أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » العجز البوليسي: حائط يُضرَب بعرضه وجهُ اللاجئ

العجز البوليسي: حائط يُضرَب بعرضه وجهُ اللاجئ

ثمة من يريد أن “يدعشن” اللاجئين السوريين إلى لبنان، معتمداً سلوكيات بوليسية، أكان جسماً لسلطة ما، أو “مواطناً” مأهولاً بها. نشرت صفحة “مرصد العنصرية” في “فايسبوك” صوراً من عمشيت ، ظهر فيها حشد من رجال الشرطة البلدية، بالإضافة إلى عناصر باللباس المدني، في حين توقيفهم اللاجئين، الذين يسكنون في المنطقة، دافعين إياهم إلى الإصطفاف، وبرم وجوههم صوب الجدار، قبل تركيعهم واحتجازهم

.

كان  هؤلاء في منازلهم، غير أنهم، فجأةً، تعرضوا للمداهمة، فسُحبوا إلى الطريق، حيث جرى إذلالهم وشتمهم واعتقالهم. هذا هو بيان العنصرية: أن تضرب كل لاجئ عرض الحائط والأرض، لكي تستعرض قوتك فوقه. وهذا هو بلاغ الكراهية: أن تصير مكانه معتقلاً، ومن لحظة إلى أخرى، تجره من المهجع إلى الباحة، لكي تبرز تعاظمك عليه.

 

.

طبعاً، ممارسو هذه السلوكيات، أو الناطقون بها، بحق اللاجئين، الذين يتضح يومياً أنهم مقصيون لا أكثر ولا أقل، يستندون إلى “مخاوفهم” من “الغرباء”، الذين، بحسبهم، يتغلغلون بينهم. فإما يعمدون، على إثر تطرفهم الديني، إلى ترهيبهم، أو إلى الإستحواذ، نتيجة طمعهم، على محلاتهم. بالتالي، لا بد من إلغائهم عبر إهانتهم وتفزيعهم، ولا بد من إلقاء القبض عليهم عبر مهاجمتهم وإخضاعهم، عدا عن حصر كل عوامل العجز بوجودهم، الذي عليه أن يكون ليناً ومطواعاً.

.

يعتقد القيمون على تلك السلوكيات أنهم، بذلك، يطرحون مشكلة اللجوء، ويزاولون حلها، إلا أنهم، وعبر أفعالهم الخسيسة، يفاقمونها، ويؤكدون على أنهم يفرضون على اللاجئين رغبتهم الأساس، أي تحويلهم إلى “داعشيين”. الذين غزوا بيوت وغرف اللاجئين في عمشيت وغيرها، لا يبغون التصدي لـ”داعش”، بل يبغون أن تحضر، أن يشاهدوها، وعلى هذا النحو، سيواصلون ممارسة سخطهم وحقدهم على اللاجئين، حتى تظهر في جوارهم. وعندها، ستعلو أصواتهم: “أنظروا، لقد قلنا لكم أن السوريين إرهابيون”.

.

على أن هذه الأصوات، وعبارتها، قد تحظى برواجها، تماماً، كالسلوكيات العنصرية، التي تبدو أنها تستحيل موضوع اتفاق واجتماع “وطنيَين”، لدرجة المجاهرة بها، وتسخيف أي مواجهة لها. وذلك، بحجة عدم التستر على مشكلة اللجوء في البلاد.

.

لا أحد يتنكر لهذه المشكلة سوى الذي يمارس عنصريته اتجاه اللاجئين، لا أحد يكابر عليها سوى الذي يبرر العنصرية، ولو فعل ذلك بكل ما عنده من دهاء ومراوغة، كأن يعلن: “أنا لست عنصرياً، لكنني، ضد التصدي لرافضي وجود اللاجئين، ضد منعهم من التعبير عن هواجسهم”. لا يكتمل الإعتداء الجسدي على السوريين، ويصل إلى حد تركيعهم واعتقالهم، كما في عمشيت وغيرها من المناطق، سوى على سبل قبله. ذلك أن اللاجئين هم عرضة للإستثمار والسطو على أيدي الكثير من الأطراف.

.

الدولة التي تصل أموال مساعدات اللاجئين إليها، فتنهب الحصة الأكبر منها بعض الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، التي تتاجر بالمآسي والفجائع، وتحولها إلى “مشاريع إنسانية”، الإعلام الذي لا يتوقف عن بث الذعر والحقد، المنظومة اللاسياسية التي تفتش عن عدو لتتكتم على انهيارها… هذه الأطراف وغيرها، تستثمر في وضع اللاجئين، وبالفعل نفسه، تقدمهم كموضوع لخشية الخائرين تحت وطأتها، فتحثهم على التخلص منه.

.

اكتشف البلد عجزه في مقابل اللاجئين، اكتشف الواضح فيه، واكتشف ما يحجم دائماً عن الإحساس به، وما يواظب على ستره. لذا، حمّلهم مسؤولية وهنه وعطبه وأسونته، ساعياً، وعلى لسان الكثير من سائسيه ومدبّريه، إلى طردهم وتقييدهم. ذلك، أنه لا يريد التعرف على مشاكله، الإلتقاء بالأحوال التي هو عليها، فلا طاقة له على هذا الأمر. وهكذا، يجد أن الطريقة الوحيدة من أجل استئناف ذاته، التي يتوهم بأنها كانت على ما يرام قبل هرب السوريين إلى أرضه، هي أن ينفيهم من قدامه إلى المجزرة العالمية المرتكبة بحقهم، أو إلى تصوره عنهم كإرهابيين. عندما يضرب البلد اللاجئين إليه بعرض الحائط، بعرض عدمه، فهذه إشارة أخرى إلى أنه واقع في هاويته-هويته، ولا يشعر بضرورة الإنسحاب منها، بل سحب غيره إليها. فـ”قوته في ضعفه”، وضعفه في استقوائه على الآخرين، وتفويت فرصة الحضور أمامهم.

المصدر: المدن – روجيه عوطة