أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » “قررن البقاء في حلب”.. نساء رفضن الرحيل وفضلن خدمة من تبقى في الداخل
"قررن البقاء في حلب".. نساء رفضن الرحيل وفضلن خدمة من تبقى في الداخل

“قررن البقاء في حلب”.. نساء رفضن الرحيل وفضلن خدمة من تبقى في الداخل

“بقيت في حلب لأنها مسؤوليتنا جميعاً، لابد أن يضحي طرف مقابل الآخر، وأن يبقى بعضنا لخدمة الناس التي قررت البقاء، ولست نادمة على بقائي رغم ظروف القصف والحصار، أريد أن يرى أطفالي المرارة التي نعيش، والدماء التي تكلفناها في سبيل الثورة وحلب، كي يعرفوا قيمة مدينتهم ولا يفرطوا بها مستقبلاً”.

هن نساء آثرن البقاء في الأحياء الشرقية الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في حلب، إذ لا يقل الدور الذي يؤدينه شأناً عن دور الرجل، في مدينة تعاني أقسى أشكال القتل والتدمير والحصار، من قبل قوات نظام الأسد والميليشيات الأجنبية وروسيا.

هافينغتون بوست يقدم في هذا التقرير نماذج من نساء قررن البقاء في حلب، رغم القصف والخطر

الدعم النفسي لـ “فاقدي المعيل”

تولّد ظروف الحرب والقصف والحصار مشاكل نفسية كبيرة، تتجلى بشكل أوضح عند فئة الأرامل والأطفال، التي فقدت معيلها، ما يجعلها بحاجة إلى حملات الدعم النفسي، التي كان للمرأة دور أساسي فيها.

وتعمل سارة عواد، أخصائية نفسية، في مجال الدعم النفسي بمركز “غراس” لرعاية الطفل وتنميته، ومركز “دارنا” الاجتماعي، في الأحياء الشرقية بحلب، وأكدت استجابة العديد من الحالات للعلاج، مضيفة أنها تقوم “بمشاركة الحالات المستجيبة للعلاج في أنشطة دعم نفسي وحملات توعية للتأكد من الإفادة التامة للطفل أو الأرملة”.

وأوضحت عواد أن الدعم المقدم للأرامل أو الأطفال الأيتام، يشمل المادي إلى جانب المعنوي، “عبر إجراء لقاء ودي أو محاضرة خفيفة نتبادل فيها الآراء والنقاشات، ونبث من خلالها علامات التفكير الإيجابي”، كما تقدم للأطفال مبادىء الإسعاف النفسي وأنشطة الدعم، مع التركيز على إعادة التفكير الممنهج الخاص بكل طفل، بسبب “ظهور بعض الحالات كتمرد الذكر على سبيل المثال لإحساسه بأنه أصبح المعيل بدلاً من الأب”.

ووفقاً لإحصائية المجلس المحلي لمدينة حلب، يبلغ عدد سكان الأحياء الشرقية المحاصرة في حلب 326,340 ألف نسمة، بينهم 155,048 ألف امرأة.

الهندسة والمعلوماتية

أما أم محمد، وهي مهندسة مدنية وأم لطفل واحد، فشاركت منذ بداية الحراك الثوري ضد نظام الأسد عام 2011، بالمظاهرات السلمية ومساعدة النازحين، قبل أن تنتقل للعمل كمتطوعة في إحدى المشافي الميدانية، بعد دخول “الجيش الحر” وسيطرته على الأحياء الشرقية في حلب.

واضطرت بعد ذلك إلى السفر مع أهلها خارج المدينة لفترة من الزمن، ثم انتهزت أول فرصة للعودة، وبدأت العمل في مجال اختصاصها كمهندسة، في تقدير أضرار المنشآت والأبنية إثر القصف، ضمن منظمة المهندسين السوريين للإعمار والتنمية.

انتقلت أم محمد بعدها إلى تعليم النساء الأعمال اليدوية في الجوامع، لمدة عامين، وأوضحت أنها كانت تهدف إلى تعليمهن صنع ملابسهن بأيديهن، فالبضائع “كانت مفقودة في تلك الفترة، وإن وجدت فبأسعار غالية جداً، فحاولتُ أن أحقق لهن الاكتفاء الذاتي”.

وتعمل حالياً كمديرة لمركز “مساحتي” ((MY Space Center النسائي، لتعليم مبادىء المعلوماتية والإنترنت، وأشارت إلى أن المركز ساعد في تحسين المستوى العلمي والثقافي للنساء، وحتى الاجتماعي، إلى جانب تحسين معنوياتهن، خاصة في ظل الحصار والظروف المادية الصعبة، “لقد كنا عوناً لبعض، وكالعائلة الواحدة في مواجهة التحديات”.

المركز قدّم أيضاً إلى جانب مبادىء المعلوماتية، دورات للغات، وأخرى لمحو الأمية، خاصة للنساء والأطفال الذين لم تسمح لهم الظروف بالالتحاق بالمدارس، كما ضمّ قسم “روضة أطفال” لاحتواء الأولاد المرافقين لأمهاتهم، وتخفيف الضغط عنهن.

التطوع الطبي

تطوعت العديد من النساء للعمل في المشافي الميدانية بحلب، مع بداية دخول “الجيش الحر” إلى الأحياء الشرقية في تموز 2012، وبدء حملة القصف العنيفة عليها، وما تبعها من ورود إصابات بأعداد ضخمة إلى المشافي، وتصف ربا، وهي إحدى المتطوعات، هذا العمل بـ “الشاق جداً” كونه يرتبط بأرواح الناس.

وتزوجت ربا من ناشط صيدلاني في إحدى المشافي الميدانية التي يعملان بها في حلب، واستمرا بالعمل في ذات المشفى، وأنجبا طفلتهما مريم، التي تحضر معهما إلى العمل باستمرار، ورغم أنها مهندسة إلا أنها تطوعت في المجال الطبي، كحال الكثير من النساء، لأنه مجال “إنساني” بالدرجة الأولى، على حد قولها.

لم تخضع ربا وصديقاتها لدورات إسعاف خاصة عند التحاقهن بأول المشافي الميدانية في الأحياء الشرقية، وتضيف “كنا نعمل ونتدرب على يد الطبيب، يعلمنا المبادىء الأولية للإسعافات ويدخلنا إلى العمليات الجراحية أيضاً، فكانت بمثابة تدريبات عملية فقط تحت إشراف الطبيب”، لكن الأمر تطور لاحقاً إلى دورات نظامية ومعاهد للتمريض، تعطى من خلالها شهادات خاصة.

وتعمل ربا أيضاً كمشرفة في مركز الرعاية الصحية للأم والطفل ورعاية سوء التغذية، الذي يُعنى بمتابعة الحالة الصحية للحوامل والمرضعات والأطفال، ومستويات التغذية لديهم، خاصة أن هذه الفئات هي الأكثر عرضة للأمراض في زمن الحروب ونقص الغذاء، “لدينا قياسات خاصة لتقييم سوء التغذية، وإن ثبت وجوده نحاول تأمين المتممات الغذائية، والحليب بالنسبة للأطفال”.

مبادرات لدعم الأطفال

وتحاول عفراء هاشم، معلّمة وأم لثلاثة أطفال، من خلال عملها في فريق “أحمر” التطوعي، رسم الابتسامة والأمل على وجوه الأطفال، عبر إطلاق مبادرات متنوعة وحملات دعم نفسي، تتضمن الرسم والغناء وأنشطة أخرى.

وتوضح هاشم أنهن قمن باستغلال الهدنة، وتعليق الضربات الجوية الروسية على أحياء المدينة، الذي بدأ نهاية الشهر الماضي، وخرجن إلى الشوارع مع الأطفال “نلون ونرسم على الحيطان المدمرة، ونعيد تدوير الأشياء التي كانت تقتلنا كالصواريخ، عبر تحويلها إلى أشياء جميلة بعد أن يقوم الأطفال بتلوينها بأنفسهم بالطريقة التي يريدون، نريد أن يرى العالم أننا شعب صامد”.

ومن خلال عملها كمعلمة في إحدى مدارس الأحياء المحاصرة، إلى جانب دورها التطوعي في فريق “أحمر”، أكدت هاشم أن المدرسة لجأت إلى خطة “طوارىء” خلال فترة الحصار، بهدف تنفيس الضغوطات التي تولدت عند الأطفال، “لم يعد هدفنا التعليم فقط، بل ركزنا بنسبة 50% على الجانب الترفيهي، كالتعليم عن طريق اللعب والأنشطة المختلفة، لمنع أي إرهاق إضافي، خاصة أنهم لا يتناولون الطعام بالشكل الطبيعي بسبب الحصار”.

وواصلت المدارس عملها طوال مدة الحصار، المستمرة منذ أكثر من 3 أشهر، إلا أنها كانت تغلق فترات القصف العنيف، لا سيما مع استخدام الطيران الروسي للقنابل “الارتجاجية” ذات القوة التدميرية المضاعفة مؤخراً، واستهدافه المتعمد للمشافي ومراكز الدفاع المدني والمراكز الحيوية الأخرى في المدينة.

المصدر: هافينغتون بوست عربي –

تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع