أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » عرس بلا زفّة.. شباب سورية يريدون “السترة”
عرس بلا زفّة.. شباب سورية يريدون "السترة"

عرس بلا زفّة.. شباب سورية يريدون “السترة”

في مدينة حلب في سورية، التي توصف بأنها أخطر مدينة في العالم، لم تتردد مجموعة من الشباب في إقامة عرس جماعي في الأحياء الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية. وقابل سوريون شريط الفيديو الذي بثّ على مواقع التواصل الاجتماعي لهؤلاء الشباب وهم يغنون ابتهاجاً، بترحاب شديد، ورأوا فيه تأكيداً على أن الحياة عند السوريين أقوى من الموت.

 

بدّلت الحرب كل شيء في سورية، وغيّرت طقوس الزواج لدى المواطنين. لم تعد تُقام الأفراح في الصالات، خشية أن تكون هدفاً لطائرات النظام التي لا تترد في قصف أي تجمع لإيقاع أكبر عدد من المدنيين. لذلك، يحرص السوريون على تقليص عدد المدعوين، ليقتصر الأمر على الدائرة الضيقة لعائلتَي العروسَين، بحسب ما يقول الناشط، شحود جدوع، القاطن في ريف إدلب الجنوبي. ويضيف: “لا زفات ولا حلقات دبكة ولا سهرات. ومع مغيب الشمس، ينتهي كل شيء”.

 

أيضاً، يشير جدوع إلى أن طلبات العروس تبدّلت بالكامل. على سبيل المثال، لم تعد تصرّ على بيت مستقل وأثاث جديد. تدرك أن هذه الأمور باتت شبه مستحيلة بعد مرور نحو خمس سنوات على حرب تكاد تأكل الأخضر واليابس. وأكثر ما تتمناه أن يكون بيت العريس في منطقة آمنة نسبياً، مع أثاث بسيط لا يكون منهكاً خلال الترحال والنزوح في حالات القصف.

 

وعن المهور، يشير شحود إلى أن الآباء باتوا يريدون “السترة”، ولا تتجاوز المهور 300 ألف ليرة سورية (نحو 600 دولار أميركي). كذلك، يوضح أن العروسَين يحرصان على الحدّ من إنجاب الأطفال لأسباب كثيرة، منها ارتفاع كلفة الاهتمام بهم، وغياب العناية الطبية بالأم والطفل، وعدم القدرة على الوصول إلى المراكز الطبية، التي تهتم بتلقيح الأطفال. يضيف: “تزداد نسبة الولادات المبكرة والإجهاض اللاإرادي بسبب خوف النساء من القصف المتواصل”. وفي مخيمات النزوح على الحدود السورية التركية، يشير شحود إلى أن أمور الزواج أفضل وأيسر، بسبب الأمان النسبي، والأمر لا يتطلب سوى خيمة ومهر بسيط.

 

وفي محافظة الرقة (شرق سورية)، التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” منذ نحو عامين، اختلفت أيضاً عادات السوريين في الزواج. لم تعد تقام حفلات الدبكة والغناء حتى ساعات متأخرة من الليل. ولا يأتي الناس من مناطق بعيدة للمشاركة في العرس وتهنئة العروسَين. يقول أبو محمود: “تبدّل كل شيء. لم يعد الناس يقيمون حفلات الزفاف احتراماً للدماء التي تسيل في سورية. ومن لديه رغبة في ذلك، يمنعه وجود التنظيم”.

 

زواج محاصر

 

منذ أكثر من عامين، بدأت قوات النظام بفرض حصار مطبق على مدن عديدة، خصوصاً في ريف دمشق، مما أدى إلى تغيير عميق في عادات السوريين الخاصة بالزواج. واختار عدد كبير من الشباب عدم الارتباط للحد من مسؤولياتهم، خصوصاً أن الأزمة تطال الجميع، الأمر الذي يؤكده الناشط أحمد البيانوني، الموجود داخل مدينة التل (شمال دمشق) المحاصرة. ويقول لـ “العربي الجديد” إن “هجرة الشباب والفقر والحصار وعدم توفر فرص عمل والتهديد اليومي، جميعها عوامل أدت إلى تراجع نسبة الزواج في المدينة إلى حد كبير”. ويشير إلى مقتل واعتقال عدد كبير من شبان المدينة، مما أدى إلى ارتفاع نسبة العنوسة وزيادة نسبة النساء في مقابل الرجال مع أكثر من خمسة أضعاف.

 

ويوضح البيانوني أن طقوس الزواج تغيرت بشكل شبه كامل في المدن المحاصرة، لافتاً إلى غياب الحفلات والولائم للمدعوّين. ويلفت إلى أن المهور تصل أحياناً إلى 250 ألف ليرة سورية (ما يعادل 500 دولار أميركي)، مؤكداً أن تفكير الناس منصبّ في هذه الأيام على كيفية إنهاء حصار النظام على المدينة، والتخلص من هذا الكابوس أكثر من التفكير في الزواج.

 

“نقوط”

 

وإلى محافظة الحسكة، التي يتنازع السيطرة عليها كل من النظام و “داعش” والوحدات الكردية، اختفت الطقوس القديمة المتعارف عليها في الخطبة والزواج. يقول الصحافي، عدنان سلطان، إنه “قبل بدء الثورة، كانت أحوال أكثر الناس الاقتصادية جيدة. وكانت هناك طقوس معتمدة، تبدأ من التقدم للخطبة، فيأتي العريس وأهله ووجهاء العائلة (الجاهة)، ويتفق الحاضرون على بعض الشروط، خصوصاً أنه يترتب على العريس التزامات مادية كبيرة تبدأ بالمهر والهدايا ومقدار محدد من الذهب. من ثم، تقام حفلة يدعى إليها المقربون من أهل العروسَين. وفي وقت لاحق، يحضّر للزواج من خلال شراء أثاث كامل واحتياجات العروسَين، وتقام الولائم للمدعوين.

 

وفي صباح اليوم التالي، تقدم العروس بعض الهدايا، فيما يحصل العروسان على “نقوط”، وهي عبارة عن مبالغ مالية لمساعدة العريس. لكن الأمور اختلفت اليوم. يقول سلطان: “تقلصت هذه العادات نتيجة لما تشهده المنطقة من ظروف معيشية واقتصادية صعبة، وهجرة نسبة عالية من الشباب. وبات الزواج يقتصر على المقربين ويُكتفى بحفلة صغيرة في البيت، واختصار ما كان يُقدّم للضيوف ببعض الحلوى. وتشتري العروس ما تحتاجه فقط”. ويشير إلى أن الآباء باتوا يتجنبون طلب مهور مرتفعة نتيجة الأوضاع المادية الصعبة”.

 

ما زالت العاصمة دمشق خاضعة لسيطرة النظام. وعلى الرغم من التعديلات الجوهرية التي طرأت على طقوس الخطبة والزواج، إلا أن أم طارق تشير إلى أن الحفلات التي تُقام في الصالات العامة تقلصت إلى درجة كبيرة، وباتت تُقام نهاراً. وتلفت إلى أن مستوى المهور تدنى، خصوصاً بين الفقراء، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة. وتوضح أن متطلبات العروس من ذهب وهدايا وملابس باتت أيضاً في حدودها الدنيا. وتقول أم طارق، التي تقطن في دمشق، إن نسبة الزواج تراجعت كثيراً بسبب هجرة الشبان الكبيرة، خصوصاً في الآونة الأخيرة. وقد فرّ كثيرون كي لا يُساقوا إلى الخدمة العسكرية والاحتياط. من جهة أخرى، تذكر أن نسبة الطلاق ارتفعت إلى حد كبير، مشيرة إلى أن المحاكم الشرعية تكاد تغصّ بالقضايا المتعلقة بالطلاق.

المصدر: العربي الجديد – أمين محمد

تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع