أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » تركيا تلعب على التناقض الروسي-الأميركي في سوريا
تركيا تلعب على التناقض الروسي-الأميركي في سوريا

تركيا تلعب على التناقض الروسي-الأميركي في سوريا

طَلَبُ الخارجية الأميركية من عائلات ديبلوماسييها مغادرة إسطنبول، هو في الحقيقة مؤشر على توتر جديد في العلاقات التركية-الأميركية. وهذا ما حصل أيضاً قبل شهرين عندما بدأت عملية “درع الفرات”، فقد طلبت حينئذ وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين من أسر الديبلوماسيين والعسكريين الأميركيين المقيمين في أضنة مغادرة هذه المدينة القريبة من قاعدة إنجيرليك العسكرية.

الذريعة التي تستخدمها الولايات المتحدة دائماً في مثل هذه الإجراءات هي “التهديد الإرهابي”، ولكن الواقع أن التهديد الإرهابي في كثير من الأحيان لا يجعل الخارجية الأميركية تسحب أسر ديبلوماسييها. فعلى سبيل المثال، عندما وقعت العملية الإرهابية الكبيرة في مركز العاصمة أنقرة عند مواقف حافلات النقل الداخلي في 13 آذار/مارس 2016، كانت المخابرات الأميركية على علم مسبق بأن عملية إرهابية ستُنفذ في أنقرة، وحذرت السفارة الأميركية رعاياها بناء على هذه المعلومات، وطلبت منهم عدم التواجد في الأماكن المزدحمة. ولكن الخارجية الأميركية لم تطلب من أسر رعاياها مغادرة تركيا. أما في أضنة فعلى الرغم من مرور أكثر من شهرين على التحذير الأميركي، والطلب من أسر الرعايا المغادرة، فلم تقع أية عملية إرهابية بعد!

تزامنَ طلب الخارجية الأميركية من رعاياها مغادرة إسطنبول مع تسريب نشرته جريدة “يني شفق” الموالية للحكومة التركية حول اتفاق تركي-روسي بشأن منع حزب ” الاتحاد الديموقراطي” الكردي “PYD” من إقامة كيان متصل جغرافياً في شمال سوريا. وهذا يعني إخراج قوات “قسد” لا من منبج غربي الفرات فقط، بل من تل أبيض والرقة بين كانتوني عين العرب “كوباني” والقامشلي أيضاً.

التسريب المذكور منسوب إلى مصادر مجهولة، علماً أن اتفاقاً من هذا النوع لا يمكن اتخاذه خارج دائرة رئاسة الجمهورية، وهكذا فالمصدر المجهول يكاد أن يصرخ مفصحاً عن نفسه. وفي الوقت ذاته لا يمكن أن يكون اتفاق كهذا فاعلاً تماماً دون اتفاق موازٍ بين تركيا الولايات المتحدة التي تقود “التحالف الدولي” ضد “داعش”. والولايات المتحدة تقف على طرف نقيض من تركيا في القضية السورية عموماً، وفي الوضع شمالي سوريا خصوصاً.

ولكن جريدة “ملييت” نشرت خبراً، صباح الأربعاء، نقلاً عن “واشنطن بوست” حول تسريب بأن تركيا نجحت بإقناع “البنتاغون” بـ”تعليق” تزويد حزب “الاتحاد الديموقراطي” بالسلاح “مؤقتاً”. ولكن المصدر المجهول في الخبر ذاته، يعترف بأن الولايات المتحدة لم تستطع تحقيق التنسيق المرجو بين القوى المقترح مشاركتها في تحرير الرقة من “داعش”. وهذا يعني إصرار الولايات المتحدة على جمع تركيا و”الاتحاد الديموقراطي” في جبهة واحدة، وهو الأمر غير القابل للتحقيق على أرض الواقع. بالطبع فإن “تعليق” و”مؤقت” هما كلمتان ديبلوماسيتان لإرضاء الطرفين، علماً أنه لا يمكن إرضاؤهما بكلمات من هذا النوع.

من جهة أخرى، على الرغم من النفي التركي المستمر، وبيانات هيئة الأركان العسكرية التركية بأن الدعم الناري المدفعي، والقصف الجوي لمواقع “داعش” و”الاتحاد الديموقراطي” في إطار عملية “درع الفرات” لم يتوقف، هناك “تحليلات” كثيرة حول توقف هذه العملية.

تعتمد هذه التحليلات على تباطؤ تقدم الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا نحو الباب، وانسحاب تنظيم “الدولة الإسلامية” من مواقع مهمة لصالح “قسد” التي تشكل “PYD” جلها.

في الحقيقة، لا يمكن لتركيا أن توقف “عملية الفرات”، فهي تعتبرها استراتيجية بالنسبة إلى أمنها القومي، ويمكن أن تتباطأ العملية، أو تتعثر، ولكن توقفها أمر غير مطروح، والأمر نفسه ينطبق على منطقتي تل أبيض والرقة.

صحيح أن المتفق عليه بين روسيا والولايات المتحدة في القضية السورية أكثر بكثير من المختلف عليه، ولكن هناك تناقضات أو اختلافات بالفعل بين الطرفين في هذه القضية. ولعل تعثر إيصال المساعدات الإنسانية إلى حلب الشرقية ناجم عن هذه التناقضات بين البلدين. وموقف الأميركان والروس من “وحدة الأراضي السورية” أيضاً أمر يبدو من هذه المتناقضات.

الواضح من هذه التسريبات أن تركيا تريد استغلال هذا التناقض بين الروس والأميركان. فتسريب “يني شفق” هو مؤشر على مزيد من التقارب التركي-الروسي وإن لم يكن لدينا دليل واضح بعد على وجود هكذا اتفاق. وطلب الخارجية الأميركية من أسر ديبلوماسييها مغادرة إسطنبول مؤشر مهم على استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا. وهذا التوتر ليس ناجماً عن الموقفين المتناقضين بين تركيا والولايات المتحدة في سوريا فقط، بل ناجم أيضاً، عن الموقف من قضية فتح الله غولن، ودور أميركي محتمل في انقلاب 15 تموز/يوليو. إضافة إلى أن تسريب “واشنطن بوست” حول تعليق تزويد الحزب “الديموقراطي” بالسلاح مؤقتاً لا يشير إلى تحسن في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، فالخلاف أو “عدم تحقيق التنسيق” كما أسماه مصدر الخبر يدل بوضوح على استمرار الخلاف.

على الرغم من هذا الوضع يبدو أن تركيا أمامها فرصة مهمة لتحقيق استراتيجيتها في الشمال السوري، فالتناقض بين روسيا والولايات المتحدة يمنحها فرصة أكبر للمناورة، وفرض أجندتها غربي الفرات والرقة. وعندما تتحدث المصادر المقربة من الحكومة التركية عن تقارب أو اتفاق روسي-تركي، فهو هدف تسعى إليه الحكومة التركية إن لم يكن قائماً بالفعل على أرض الواقع.

المصدر: المدن – عبد القادر عبد اللي