتهم على الوصول إليه! إذا حدث السيناريو الأسوأ فلا يُستبعد أن يخرج علينا أصحاب الأوهام مجدداً للقول بأن الصفقة توطئة للحل، وحتى بأنها ثمن تخلي الروس عن بشار ضمن التسوية الموعودة. لم لا، ما دام التدليس على الواقع أو إنكاره هما السبيل المفضّل للتهرب من مواجهة استحقاقاته؟

المصدر: المدن – عمر قدور



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع