أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » اعتذار أردوغان وقمة وارسو بقلم عبد الناصر محمد

اعتذار أردوغان وقمة وارسو بقلم عبد الناصر محمد

اعتذار أردوغان وقمة وارسو
نجح الرئيس التركي « رجب طيب أردوغان » في الإفلات من الفخ الذي نصب له ، متمثلاً هذا الفخ باستدراج تركيا لمواجهة عسكرية مع روسيا ، مواجهة من شأنها أن تستنزف الفريقين « أنقرة وموسكو » .
فقد كان مقرراً أن تكون تركيا بمثابة الجسم الذي تغرس فيه الأفعى الروسية أنيابها لتفرغ فيه كامل سمّها ، ثم يسهل التعامل مع تلك الأفعى .
صحيح أن « أردوغان » أقدم على اتخاذ قرار صعب باعتذاره من روسيا عن إسقاط الطائرة الحربية التي اخترقت الأجواء التركية ، لكن الأصعب من الاعتذار هو تورط تركيا بحرب مع روسيا تعرف بدايتها ولا تعرف نهايتها .
اختيار تركيا لتكون ساحة حرب استنزاف لروسيا كان مناسباً جداً لأمريكا لأسباب كثيرة أهمها : موقع تركيا الذي يتيح لها مضايقة الخاصرة الجنوبية الشرقية لروسيا ، من جهة جورجيا . وهي مناسبة أيضاً لتبديد الجهد الروسي على أكثر من جبهة بحيث تضعف قبضة موسكو على سورية وغيرها . ومنها أن تركيا ستكون على المقاس تماماً لاستنزاف جزء كبير من قوة روسيا بمعنى أن القدرات التركية أكبر من أن تبتلعها روسيا بسهولة . والأهم من ذلك هو تسهيل المهمة على « حلف الناتو » في مواجهة حرب باردة جديدة مع موسكو .
إن انخفاض احتمالية المواجهة بين موسكو وأنقرة بسبب تصحيح العلاقات بينهما أجبر الغرب على مراجعة حساباته في التعامل مع روسيا . فما هي إلا أيام حتى سارعت القوى الغربية إلى أخذ المبادرة لعقد « قمة وارسو » بزخم لا سابقة له .
فقد أكدت مصادر دبلوماسية أن قمة حلف شمال الأطلسي [ ناتو ] في « وارسو » ستمهد لفرض أكبر حصار بحري أمام شواطئ ليبيا وتونس ، لمنع تهريب الأسلحة واللاجئين ، بينما يتوقع مراقبون أن تسفر القمة عن قرارات تتصدى للنفوذ الروسي شرقي أوروبا .
كما يبدو أن الحلف عازم على إقرار أكبر خطة دفاعية في تاريخه منذ الحرب الباردة ، وفي مقدمتها تفعيل الدرع الصاروخية في شرق أوروبا ووضعها في حالة الاستعداد القتالي الآلي في كل من رومانيا وبولندا .
وصل الرئيس الأميركي « باراك أوباما » إلى وارسو حيث من المتوقع أن يحث الحلفاء الأوروبيين على الوقوف بحزم ضد ضم روسيا لــ « القرم » ودعمها للمتمردين في شرق « أوكرانيا » .
في المقابل دعا الرئيس الروسي « فلاديمير بوتين » الذي تحسس خطورة الخطوة الغربية خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي « فرانسوا هولاند »  والمستشارة الألمانية « أنجيلا ميركل » إلى الضغط على « أوكرانيا » خلال القمة من أجل تنفيذ واضح لاتفاقات « مينسك » وفق بيان للكرملين .
صحيح أن « الناتو » لم يظهر حماسة كافية لتغطية تركيا أثناء توتر العلاقات مع روسيا غير أن حضور تركيا في قمة الناتو أمر طبيعي وضروري ، فعلى هامش القمة التقى الرئيس التركي « رجب طيب أردوغان » نظيره الأوكراني « بيترو بوروشينكو » في وارسو ، وشارك في اللقاء وزير الخارجية التركي « مولود جاويش أوغلو » ورئيس جهاز الاستخبارات الوطنية « هاقان فيدان »  والمتحدث باسم الرئاسة « إبراهيم قالن » .
ويشارك في القمة – التي تستغرق يومين – نحو أربعين رئيس دولة وحكومة ، إلى جانب خبراء عسكريين وأمنيين ومخططين إستراتيجيين يبحثون في تطوير الحلف ورفع قدراته لمواجهة أخطار مثل « الإرهاب » والهجرة غير النظامية ، فضلا عن العلاقات مع روسيا وهي الأهم .
وقال الأمين العام للحلف « ينس ستولتنبيرغ » : إن قوة الناتو تضاعفت ، وإنه أصبح قادرا على مواجهة أي أخطار ، مضيفاً أن الحلف سيسعى لإجراء حوار بنّاء مع روسيا ولا يريد تكرار الحرب الباردة .
ويتعلق القرار المرتقب الأكثر أهمية بنظر « بولندا » التي تستضيف القمة وجيرانها من دول البلطيق بنشر أربع كتائب متعددة الجنسيات تضم كل منها : « 600 إلى 1000 » عنصر في « إستونيا وليتوانيا ولاتفيا وبولندا » ، وذلك بقيادة « بريطانيا وكندا وألمانيا والولايات المتحدة وبمشاركة فرنسية » . برلين ستقود قوات الحلف في لتوانيا ، ألمانيا ستساهم بقواتها فيما يعرف بإطار « عمل الأمة » ، بينما ستنشر بريطانيا قوتها في استونيا ، وكندا في لاتفيا ، لكن واشنطن ستتخذ من بولندا مقرا لقواتها « نتحرك في الجناح الشرقي لحلف الناتو .
وإذا شنت روسيا هجوماً فستكون دول الغرب الكبرى مشاركة عمليا في المواجهة ، وهو ما يدعو إلى التطبيق الفوري للمادة رقم « 5 » من ميثاق الحلف الأطلسي التي تقر مبدأ « الواحد للجميع والجميع للواحد » .
وتسعى دول الحلف الأطلسي لتعزيز الخاصرة الشرقية للحلف في مواجهة المخاوف التي تثيرها روسيا . وتشهد « دول البلطيق » قلقا على مستقبلها منذ ضم روسيا شبه جزيرة « القرم » واندلاع النزاع مع الانفصاليين الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا . وفي المناسبة نفسها أكد الرئيس التركي « رجب طيب أردوغان » أن على حلف شمال الأطلسي أن يبذل جهدا كبيرا لمواجهة التطورات السلبية التي تعرّض أمن تركيا للخطر .
في المقابل اتهم الرئيس الروسي « فلاديمير بوتين » حلف شمال الأطلسي بزيادة تصرفاته العدوانية قرب الحدود الروسية ، داعياً المجتمع الدولي إلى توحيد الجهود لمواجهة خطر « الإرهاب » عبر تشكيل منظومة أمنية مشتركة خارج التحالفات بحسب قوله . وأكد بوتين أن روسيا يجب أن تعزز استعدادها القتالي في الوقت الذي يتوسع فيه حلف شمال الأطلسي ويحرك بنيته الأساسية تجاه حدود روسيا . وقال في كلمة أمام مجلس « الدوما » : إن حلف الأطلسي يعزز نبرته العدائية وإجراءاته العدوانية قرب حدودنا ، وفي مثل هذه الأحوال من واجبنا أن نولي اهتماما خاصا بتقوية الاستعداد القتالي لبلادنا . ويجب وضع نظام أمن جماعي متساوٍ لجميع الدول ، مشيرا إلى أن روسيا مستعدة للحوار . من جهتها أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن بدء مناورات واسعة لسلاح الجو والفضاء الروسي في غربي البلاد . تشارك فيها أكثر من خمسين طائرة وثلاثمئة منظومة لسلاح الطيران وألف وخمسمئة جندي . وتأتي المناورات بالتزامن مع نشاط عسكري كبير لحلف شمال الأطلسي في منطقة البلطيق قرب الحدود الغربية لروسيا .
وأعلن حلف شمال الأطلسي الجمعة عزمه نشر قوات عسكرية في البلطيق وشرق بولندا للمرة الأولى ، وذلك لردع روسيا التي تعتبر أن هذه الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق تقع في دائرة نفوذها . وقرر حلف « الناتو » المكون من 28 دولة ، تحريك أربع كتائب بإجمالي ثلاثة إلى أربعة آلاف جندي إلى شمال شرق أوروبا ، يتم تدويرها لإظهار استعداده للدفاع عن الأعضاء من شرق القارة ، في مواجهة أي عدوان روسي ، وقال الأمين العام لحلف الأطلسي « ينس ستولتنبرغ » هذه الكتائب ستمتاز بالقوة وستكون متعددة الجنسيات . والقصد من ذلك هو التأكيد على أن أي هجوم على دولة من دول الحلف سيعد هجوما على الحلف بأكمله . وجاء الإعلان عن الاتفاق في مؤتمر صحفي عقده « ستولتنبرغ » عقب أول جلسة في وارسو من قمة حلف شمال الأطلسي ، الذي توترت علاقته مع روسيا ، بعد إقدام موسكو على ضم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا عام 2014.
وبالتزامن مع التوصل لاتفاق لنشر قوات عسكرية على أبواب روسيا ، أعلن مسؤول في الحلف أن الناتو سيتولى قيادة منظومة الدفاع الصاروخي التي أقامتها الولايات المتحدة في أوروبا اعتبارا من الجمعة . وتوصف الدرع الصاروخية بأنها تهدف للتصدي لأي ضربة من « دولة مارقة » على مدن أوروبية ، وتعد أحد أكثر جوانب الدعم العسكري الأميركي لأوروبا حساسية ، في حين تراها موسكو أنها تهدف لإضعاف ترسانتها النووية .
وفي قمة الناتو قال الرئيس الأميركي « باراك أوباما » : إن الولايات المتحدة ستنشر نحو ألف جندي في بولندا في إطار الخطة لتحسين وجودنا كقوة ردع في وسط وشرق أوروبا ، في إشارة إلى « ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا » .
وقبل كلمة الرئيس الأميركي كان نائب مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض « بن رودس » قد قال للصحفيين : إن ما وصفه بالعدوان المستمر لروسيا سيستدعي ردا من الحلف ووجودا أكبر له في شرق أوروبا .
وكانت « بولندا » الدولة المضيفة للقمة قد أبدت تشككها في نوايا روسيا ، وقال وزير خارجيتها « فيتولد فاشاكوفسكي » علينا أن نرفض أي نوع من التمني فيما يتصل بالتعاون البراغماتي مع روسيا ما دامت تواصل غزو جيرانها .
يشار إلى أن روسيا تصف حلف شمال الأطلسي بالمعتدي ، لأن أعضاء الحلف ينقلون قوات وعتاداً عسكرياً إلى أراضي الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق ، وتعتبر موسكو أنها تقع في دائرة نفوذها .
والمفارقة أن قمة الأطلسي تعقد في العاصمة البولندية « وارسو » ، التي اقترن اسمها بـ « حلف وارسو » ، وهي منظومة عسكرية كان يقودها الاتحاد السوفيتي ، وتضم دول أوروبا الوسطى والشرقية لمواجهة « حلف الناتو » أيام الحرب الباردة . وارسو المدينة لا تذكر إلا وحلف الاتحاد السوفيتي رديف لها ، أرادها القادة الغربيون قمة الردع والرد في إشاراتها ورموزها أيضا .
وارسو التي تستضيف قمة الأطلسي كانت قبل ربع قرن عاصمة حلف المعسكر الشرقي الاشتراكي الذي كان يعرف باسم حلف وارسو . تبدلت الأدوار والمواقف لكن بولندا الأمس واليوم ظلت دوما معنية بالأحلاف العسكرية شرقاً وغرباً . فهذه وارسو تحتفي اليوم باحتضان قمة تاريخية للحلف الأطلسي تعيد ترتيب الأولويات مع روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي . تحولت بولندا إلى الضفة الأخرى بعد أن كانت مقرا لحلف وارسو ، الذي تأسس « عام 1955 » من القرن الماضي رداً على إنشاء الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا حلفهما الأطلسي قبل ذلك بـ « 6 أعوام » إمعانا في الرمزية التاريخية أو الاستفزاز ربما .
ليس هذا فحسب فقد أقيم حفل عشاء يجمع قادة الأطلسي في القاعة نفسها التي احتضنت توقيع « حلف وارسو » التي حملت وارسو اسم الحلف الشرقي . وكانت طيلة أربعة عقود عنوان الحرب الباردة وخط التماس بين الحلفين الذين تقاسما العالم والنفوذ ، وكانت بولندا إحدى ركائز ذلك الحلف الذي لم يصطدم مع خصمه لكنه أدار كما الأطلسي حروبا بالوكالة ، وهو أيضا خاض حروبا من نوع آخر فمع إنشائه بعام واحد قمع حراكاً ثوريا في المجر عام 68 ، ودخل في تشيكيا لقمع ما يعرف بربيع براغ .
نسج حلف وارسو علاقات عسكرية وثيقة مع كثير من بلدان العالم الثالث ومنها ذات الأنظمة الاشتراكية ، وعلى مدى سنوات طوال خصصت الميزانيات الضخمة لدول الحلف تحقيقا للتوازن مع حلف الناتو ، على حساب التنمية ومستوى عيش كثير من السكان .
حلف وارسو كان أشبه بذراع عسكرية للمنظومة الاشتراكية آنذاك في مواجهة ذراع المنظومة الرأسمالية ، بمفاهيم تلك المرحلة ، ولعل ذلك التوازن في الرعب بين الحلفين هو الذي حال دون نشوب حروب واسعة رغم حالة الاستقطاب الحاد بينهما خلال الحرب الباردة .
انهار « جدار برلين » وتفكك المعسكر الشرقي وانفرط عقد حلف وارسو سريعا « عام 1991 » فهرول أعضاؤه نحو عضوية عدو الأمس « الحلف الأطلسي » وللمفارقة كانت عاصمته وارسو أول المنضمين للناتو « عام 1999 » .
وبالعودة إلى تركيا فسوف نجد أن تركيا هي الأكثر أهمية في مخرجات القمة الأطلسية ، فقد قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي « ينس ستولتنبرغ » : إن طائرات الإنذار المبكر « أواكس » التابعة للحلف ستقوم بالتحليق في الأجواء التركية ، ومراقبة المجال الجوي في سورية والعراق ، في إطار مكافحة تنظيم « داعش » الإرهابي . وأوضح أن الحلف يتعاون مع تركيا بشكل وثيق ، مشيراً إلى وجود منظومتي الدفاع الصاروخي « باتريوت » والجوي « SAMP/T » في تركيا والتي أرسلتها إسبانيا في « كانون الثاني / يناير 2015 » وإيطاليا في « حزيران / يونيو2016 » إلى جانب طائرات « أواكس » التي ستحلق في الأجواء التركية .
وفي البيان الختامي للقمة الأطلسية أكد حلف شمال الأطلسي أن روسيا تشكل خطرا متزايدا على الحلفاء والدول الأخرى ، بتدخلها العسكري الخطير في سورية ، وتواجدها العسكري فيها ، ودعمها لنظام الأسد ، فضلًا عن تواجدها العسكري في البحر الأسود . وأكد البيان الختامي للحلف بعد انتهاء اجتماعه في وارسو أن تحقيق إنجاز فعلي ضد تنظيم « داعش » الإرهابي في سوريا لن يتحقق إلا من خلال حكومة شرعية ، مشيرا إلى وجود حاجة ماسة لانتقال سياسي عاجل وحقيقي فيها . وأدان البيان كافة أشكال العنف التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية المدنية في سورية ، مضيفا بما في ذلك عنف النظام والداعمين له . كما ندد بعنف داعش والمجموعات الأخرى ، المصنفة على قائمة الأمم المتحدة للمنظمات الإرهابية ، داعياً نظام الأسد للامتثال لقرارات مجلس الأمن الدولي واتخاذ الخطوات الضرورية من أجل انتقال سياسي في البلاد .
وبعد : إن انعقاد قمة وارسو لا تعني أن مواجهة قريبة ستحدث بين الحلف الأطلسي وروسيا ، لكن المؤكد أن روسيا ستعيد حساباتها في حجم التغوّل الذي رافق تدخلاتها الهمجية هنا وهناك ، وستطرح نفسها كشريك فعال في الحرب على الإرهاب ، وستحاول – بالتنسيق مع الحليف الإيراني – دعم مزيد من العمليات الإرهابية التي تصيب دول الناتو ، ليرضخ الناتو للأمر الواقع ، ويقبل بروسيا وربما إيران كشركاء في محاربة الإرهاب الذي يستثمرون به كثيراً .

 
———– عبد الناصر محمد —— 10/7/2016  .



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع