أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » اعتقال النواب الأكراد: تأجيج للصراع في تركيا
اعتقال النواب الأكراد: تأجيج للصراع في تركيا

اعتقال النواب الأكراد: تأجيج للصراع في تركيا

عندما تأسس حزب “السلام والديموقراطية” في 2 أيار/مايو من العام 2008، كان معروفاً للقاصي والداني أنه حزب كردي يناضل من أجل تحصيل حقوق الأكراد في الجمهورية التركية على الرغم من عدم ورود شيء من هذا القبيل في نظامه الداخلي. وإذا كان من الممكن إنكار علاقة هذا الحزب بحزب “العمال الكردستاني” المدرج على قوائم الإرهاب في تركيا وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية، فإن هناك قناعة عامة بالعلاقة بينهما. وقد شغل صلاح الدين ديمرطاش منصب رئيس هذا الحزب مرتين.

دخل هذا الحزب في بنية سياسية أشمل في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2011 هي: “مؤتمر الشعوب الديموقراطي” وضم إلى جانبه حوالي عشرين حزباً سياسياً يسارياً، وبهذا أراد أن يقدّم صورة مفادها أنه حزب الجميع في تركيا، وليس حزب الأكراد فقط، وكلمة الشعوب الواردة في الاسم تعني الشعوب المشكلة للجمهورية التركية. وفي 27 تشرين الأول/أكتوبر 2013 تحول إلى حزب، واتخذ اسم “حزب الشعوب الديموقراطي”. المهم أنه طوال هذه الفترة كان مفاوضاً مع الحكومة بالنيابة عن حزب “العمال الكردستاني” وإن كان يستخدم اسم وسيط لإنكار العلاقة العضوية بين الحزبين، لأن وجود هذه العلاقة يعني من الناحية القانونية المعمول بها في تركيا حظر الحزب، واعتقال أعضائه الذين يسيرون هذه العلاقة.

طوال هذه الفترة كانت المعارضة التركية، وخاصة القومية تهاجم حزب “العدالة والتنمية”، وتعتبره شريكاً بالإرهاب لأنه يتفاوض مع هذه الأحزاب بالنيابة عن حزب “العمال الكردستاني” في ما سمي يومئذ “مرحلة الحل” والتي يقصد فيها التوصل إلى برنامج زمني لحل القضية الكردية بالتدريج. حتى إن حزب “الحركة القومية” رفع دعاوى قضائية ضد حزب “العدالة والتنمية” بتهمة ما أسماه “دعم إرهاب حزب العمال الكردستاني”.

ما الذي استجد اليوم لتداهم القوى الأمنية التركية بيوت ومقرات ثلاثة عشر عضواً من أعضاء هذا الحزب، وتجلبهم إلى النيابة بالقوة، للإدلاء بإفاداتهم، وتوقيف بعضهم؟

ربما يقول قائل إن الفترة تلك كانت فترة سلام، ولم يستخدم حزب “العمال الكردستاني” العنف فيها، ولكن الرد على هذا الادعاء باختصار هو أن القانون أعمى، وبقي حزب “العمال الكردستاني” قائماً، ولم يتم التوصل معه إلى اتفاق نهائي. ويمكن تسمية المرحلة تلك باسم “مرحلة وقف العمليات” على غرار تلك التي كان أعلنها مؤسس هذا الحزب عبدالله أوجلان، في التسعينيات من أجل إظهار حسن النية. وعلى الرغم من هذا لم يتحرك القضاء، ولم يحاول اعتقال أحد أو يستدعيه لأخذ إفادته.

لعل تشكيل اللجنة البرلمانية من أجل إعداد قانون رفع الحصانة في 17 آذار/مارس الماضي كانت نقطة الانطلاق لمسار يؤدي إلى ما حصل اليوم. ولكن على الرغم من هذا، لم يكن الوصول إلى درجة اعتقال رئيسي حزب “الشعوب الديموقراطي” المشاركين متوقعاً، خصوصاً وأن الحكومة التركية تعاني في علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وأوروبا في موضوع حزب “العمال الكردستاني” نفسه، فكيف سيكون الأمر مع حزب سياسي مرخص بتهمة علاقته أو دعمه لهذا الحزب؟ وبالفعل لم يتأخر الرد، فقد أعلنت السفارة الأميركية في أنقرة في حسابها في موقع “تويتر” فورَ البدء بإحضار النواب إلى القضاء عنوة: “هذا الأمر يشعرنا بقلق عميق”، ونودي لاجتماع لممثلي دول الاتحاد الأوروبي في أنقرة لمناقشة الأمر.

من جهة أخرى، فإن أي توتر يمكن أن يقضي نهائياً على أمل حل القضية الكردية بشكل سلمي في تركيا، خصوصاً وأن أحزاب المعارضة التركية الأخرى أكثر تشدداً بالموقف من الحقوق الكردية من حزب “العدالة والتنمية”. فحزب “الحركة القومية” يرفض أي حل أو حق قومي للأكراد في تركيا، وحزب “الشعب الجمهوري” عارض برنامج “مرحلة الحل”، وقد وصل إلى الحكم مرات عديدة، ولم يكن موقفه في هذه القضية مختلفاً عن موقف بقية الأحزاب التركية التقليدية. وما جاء على لسان النائب عن حزب “الشعوب الديموقراطي” سرّي ثريا أوندر، بعد تحقيق القضاء معه، وإطلاق سلاحه مباشرة يصب في هذا الاتجاه: “هذه ضربة مهمة للسياسة المدنية السياسية، وأمر يطفئ أمل العيش المشترك”.

مضت سنة ونصف السنة على عودة الصراع المسلح بين حزب “العمال الكردستاني” والقوات الحكومية التركية، ولعل هذا الصراع كان العامل الأهم في التراجع أو تباطؤ النمو الاقتصادي أو ازدياد التضخم الذي تشهده تركيا في الفترة الأخيرة. ولكن اعتقال بعض نواب حزب “الشعوب الديموقراطي” سيفاقم الأزمة، والأمر لا يحتاج إلى كاهن لمعرفة نتائجه، فقد انخفضت قيمة الليرة التركية بالتزامن مع قرارات الاعتقال، وسجلت رقمين قياسيين. الأول أنها انخفضت بمقدار عشرة قروش مقابل الدولار مسجلة أعلى رقم وصلته حتى الآن، والثاني إنها المرة الأولى التي تنخفض فيها الليرة بهذه القيمة خلال يوم عمل واحد منذ اعتماد الليرة التركية الجديدة في مطلع عام 2005. هذا إذا لم نأخذ أرقام البيع التي سجلت ارتفاعات كبيرة جداً بعد إغلاق البورصة.

بهذه الخطوة رفعت الحكومة التركية حدة الصراع القائم أصلاً، وأدخلته مستوى جديداً. وإذا كان القتال ضد حزب “العمال الكردستاني” يحظى بدعم دولي علني، فمكونات الدولة التركية كلها تعرف جيداً أن الولايات المتحدة الأميركية وكثير من دول الاتحاد الأوروبي يجاملونها في هذا الموقف، وهو ليس موقفاً حقيقياً. وهناك علاقات قوية بين هذا الحزب تلك الدول مما سينعكس سلباً على علاقة تركيا بالعالم الغربي عموماً.

المصدر: المدن – عبد القادر عبد اللي