أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » ملحم بركات.. النزق ذو الحنجرة الذهبية

ملحم بركات.. النزق ذو الحنجرة الذهبية

حين أسمع ملحم بركات أو “أبو المجد” أو “الموسيقار” (15 آب 1945 – 28 تشرين الأول 2016) في مواقفه وأغانيه، أحسب أن له وجهين: وجه الفنان صاحب الحنجرة الذهبية الشجية والأغنية المميزة التي نلحظ فيها تأثيرات الأغنية العربية الكلاسيكية، الممزوجة بالفرح وسكون الليل (وان كان بركات يحب بعض الايقاع)، وهو بذلك لا يبتعد عن أجواء ومناخات الرحابنة وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وفيلمون وهبة… وهناك ملحم بركات الشخص “المريض بنفسه” كما قال أحد الشعراء، شخصية تجمع التناقضات أحيانًا، فهو موهوب، ظريف، واضح، عفوي، طيب القلب، صلف، حاد، ومزاجي بامتياز، يلتقي بمزاجيته مع فنانين آخرين مثل جورج وسوف وزياد الرحباني، وهم أصحاب مواقف فجة، استبدادية تجعل الكثيرين من عشاق فنهم ينفرون منهم… وهم أيضاً أبرز الشخصيات الفنية التي صنعت مرحلة الثمانينات، كلٌّ بمزاجه وتوجهه، ولم تضمر نجوميتهم، ولم يرتبطوا بعمل بعينه…

 

.وملحم بركات الذي تربت أجيال على صوته، وهي تردد “الله يا أبو مجد”، ولد في بلدة كفرشيما بلدة الفنانين والمبدعين (من حليم الرومي وفيلمون وهبي إلى ماجدة الرومي وعصام رجي، عدا عن الكتّاب وفي طليعتهم ناصيف اليازجي، وابنُه ابرهيم، والأَخوان سليم وبشارة تقلا اللذان أَسسا في الإِسكندرية جريدة “الأَهرام” العام 1876، وشبلي الشميّل، وردة اليازجي، لبيبة الهاشم صاحبة مجلة “فتاة الشرق”، الشاعر المهجري الياس فرحات).

.

والده كان نجارًا، وتقول الرواية السائدة أنه مارس الفن كهواية، وكان يدندن على العود ويرندح أغنيات عبد الوهاب. أمّا ملحم فكان يصغي إليه باهتمام. وعندما كان الوالد يتغيب، كان ملحم يلتقط العود ويدندن عليه، فيجتمع الصبية حوله يصفقون، ويلقبونه “مطرب الضيعة”.

.لا يختلف ملحم بركات في حكايته هذه، عن معظم الفنانين والفنانات، من فيروز التي كانت تسمع الأغاني من خلال راديو الجيران في زقاق البلاط، الى الشحرورة صباح التي ذهبت الى الكنيسة تصلي داعية الله أن يحقق أمنيتها الوحيدة: أن تصبح مطربة ناجحة ومعروفة قبل أن تبدأ معلمة المدرسة اكتشاف موهبتها…

.

هي بداية الكبار التي دائماً لها حكاية تتسم بالطرافة والشقاء وأحيانا الادعاء… لم تكن بدايات ملحم بمنأى عن محيطه، بين تأثيرات أغاني عبد الوهاب الكلاسيكية التي يدندنها والده الهاوي، ونصائح الفنانين، فهو لفت انتباه حليم الرومي حين طُلب منه مرّة الغناء والعزف بين فصلَي مسرحية “جنفياف” التي كانت تُعرض في البلدة.

.

ترك ملحم المدرسة وكان في السادسة عشرة من عمره، وقرر الالتحاق بالمعهد الوطني للموسيقى، فانتسب إليه، من دون معرفة أبيه. درس ملحم النظريات الموسيقيّة والصولفاج والغناء الشرقي والعزف على آلة العود مدّة أربع سنوات، وكان من بين أساتذته، سليم الحلو وزكي ناصيف وتوفيق الباشا. انضم إلى فرقة الأخوين رحباني و”الفرقة الشعبية”، في العام 1966، شارك في مسرحية “أيام فخر الدين”، لمع في وصلة “يا صياد شد شباكك”، وفي العام 1967، أدى في “هالة والملك” دور المستشار، ولفت الأنظار في مشهد المحكمة في مسرحية “الشخص”… شارك في السهرات التلفزيونية الرحبانية التي صورت في هذه المرحلة. من أغانيه مع هدى “رايحين بعربية”. وفي العام 1970 شارك بدور كريم الطش في مسرحية “يعيش يعيش” التي عُرضت على خشبة قصر البيكاديلي في بيروت، وبعدها انفصل عن الرحابنة. وعن التعامل مع الرحابنة، قال بركات: “ذات يوم قال لي فيلمون وهبة بالحرف الواحد: يا ابني انت ولد موهوب، لكن مع بيت الرحابنة لن تصل إلى الشهرة، إما أن تكون مكان نصري شمس الدين أو أقل منه، ولن يتركوك تتفوق عليه”. أشار بركات إلى أن الرحابنة “كادوا أن يربطوني بعقد، لكني لم أقبل”…

.

هو “مطرب الضيعة” الذي انطلق في أول عمل حمل توقيع توفيق بركات وفيلمون وهبة وكان بعنوان: “الله كريم”. الا انه لم يقتنع بأغنية واحدة، وطالبهما بأغنية ثانية وكانت “سافر يا هوا” كلمات مصطفي محمود والحان فيلمون وهبي، وبعدها تعرف إلى مارون نصر وقدم له أغنية “يا أسمر”… لقد جمعت ملحم وفيلمون وهبة وحدة المنشأ التي تحولت إلى صداقة ورفقة طرب، فأثّر فيلمون في ملحم، بلحنه الطربي ذي الطابع الشعبيّ. وكانا يعشقان الصيد (ارتضى ملحم ان يكون سائقه في رحلات الصيد مع المطرب ايلي شويري)، وحياتهما مليئة الطرافة…

.

ومن أغاني ملحم في مطلع السبعينات، “أهلا بجورجينا”، تحية الى ملكة جمال الكون جورجينا رزق، من ألحان الياس رحباني. وفي العام 1975 برز كملحن، أولى ألحانه “بلغي كل مواعيدي” مع جورجيت صايغ، ثم غنت صباح من ألحانه في مسرحية “حلوة كتير” ثلاث أغنيات: “المجوّز الله يزيدو” كلمات توفيق بركات، “ليش لهلق سهرانين” كلمات وسيم طبارة، “كحيل العين” شعر شفيق المغربي. وفي العام 1978، شارك مع سلوى قطريب في مسرحية “زمرد” لروميو لحود، غنى فيها: يا اهل الحبايب ، أنا الوالي، روحي يا روحي، يا بحور الهنى (مع سلوى)، غنت سلوى من ألحانه “لا أكثر من غيري”، وفي نهاية السبعينات، عودة للعمل مع الأخوين رحباني، في سلسلة “ساعة وغنية” (من تقديم الراحل رياض شرارة.. عرض البرنامج في تلفزيون بغداد العام 1979. وقدم البرنامج اجمل موسيقى الاخوين رحباني من خلال مجموعة كبيرة من الفنانين بينهم هدى حداد، عايدة شلهوب، رونزا واختها فادية، جوزيف ناصيف أضافة الى ملحم بركات)… وشارك بركات في مسرحية “الربيع السابع” للأخوين رحباني، غنى فيها: قولك صحيح، كبريتة، شباك حبيبي، موال بغدادي ودبكة، بيروت.

.

كما خاض بركات غمار السينما وشارك في عدد من الافلام مع أبرز الوجوه الفنية من لبنان ومصر. فشارك في فيلم “آخر الصيف” 1980 تأليف مروان الرحباني وغدي الرحباني وﺇﺧﺮاﺝ مروان الرحباني ومشاركة وحيد جلال، وليد حنا، حكمت وهبي، سيلفيا شافيلك، سامي كلارك. غنى فيه: وحدي أنا، بين البيوت، وأدى دور البطولة في فيلم “حبّي لا يموت” في العام 1984، إخراج يوسف شرف الدين، ومشاركة هلا عون، داليدا رحمة، عبدالله حمصي، جان خضير، عصام الشناوي. كما شارك في فيلم “المرمورة” في العام 1985 إخراج وئام الصعيدي…

.

مر ملحم بركات بمرحلة فقر وظلم أيام الحرب، وروى قصة هروبه إلى سوريا عقب اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، قائلا: “أنا فنان وضد القتل، وأيام الحرب هربت إلى سوريا بعدما ذهبت إلى الأردن، لأن بها المجال الفني أوسع، ولم يكن معي ولا دينار واحد، ووقفت بسيارتي ونمت فيها لمدة 18 يوما، وكنت مفلساً”

 

.

ملحم بركات الذي لقبه جورج إبراهيم الخوري بـ”الموسيقار” ربما تيمنا بفريد الاطرش، اعتبر مجدّدًا في الأغنية العربية واللبنانية، إذ قدّم نماذج من الأغنية العربية الجديدة منذ ثمانينات القرن الماضي، كان يرفض الغناء إلاّ باللهجة اللبنانية (مع انه قدم في بداياته أغنية مصرية)، كان متطرفا في مواقفه لناحية الاهتمام باللهجة اللبنانية، الى درجة أنه يقول “يجب سحب الجنسية اللبنانية من المطربين الذين غنوا بغير اللهجة اللبنانية”. كانت لبركات مواقف مماثلة منذ فترة أعلن فيها غضبه من المطربين الذين غنوا باللهجة المصرية والخليجية، في الوقت التي يعد متطرفاً للون الغنائي اللبناني تجاوزت شهرته حدود بلاده،… وتمكن من وضع لمسته الخاصة على بعض الأعمال الموسيقية من بينها “كبوش التوتي، “علواه يا ليلى”، “عود يا حبيب الروح”، “يا لايمة ليش الملام”، “على بابي واقف قمرين”، وغيرها من الأغاني. من دون ان ننسى مسرحية “ومشيت بطريقي” وقدم فيها: مشيت بطريقي، حمامة بيضا، أيامي السجينة، مشي وخلينا سوية، غضبي تفجر”..

 

.

وفنانون كثر حققوا النجاحات بأغنيات حملت بصمة الموسيقار منهم: غسان صليبا بعنوان “يا حلوة شعرك داريه” و”اعتزلت الغرام” للفنانة ماجدة الرومي واخرى لكارول صقر بعنوان “يا حبيبي تصبّح فيي” و”أبوك مين يا صبية” للفنان وليد توفيق..

.

ملحم صاحب الحنجرة الذهبية ولا أحد يمكنه التشكيك في ذلك, وفي الوقت عينه كان سلوكه فيه شي من المراهقة النافرة أو الصادمة، يصالح يحارب يمازح، لديه هواية الشتم والازدراء لزملائه بسبب أو من غير سبب، صاحب الصوت الطربي الذي يغني في المرابع الليلية ينتقد وائل كفوري لمجرد انه لم يعجبه “لوك” شعره، ويهاجم نجوى كرم بسبب أمور مالية…

.

في السياسة كان بركات فجاً، وإن قلنا انه يجاهر بولائه السياسي فهذا من البديهات، لكنه كان يشتم من ليس مع خطه وتجلى ذلك في حفلة من حفلاته حين شتم من لم يؤيد ميشال عون، وهو اللحودي (نسبة الى اميل لحود) الذي غنى له “من حلم الناس جاي”، قبل ان يغدو الحلم كابوساً،

 

وهو الاسدي الذي أعلن أن “بشار الأسد رجل قبضاي ولم يصدر منه إلا كل خير للبنان”، وزار الأسد وغنى له “حبوا سوريا حبوا أسدها”، و”بشار حامل رايتنا”… وهو ليس وحده في هذا السياق، فمعظم الفنانين يبحثون عن “مصالحم” وربما هفواتهم...

المصدر: المدن – محمد حجيري