أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » علكة : بقلم بسمة فتحي

علكة : بقلم بسمة فتحي

علكة
كنت أشكو من وجعٍ في أسناني؛ حتى أخذني أخي إلى طبيب أسنان تبعد عيادته عن وسط البلد عشر دقائق مشياً على الأقدام. كان علينا فيها أن نصعد درجات الممرّ الضيّق الذي يفصل مجمّع الباصات عن مجمّع السرفيسات، حيثُ ينقسمُ الناسُ دون انتظامٍ صاعدين ونازلين الدرجات. يسبقني أخي، يمسك بيدي الصغيرة بحرصٍ شديدٍ ويشدُّ عليها، حتى ظننتُه يجرّني خلفه جرّاً.
.
كانت المرّة الأولى التي أختَبرُ فيها مثل تلك الكثافة البشرية: رجال، نساء، وأطفال؛ تَشي ملابسهم ببساطة الحال وملامحهم عن حزنِ قانِعٍ، يحمل بعضهم أكياساً بلاستيكية وأخرى ورقيّة، بينما تختار بعض العجائز وضعَ سِلالٍ فوق رؤوسهن تُظهر ما تضمّه من مشتريات. يأكل بعض نازلي الدرجات سندويشات فلافل اشتروها من المطعم الواقف على رأس الدرجات، بينما يقف بعض صاعديه عند “بسطة” ساعاتٍ يدويّةٍ رخيصةٍ، يقلّبونها، يسألون ويفاصلون أسعارها مع البائع الذي غالباً ما ينزع ساعاته ويعيدها أماكنها، فيذهبون إلى “بسطة” مجاورة، يُخرِجون عشرة قروش من جيوبهم يدفعون بها للبائع؛ ويدسّون بدلاً عنها قدّاحة ملوّنة.
.
كانت تبدو خطوات الناس واثقةً، مرِنةً، متّزنةً، متمرّسةً، غير خائفةٍ من تماس الأجساد الصريح بسبب الأزمة، أو من الانزلاق عن الدرجات الدّبقة من أثر الخضراوات المهروسة بالأقدام وأعقاب السجائر، لا تبدو على ملامحهم أي علامة انزعاج من الروائح المختلطة القويّة من أجسادهم وحمولة أكياسهم، أو تلك المنبعثة من المطاعم المجاورة. وحدي كنتُ الغريبة هناك أو على الأقل هذا ما ظننته وقتذاك..!
.
صحوتُ من ارتباكي بارتباكٍ أقوى. لَكَزتْ قدمي ساقاً ضعيفةً لصبيٍّ تُوحي قامته وبنيةُ جسده أن عمره من عمري، لم أكنُ قد تجاوزتُ الحادية عشرة آنذاك. كيف تُقدّرُ الأعمارُ، وهل يتشابه عمر شخصين صادف أن وُلدا في اليوم نفسه لكن عاشا حياتين مختلفتين؟
.
تجمّدت قدماي في مكانهما، شدّني أخي، استعجلَ موعد الطبيب، أو ربّما انتشلني من دهشةٍ أَنْسَتني وجع أسناني. ساق الصبي الضعيفة سقَطَتْ وباقي جسده الصغير، لم تحتَمِل لكزةً بسيطة من ساق سليمة، أخذ يلمُّ حبّات العلكة غير عابئٍ بساقه، لم يلتفِتْ إلى من أوقَعه، لم ينظر إليّ بنظرات عاتبة، أو حتى لم يطلب المساعدة في لمّ حبات العلكة عن الأرض، أخذ يرفعها ملهوفاً من بين الأقدام المسرعة قبل أن تدوسها، أو تتطفّل يدٌ أخرى عليها وتأخذها، يلمّها بتلقائيّة مُجرِّب اعتاد السقوط وألِفَه. لم أعتذر، كانت حبّات العلكة التي تناثرت كلّ همّه وأكبر مصائبي…
.
مضتْ سنواتٌ طويلة، ما زلتُ عالقةً بسؤالٍ أغفلني عن مساعدته أنذاك: كيف انتقاهُ العَوزُ واختارته الإعاقةُ؟ ولأيّ شيءٍ تخطّياني؟