أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » النائبة،السيدة الأولى،العارضة والمنجِّمة
النائبة،السيدة الأولى،العارضة والمنجِّمة

النائبة،السيدة الأولى،العارضة والمنجِّمة

أربع نساء استحوذن على المجال الإعلامي والإفتراضي، أثناء إنتخاب الرئيس ميشال عون وبعيده: أكبرهم نصيباً كانت ميريام كلينك، عارضة الأزياء، “السوبر موديل”، كما تسمّي نفسها: نوع المخلوقات الجديدة، الذائعة في بلادنا. لا هي راقصة ولا مغنية ولا فنانة ولا عارضة أزياء بالمعنى المتعارَف عليه. صاحبة مواهب إغرائية فذّة، تذيعها على اليوتيوب والانستغرام والفايسبوك وتويتر… وتجد من يحفل بها، بدليل الحشد الواقف عند صورتها وحركتها. حظ ميريام كلينك إن أحد النواب وضع إسمها على ورقة الإقتراع، فسُجلت ورقته على انها “لاغية”. ومنذ تلك اللحظة، وكلينك تحتل الشاشة الصغيرة، و”الأكثر قراءة”، ولمدة أيام، وصور لا تنتهي في أوضاعها المغرية؛ ثم المقابلات التلفزيونية معها، حيث تتلوّى بـ”بوزات” الغنج وتنفخ شفتيها وتلعب بشعرها الاشقر الطويل، تذبل عيونها برموشها المكثّفة. والأطرف من كل ذلك، “موقف” كلينك نفسها، في هذه المقابلات: من ان الموضوع، أي إقتراع أحدهم لإسمها، ليس بـ”مزحة”، إنما دليل على “إنشغال” النواب بها، وانها غاضبة على هذا النظام الطائفي الذي لا يسمح بانتخاب أرثوذكسية مثلها، وانها قد تترشح هي أيضاً للنيابة، تارة، أو للرئاسة، تارة أخرى. مع تحرّش منهجي، على الهواء، بأربعة نواب، أحدهم ، نبيه بري، رئيس المجلس النيابي، الذي لم تعجبها ردّة فعله على إسمها. أما الباقون، فسامي الجميل، وقد توقعت انه هو الذي وضع إسمها على ورقة الإقتراع، ثم وليد جنبلاط، وكرَّرت مراراً كم هي تحبه ومعجبة بـ”جنونه”، وكم هي تتمنى أن يكون هو من صوّت لإسمها. وأخيراً، سمير جعجع، الذي قال “من صوّت لكلينك يشبهها”، فردّت هي عليه بأنها لن تردّ “بنفس طريقته”، وبأن زوجته، النائبة ستريدا جعجع، هي ربما التي فعلتها. وستريدا جعجع تلي كلينك من حيث زخم التغطية الإعلامية. هي أيضاً كان لها من إقترعَ لها سراً. ومع ان زميلتها، النائبة جيلبرت زوين، المعروفة بـ”الخرساء”، قد وجدت، مثلها، من يصوِّت لها في الإقتراع، إلا ان أحد لم يحفل بها، أو بهذه الدعابة التي تخصّها. فيما نائبتان إضافيتان في البرلمان، بهية الحريري، المحجّبة المخضرمة، ونايلة تويني الشابة المبتدئة، لم نراهنّ تقريباً. والفرق، هو صورة ستريدا جعجع: “إطلالتها” بتايور أبيض، قدّر الإعلاميون بأنها كانت “صائبة” و”رائعة”. لماذا؟ لأن “هذا اللون يعكس ألقاً ويضيف وهجاً على وجهها وشعرها الأسود”. الإعجاب بصورة جعجع ذهب بها أولئك الإعلاميون بعيداً في السؤال عن القيّمين عليها. فنالوا أسماء مصمّمة زيّها “بقصّته الملوكية وأكمامه المفتوحة من الكتف، وقصّته التي تصل إلى الركبة مع حزام على الخصر”، ومصفّف شعرها، “بتسريحة كلاسيكية مع تمويج بسيط لأطراف الشعر”، فضلاً عن الماكيير “الذي اعتمد على الماكياج الناعم وأحمر الشفاه باللون الأحمر، الذي أكسبها أنوثة”. السيدة الأولى الجديدة، ناديا عون، زوجة الرئيس ميشال عون، إحتلت المرتبة الثالثة من الإهتمام. مع ان إعلام العهد الجديد، كما يحصل في غالبية البلدان، ينكبّ على السيدات الاول. إلا السيدة ناديا عون لا صورة لها، ولا “إطلالات”، والتغطية التي نالتها منحصرة بفضائلها، وغالبيتها أخلاقية: من انها لن تكون مثل السيدات الأول السابقات، اللواتي درجن على “إختراع” جمعيات وتمويلها من خزينة الدولة. هي الكاثوليكية من زحلة، تكره الأضواء، هي “الجندي المجهول”، “شريكة الحياة”، “القوة الصامتة”، صاحبة الذكاء الحاد والكلام القليل، سيدة بيت تسهر بنفسها على شؤونه وعلى شؤون بناتها وأحفادها. لا مقابلة ولا صور خاصة، بل تقشف، يلقي ضوءاً كاشفاً على غزارة الصورة المقابلة لكل من جعجع وكلينك. الأخيرة من بين السيدات كان يمكن ان تضجّ بها الدنيا أكثر من ذلك، لو صحّت توقعاتها، وصعد إلى رئاسة الجمهورية أحد المرشحَين اللذين تنبأت بفوزهما، أي جان عبيد وجان قهوجي. لم تشأ التعليق على فشل توقّعها، فلاذت في المستشفى، على أساس “وعْكة صحية”. لكن مواقع التواصل احتفلت بهذا الفشل على طريقتها، فصدّرت النكات والصور المركبة والإسكتشات… وكلها شامتة. أما هي، فبعد “تعافيها”، كان ردّها عنيفاً، إذ قالت، بعدما نفتْ الألوهية عن نفسها: “أنا لي جنوني في عقولكم، ولكن لن أسمح بجنونكم أن يلوِّث عقلي فأنا أعقل الجنون بعقلي من دون ان أقلدكم”. هذه الواقعة الإعلامية التي رافقت إنتخاب رئيس الجمهورية وتلته، تكشف شيئاً عن المجتمع اللبناني: أهمية الصورة عنده طبعاً، والصورة الحلوة الأنيقة. وإذا تنبّهنا إلى القسط الوافر الذي تلقته ميرام كلينك في هذه الواقعة، يمكن الإضافة ان على هذه الصورة أن تكون مغرية لتدخل سوق المنافسة الحقيقية بين الصور. ولكن، ثمة أمر أهم، يتعلق بطبيعة البنى الإجتماعية اللبنانية، القادرة على توليد حالات شديدة التنوّع، متناقضة، متنافسة غير متخاصمة، وتقرّ بتفوق “السوبر موديل” عليها. المؤكد ان النساء الأربع لا يعكسن كل هذا التنوّع، ومجرد المشاهدة اليومية لمختلف النماذج من النساء اللبنانيات، يعطي فكرة عن عياره وأوزانه. المهم ان هذا التنوّع على صعيد النساء لا تجد نظيراً له عند الرجال. ربما لأن هؤلاء مضطرون للإندماج في سوق واحد، اقتصادي أو سياسي، بمعاييره وعوالمه الواحدة؛ وهذه المعايير أقل تعدّداً من تلك التي تتمتّع بها النساء. ما يجعلهن مبدعات في اختراع أنفسهن، بفضل تكوينهن “عضوياً” على وقعْ العائلة والبيئة والحيّ والشارع وكافة التأثيرات الافتراضية المعروفة؛ وكلها غير موحَّدة المسارات والأذواق والأقدار، بل أكاد اقول انها متفجِّرة عنقودياً.

المصدر: المدن – دلال البزري