أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون إيرانية » هيئة الأمر بالمعروف الإيرانية تثير مخاوف الإصلاحيين

هيئة الأمر بالمعروف الإيرانية تثير مخاوف الإصلاحيين

16 يوليو/تموز من عام 2011، تاريخ يتذكره الإيرانيون جيدا، إذ يحمل لهم ذكرى الاشتباك بين الشاب علي خليلي الذي يعد أحد محيي ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خمسة آخرين في منطقة شرق العاصمة طهران. خليلي الذي لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره آنذاك كان يوصّل أحد أصدقائه بدراجته النارية إلى منزله في وقت متأخر من الليل، لاحظ عددا من الشبان يتحرشون بسيدتين، فتقدم ليعرف ما الذي يحدث، اشتبك مع الشبان المعترضين على تدخله، طعنه أحدهم بسكين إثر تصاعد الخلاف، صحيح أن خليلي استطاع النجاة وقتها، لكنه فقد حياته بعد عامين من هذا التاريخ بسبب التبعات التي سببتها الحادثة على صحته، ليصبح أيقونة “الأمر بالمعروف” في إيران.

 

مثل أعلى

 

يرى حسين، أحد المنتمين إلى هيئة إحياء الأمر بالمعروف الإيرانية المتصاعد دورها، في الشاب علي خليلي مثله الأعلى، ويقول لـ”العربي الجديد”: “قصته تمثل تماماً المهمة التي تقع على عاتقنا، هذه المهام تعد واجبا دينيا، لا بل فريضة إلهية”.

 

أواخر العام المنصرم، عاد اسم هيئة الأمر بالمعروف إلى الواجهة من جديد، بعد حوادث رش الحمض على وجوه أربع سيدات في أصفهان وسط البلاد. في الروايات غير الرسمية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تم اتهام الهيئة التي تعتبر التذكير بارتداء الحجاب وفقا للطريقة المناسبة من وجهة نظرهم، مهمتهم الأصلية، لكن حسين ورفاقه يرفضون الاتهام.

 

أما الشابة الإيرانية مهسا، فترى أن الهيئة تركز على حجاب ولباس الفتيات الإيرانيات أكثر من تركيزها على المفهوم الحقيقي للأمر بالمعروف، وتقول “مهمة الإشراف على قضايا اجتماعية وأخلاقية من هذا النوع يجب أن تقع على عاتق المؤسسات الرسمية، لا على عاتق مجموعات مدنية مؤلفة من متطوعين”.

 

هوية الآمرين بالمعروف

 

لدى هيئة الأمر بالمعروف الإيرانية موقع رسمي يعرّف بالفريضة الدينية التي تقع على عاتقهم، يركز الموقع على إحياء الفريضة التي تتفرع إلى عدة مهام كما يذكرون، غير أن التطبيق العملي على الأرض يتعلق بشكل رئيسي بالحجاب واللباس الإسلامي.

 

قبل أربعة أشهر، خلال مراسم تكريمية لشهداء الأمر بالمعروف، أكد محسن ملاطائمي أحد رجال الحوزة العلمية في قم لوكالة أنباء “إيسنا” الإيرانية أن “الحجاب من الأساسيات في الدين الإسلامي، وعلى النساء مراعاته، هذه وظيفة رئيسية، وعلى هيئة الأمر بالمعروف القيام بها في المجتمع”.

 

يكشف أحد المقربين من المسؤولين عن الهيئة والموظف السابق فيها، علي أصغر حسيني، لـ”العربي الجديد”: “أن فكرة تشكيل الهيئة بدأت منذ عام 1993، وقتها أكد مرشد الجمهورية الإيرانية، علي خامنئي، على ضرورة وجود فرقة في المجتمع تقوم بأداء مهام الأمر بالمعروف بشكل شفهي، معتبرا الهيئة مؤسسة ثقافية تعنى بنشر ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع. وفي عام 2003 بات لدى الهيئة هيكل ومكاتب تمثلها في عدة مناطق، فضلا عن تشكيل إدارة مالية باتت تحظى بدعم العديد من المؤسسات الرسمية، وهو ما أعطاها طابعا شبه رسمي، لكن بلا قانون ينظم عملها”.

 

يضيف حسيني أنه تم اعتماد طريقة تشكيل لجان لأداء مهمة الترويج لثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذه اللجان التي يتشكل كل منها من سبعة أشخاص مشرفون خاصون، مضيفا أيضا أنه يوجد في كل أنحاء البلاد وفي المدن والضواحي حوالى ألفي لجنة، وهناك لجان شعبية منها تتكون من المتطوعين المدنيين. ولهيئة إحياء الأمر بالمعروف أيضا ممثلون في عدة مؤسسات رسمية مختلفة، معظمهم من الشباب والشابات، لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاما، كما وثقت “العربي الجديد”، وقت حكم الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، كانوا متواجدين في الشوارع الإيرانية، إلا أن وجودهم تراجع بقوة بعد انتهاء فترة ولايته.

 

مهام وتوجيهات

 

 

 

في ظهور نادر، أكد الأمين العام للهيئة، أحمد زركر، في برنامج “فصل نو” على قناة محلية مؤخرا أن “أعضاء الهيئة ينبهون بعض السيدات، وحتى بعض الرجال الإيرانيين، إلى طريقة ارتدائهم لملابسهم، وأمور أخرى تتعلق بالأخلاق الإسلامية، ويعلمونهم في ذات الوقت كيفية نشر هذه الثقافة”.

 

أضاف أن شعار الهيئة هو “تذكر لساني وظيفه همكاني”، أي ما يعني بالعربية “التنبيه الشفهي مهمة الجميع”، مشيرا إلى تطور عملهم عاما بعد آخر، بعد أن بدأوا بمجموعات صغيرة في خمس مدن إيرانية، ولكن العام الماضي وصل تواجد مجموعاتهم إلى 210 مدن وقرى.

 

ويعتبر الأمين العام للهيئة أن عملهم يعني تطبيق المادة الثامنة من الدستور الإيراني، والتي تحضّ على الأمر بالمعروف وفعل الخير. في ذات البرنامج أوضح الدكتور، عماد أفروغ، المتخصص في علم الاجتماع أن الأمر بالمعروف يمثل عدة مستويات، أولها بين الناس أنفسهم، ثانيها بين الحكومة والناس، أي واجبات تقع على عاتق الحكومة، وثالثها بين الناس والحكومة، أي يقع على عاتق المواطنين القيام بهذا الواجب إزاء مسؤوليهم، وتذكيرهم وتنبيههم إلى أخطائهم، وتوجيه الانتقادات لهم، فضلا عن مستوى أخير خاص بالمسؤولين.

 

أفروغ الذي لا يقف ضد مبدأ الأمر بالمعروف، يرى خللا في التطبيق، إذ يتم التطبيق العملي في مستويات دون أخرى، فالأمر بالمعروف، حسب أفروغ، لا يجب أن يكون بالتركيز على حجاب أو لباس وحسب، مما يؤدي إلى ابتعاد المواطنين عن الأشخاص المنتمين للهيئة.

 

استطلاعات رأي

 

يرى 45% من الإيرانيين المستطلعة آراؤهم في برنامج “فصل نو” أن الأمر بالمعروف مهمة تقع على عاتق المؤسسات الثقافية الرسمية، و30% اعتبروا أنها مهمة المسؤولين الحكوميين، و15% رأوا ضرورة تطبيقها على كل المستويات، و10% قالوا إن نشرها يكون بتوضيح المفاهيم أولا، ومن ثم التطبيق.

 

في الشارع الإيراني عندما توجه أسئلة من قبيل: هل فكرت في الانضمام لهيئة الأمر بالمعروف؟ أو هل تستمع لأعضائها الذين يتحدثون عن ضرورة أداء واجب ديني وأخلاقي معين؟ أجاب الإيرانيون أنهم موافقون على أهداف الأمر بالمعروف الحقيقية، ولكن الانضمام للهيئة صعب؛ لأنها غير متقبلة من قبل عديدين في المجتمع. فيما قال آخر إن الإيرانيين يعانون من مشكلات اجتماعية كثيرة كالبطالة، مشيرا إلى أن الترويج لثقافة أخلاقية يحتاج أولا إلى حل بعض المشكلات، بما يضمن أرضية لتقبل المجتمع أمورا أخرى.

 

قانون دعم وحماية

 

طرحت اللجنة الثقافية في البرلمان الإيراني مشروع قانون لحماية هيئة الأمر بالمعروف، وضمان دعمها بشكل قانوني، وجعلها هيئة رسمية معتمدة، سرعت اللجنة إقراره بعد حوادث رش الحمض.

 

يرى النائب البرلماني، غلام رضا كاتب، أن اتهام هيئة الأمر بالمعروف بالتورط في رش الحمض على الفتيات مرفوض، وأن الأمر بيد القضاء وحده، متوقعا في تصريح خاص لـ”العربي الجديد”: “تنفيذ هذه الجريمة لأهداف شخصية”، قائلا إنه ستتم محاسبة المسؤولين عنها بشدة لمنع تكرار أي حوادث من هذا النوع، معتبرا أن “بعض الأطراف تسعى إلى تشويه صورة الأفراد المنتمين للأمر بالمعروف”.

 

أعضاء البرلمان الذي يسيطر المحافظون عليه صوتوا في ديسمبر/كانون الأول الماضي على إضافة مادة لقانون حماية الهيئة يحدد الأعضاء المسؤولين عنها بشكل دقيق ويحصرهم في 17 شخصا، منهم وزراء الداخلية والثقافة والاستخبارات، فضلا عن ممثلين عن البرلمان والسلطة القضائية، في ذات الشهر تم التصويت على قرار السماح للهيئة بإصدار تراخيص التظاهرات في المدن والقرى، والتواصل بعدها مع الجهات الرسمية المعنية، كما يقع موضوع مراقبة أعمال الهيئة على البرلمان، فضلا عن ضرورة تقديم الهيئة تقريرا سنويا عن عملها للجنة الثقافية في البرلمان.

 

جدل قانوني وسياسي

 

بعد التصويت على القانون في البرلمان أخيرا، تمت إعادته إلى لجنة صيانة الدستور، التي رفضته في يناير/كانون الثاني الجاري وأعادته إلى مجلس الشورى الإسلامي لإصلاح بعض مواده، لعدم وضوح بعض البنود ومخالفة بعضها الآخر للدستور، بحسب المتحدث باسم اللجنة، نجاة الله إبراهيميان.

 

يضيف إبراهيميان أن القانون المقترح ذكر أنه يحق لأعضاء الهيئة اتخاذ إجراءات عملية لتنفيذ مهامهم، من دون توضيح حدود وماهية الإجراءات العملية. كما أن المادة الثامنة من القانون المقترح تسمح للأعضاء بتطبيق الأحكام في المؤسسات الرسمية، وهو أمر يخالف الدستور الإيراني، حسب قوله، لأن هذه هي مهمة المؤسسة نفسها. بعد هذا التصريح، خرج رئيس الشرطة الإيرانية، إسماعيل أحمدي مقدم، ليعلن أنه لا يسمح لأعضاء هيئة الأمر بالمعروف باتخاذ أي إجراءات عملية ضد المواطنين، مع السماح لهم بتقديم تنبيهات شفهية وحسب، مع تأكيده على حماية الشرطة لهم في حال تعرضهم لأي اعتداء.

 

موقف الإصلاحيين

 

يخشى الإصلاحيون من القانون، إذ نقل موقع شرق نيوز عن الإصلاحي رسول منتجب نيا، مؤسس حزب اعتماد ملي، قوله إن قانونا كهذا يهدف إلى لفت أنظار شريحة معينة من المجتمع والحصول على أصواتها في الانتخابات المقبلة، قائلا إنه حتى لو تم إقرار القانون، فلاحقا سيعمل الإصلاحيون على إعادة مناقشته. فيما نشر موقع عصر أمروز الإلكتروني تصريحا للرئيس السابق محمد خاتمي عن الأمر قال فيه “إن إيران بحاجة إلى الأمر بالمعروف، ولكن للمسؤولين”.

المصدر: العربي الجديد – طهران ــ فرح الزمان شوقي