أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » حمزة رستناوي: مقاربة حيويَّة… للثورة/ الحرب السورية
394

حمزة رستناوي: مقاربة حيويَّة… للثورة/ الحرب السورية

سنحاول وضع تعريف كاف وصالح و ليس بالضرورة أن يكون وافيا للثورة في الحقل السياسي , و سنقترح التعريف التالي ( تغيير حاد و كبير في النظام السياسي لمجتمع , تغيير ناتج عن ضغط اجتماعي و شعبي واسع ) ليس المقصود هنا الوصول الى تعريف جامع مانع للثورة, و لكن التعريف السابق يعرض لعناصر تميز التغيير السياسي الذي نصفة عادة بالثورة, و هذا لا يعطي قيمة اخلاقية لمصطلح الثورة, فهناك ثورات تحررية و هناك ثورات فاشيّة و هناك ثورات ناجحة مثلما هناك ثورات فاشلة ..الخ و المقاربة السابقة تنفي وجود جوهر ثابت للثورات ,و تسعى لنزع القداسة أو النجاسة عنها, و بهذا المعيار نصف ما يجري في سوريا منذ آذار 2011 بالثورة اعتمادا على: أولا- امتداد الثورة / الحرب على كامل جغرافيا الدولة السورية من درعا الى حلب و من القامشلي الى اللاذقية.
ثانيا- تغير جسيم في حال المجتمع السوري سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا لا بل و ديمغرافيا بما يشمل مئات آلاف القتلى و مئات آلاف المعتقلين و ملايين المُهجّرين داخليا و مثلهم خارج الحدود , و تدمير مدن و حواضر سورية كثيرة و تدهور اقتصادي مريع, حيث فقدت الليرة السورية ما يقارب ال90 بالمئة من قيمتها الشرائية .
ثالثا- تغير جسيم في حال السلطة السورية و فقدانها السيطرة على مناطق واسعة من الجغرافيا السورية و نحن مازلنا في العام الخامس للثورة, و ظهور كيان سياسي كردي في الشمال السوري لا يعترف بالسلطة السورية, و اعتماد السلطة السورية المتزايد على ايران كحليف اقليمي و مليشيات لبنانية و عراقية غير منضوية تحت تراتبية الجيش السوري, اضافة الى التدخل العسكري الروسي المباشر في الحرب السورية.
الثورة السورية في عامها الخامس لم تستطع الاطاحة بالسلطة السورية و من ثمّ القيام بمصالح الحكم, و لا يبدو ذلك قريبا أو متوقعا حتّى في المدى المتوسط, و لم تنجح في ايجاد الحدّ الأدنى من التنظيم و الادارة السياسية بما يؤهلها لتكون بديلا للنظام و لو في الاماكن الخاضعة لسيطرتها, كلّ هذا يجعنا نصنّفها في خانة الثورات الفاشلة أو تحت مُسمى الاشكال السياسية المتغيّر الوصف, و هذا ما يبرر لنا استخدام مصطلح الثورة/ الحرب السورية, مع ظهور حالة الاصطفاف الطائفي و القومي بالإضافة الى حروب إقليمية بالوكالة, و تنامي اجندات سياسية غير ملتزمة و عابرة للوطنية السورية أساسا ممثّلة بالسلفية الجهادية و طابعها الأممي العابر للحدود.

أوّلا- الثورة السورية شكل.
الكون شكل بدلالة معماريّته المضادة للجوهر الثابت [1] الثورة السورية شكل , فهي طريقة تشكّل لأبعاد وجودها المختلفة التي هي نفسها أبعاد المجتمع السوري , الثورة السورية هي صيغة مُحدّدة للثورة , و طريقة مُتعيّنة للعمل السياسي الثوري, و لا يوجد جوهر ثابت للثورة , و سواء أكان جوهرا شريفا أو جوهرا وضيعا , و سواء أكان جوهرا وطنيّا أو خائنا , فالجوهر مقولة منافية للبرهان, و لا يوجد جوهر عقائدي ديني للثورة السورية لكون العقائد الدينية و غير الدينية هي بدورها أشكالا وصيغا عقائدية, كما لا يوجد جوهر تحرّري للثورة , فالتحرر شكل و العبودية شكل , و التحرر مشروط بأبعاد الكينونة الاجتماعية الثائرة و امكاناتها . و كذلك لا يوجد جوهر فلاحي ريفي للثورة السورية لكون الريفية و البداوة و المدينية هي بدورها أشكالا و صيغا اجتماعية و اقتصادية متغيرة و متفاعلة و مشروطة بأبعاد الكينونة الاجتماعية الثائرة و امكاناتها, و كذلك لا وجود لجوهر سلميّ أو عنفي أو ارهابي للثورة السورية , لكون السلمية و العنف و الارهاب هي بدورها أشكالا وصيغا نفسية سلوكية اجتماعية سياسية متغيرة و متفاعلة و مشروطة بأبعاد الكينونة الاجتماعية الثائرة و امكاناتها. الثورات تتماثل في كونها أشكالا سياسية و لكنّها تختلف في طريقة تشكّلها, و لا وجود لثورتين متطابقتين , فثورات الربيع/ الخريف العربي تتماثل في كونها أشكالا , و لكنها تختلف في سياقاتها و شروطها و ظهورها و مساراتها و مآلاتها, و لا يوجد نمط واحد أو نموذج واحد للثورات عبر التاريخ و كثير من اللغط الذي صاحب الثورة السورية كان بسبب قياسها تعسّفيا الى نماذج الثورات الكلاسيكية عالميا كالثورة الفرنسية و الثورة البلشفية..

ثانيا- الثورة السورية شكل حركي الشكل حركة بدلالة فرق الجهد المُحرك و المُتحرِّك بآن واحد [2] لا وجود لثورة ثابتة ساكنة , فالثورة السورية تخضع لفعل الزمن و تأثيره في كلّ لحظة ,ما نراه سكونا إنما هو شكل حركي ولكن وفق صيغة و بحساسيّة معيّنة , فالثورة السورية في مسار حركتها يتغير شكلها فهي تؤثر و تتأثر ببعد الزمن و صيرورة التاريخ, فمثلا لقد كانت الثورة السورية محرّكا لتغيّر في سياسات المجتمع الدولي و خارطة القوى الكبرى, و لكنّ أيضا تغير سياسات القوى الكبرى أدّى لإحداث تغيرات في صيرورة الثورة السورية, بالتأكيد يمكن تحقيب الثورة/ الحرب السورية اعتمادا على مناظير و معايير مختلفة , حيث وفقا لياسين الحاج صالح في مقاله : الثورة، السلفية، الإمبريالية: ثلاثة أطوار في خمس سنوات [3] يمكن التمييز ما بين ثلاث مراحل مرّتْ بها الثورة/ الحرب السورية, اعتمادا على طبيعة القوى الصاعدة و الفاعلة الجديدة هي: 1- الثورة: تمتدُ مرحلة الثورة نحو عامين، بين آذار 2011 وحتى مطلع 2013. حيث وجد أرخبيل من قوى شعبية ضعيفة التنظيم يواجه حكم السلالة الأسدية, تنقسم هذه المرحلة الى طور السلمية و طور العسكرة , و لكن ما كان يجمعهما وجود طابعٌ وطنيٌ شعبي، من المظاهرات و التنسيقيات و الانشقاقات , و قد أخذَ هذا الطابع الشعبي الوطني يتراجع في النصف الثاني من 2102 مع اغتيال «خلية الأزمة» في 18 تموز 2012 والتي تصلح كنقطةً اصطلاحية لبدء الانهيار المتسارع للإطار الوطني. 2- السلفية: أو الأسلمة ، وتمتد بين مطلع 2013 وحتى أيلول 2014، وقت بدء الحرب الأميركية الدولية على داعش، والفاعل الصاعد فيها قوىً إسلامية سنية سلفية متنوعة، قضيتها هي عقيدتها الدينية السياسية.
3- الإمبريالية: أو التدويل المباشر الشامل، والفاعل الصاعد فيها قوى اقليمية و دولية متنوعة, آخرها روسيا التي تدخّلتْ بجهد عسكري مُنظّم واسع ومباشر.
كما ذكرنا أعلاه لا وجود لكائن ثابت لا يتغير بما يشمل الثورة / الحرب السورية , من حيث أنّها صيرورة حركية متغيرة , و من المقاربات الخاطئة للثورة / الحرب السورية هو تجميدها في مقطع زمني ثابت, فمن الشائع في الخطابات السياسية الموالية للثورة تجميدها في مرحلة السلمية أو الثورية الرومانسية , و حذف كل ما جرى بعدها من أسلمة وعنف ثوري بما قد يشمل أعمال ارهابية. ومن الشائع في الخطابات المناهضة للثورة كذلك , حذف المرحلة السلمية و حذف الطابع الوطني الجامع لها في البدايات و التركيز على داعش وجبهة النصرة .

ثالثا- الثورة السورية شكل احتوائي
كل كائن هو شكل احتوائيّ متعدد الأبعاد , وإن بدا فارغا , حيث لا يوجد كائن بدون أبعاد , أو كائن أحادي البعد [4] الثورة السورية تتحوّى أشكالا سياسية و عسكرية و عقائدية فئوية.. مختلفة, و هي أيضا مُحتوة في أشكال سياسية وعسكرية و عقائدية فئوية.. مختلفة, فالثورة السورية – و كل ثورة- هي محصِّلة لتحوّيات متعدِّدة المستويات و الأبعاد , تتحوّى بعضها بعضا, بحسب صلاحيات كل منها تجاه نفسها و غيرها, فالثورة السوريّة هي شكل ثوري خاص, تتحوّى بدرها أبعاد الشكل الثوري العام .
لا يوجد ثورة فارغة بدون أبعاد أو دلالات أو معانى, كما لا يوجد ثورة أحاديّة البعد , فالثورة السورية على سبيل المثال ليستْ بثورة عقائدية دينية, و لا يمكن وصفها بالثورة السنّية , رغم كون البعد العقائدي الديني هو أحد ابعادها, و من هنا تبدو مغالطات مقاربة الثورة السورية من منظور عقائدي شمولي, و تصويرها كصراع سنّي شيعي أو ديني علماني أو كصراع الكفر مع الايمان.. الخ. و الثورة السورية كذلك ليستْ بثورة اقتصادية طبقية , و لا يمكن وصفها بثورة الفقراء, رغم حضور البعد الاقتصادي فيها , و من هنا يبدو قصور المقاربة الماركسية للثورة السورية و تقديمها كصراع طبقي ما بين السلطة البرجوازية و البروليتاريا ممثّلة بالشعب السوري, و مثاله ما نجده في النص التالي لسلامة كيلة “الرأسمالية تحبّ الموت البطيء لمن تنهبهم، وتحب أن تنهب من دون ضجيج, لهذا، تقول بوضوح إن من يثور فمصيره هو مصير السوريين، القتل أو الاعتقال الوحشي أو التهجير. هذا هو المثال الذي عملت الرأسمالية، بمختلف تلاوينها و تناقضاتها، على تحقيقه في سورية بالتحديد[ 5] –
رابعا- الثورة السورية شكل احتمالي
الشكل صيرورة احتمالية, بدلالة تنوع ابجدية التكون, و الاتساق بإرادة الحياة [6]كل كائن هو شكل احتمالي و إن بدا حتميَّا, من حيث أنّ كل كائن هو متعدد المسارات و القيم, و بناء عليه فإنّ الثورة السورية شكل احتمالي , و كونها احتمالية فهذا لا يتنافى مع الصيغة القانونية التي تضبط هذه الاحتمالية, إنما يتنافى مع الحتمية الغائية الفلسفية أو العقائدية التي تفسّر حركيّة الثورات والمجتمع و الكون بناء على العلّة الغائية , فالشكل الحركي للثورة السورية – و كل ثورة – يأخذ في مساره صيغاً احتماليَّة تتأثّر بظروف داخلية وخارجية متعددة و معقّدة , فقيام الثورة السورية لم يكن حتميّا, بل هو احتمال مُحرّض بأسباب و عوامل متعددة داخلية و خارجية منها ظهور موجة ثورات الربيع العربي , ومنها طريقة تعامل السلطة السورية مطالب المحتجّين ..و منها تقديرات خاطئة لإمكانات و قوة السلطة السورية…الخ وكثير من الانظمة العسكرتارية الشمولية المشابهة للنظام السوري لم تقم الى تاريخه ثورات شعبيّة ضدّها ككوريا الشمالية و كوبا ..و لم تلق نداءات الثورة في بلدان عربية كالسعودية و المغرب و الجزائر آذان صاغية على سبيل المثال للحصر. ومثلما أنّ قيام الثورة السورية لم يكن حتميا كذلك نجاحها في اسقاط السلطة السورية أو فشلها في ذلك ليس حتميا, إنّ التصريح باحتمالية فشل الثورة السورية في أثناء فترة مدّها و في المجتمعات الموالية للثورة كان يعتبر نوعا من الكفر بالثورة و جريمة بحقّ شهدائها , و هذا مفهوم جدّا من جهة أن الايمان بانتصار الثورة هو من أسباب انتصارها, وبالمقابل فإن التصريح باحتمالية نجاح الثورة السورية في أثناء فترة مدها و في المجتمعات الموالية للسلطة كان يعتبر نوعا من الخيانة و جريمة لا تغتفر, لا بل إنّ التلفظ بكلمة ثورة كان سببا كافيا للاعتقال بما قد ينتهي بالموت تحت التعذيب! و لكنّ الانكار الكلامي و النفسي للشيء لا يعني بالضرورة عدم حدوثه! وينبغي أن لا ننسى وجود احتمالات و مسارات كثيرة في صيرورة الثورات, و ليست الحروب الاهلية ,أو الغزو الخارجي, أو تقسيم الدولة, أو الدولة الفاشلة, أو اخماد الثورة مع ازدياد سطوة السلطة مقارنة بالسابق, أو نجاح الثورة في التأسيس لنظام حكم وطني ديمقراطي

خامسا- الثورة السورية شكل نسبي
الشكل صيرورة نسبية , بدلالة الجملة التي يقترن بها و يتحوّل بدلالتها [7] كل كائن هو شكل نسبي, و إن بدا مطلقا, من حيث أنّهُ متعدد المنظور و الخصوصيات , و هو نسبي بدلالة الجملة التي يقترن بها ,و يتحوّل بدلالتها .و بناء عليه, لكلّ ثورة شكل خاصّ يختلف في تاريخه وحيويته عن شكل ثورة أخرى , فالثورة شكل نسبي حيث أن الشكل الثوري يوجد في صيغة ثورة محدّد, و ضمن شروط محدّدة , وليس ثمّةَ مقاييس مطلقة للثورات ,بل يوجد مقاييس متباينة متعددة تبعاً للمُقاييس و جملة المقارنة.
ان نسبية الثورة – أي ثورة- هو شرط لكونه مُحكم تجريبيا ,وليس في ذلك تقليلا من قيمة الثورة , و لكون الثورة شكل حركي احتوائي احتمالي فهو نسبي بالضرورة, حيث لكل معادلة ظروفها ودلالتها وقيمها التي تتحوّل بدلالتها.
سادسا- حاولنا فيما سبق تقديم مقاربة للثورة / الحرب السورية استنادا الى نظرية المنطق الحيوي – المكتشفة من قبل المفكر السوري د. رائق النقري 1967- و المبادئ الخمسة للقانون الحيوي الشكل- الحركية- الاحتوائية- الاحتمالية – النسبية. قد لا تقدّم المقاربة السابقة – في هذا المستوى- جديدا أو تجديدا بيّنا للقارئ المُطّلع العالم , و لكنها مفيدا من جهة كشف المغالطات التي تعرضها المقاربات الأحادية البعد المؤدلجة أو المقاربات التبسيطية الشائعة للحدث السوري, و بما قد يسهم في زيادة تفهّم الثورة السورية و تعقيداتها و قنونتها في رؤية حيوية كونية شاملة…لا تدّعي وجود جوهر ثابتْ أو استثناء لأي حدث كائن أو ثورة.

سابعا- الهوامش
[1] المنطق الحيوي عقل العقل , رائق النقري,1987, باريس , ج2, ص 341
[2] المنطق الحيوي عقل العقل, مرجع سابق, ص 407
[3] الثورة، السلفية، الإمبريالية: ثلاثة أطوار في خمس سنوات, ياسين الحاج صالح ,موقع الجمهورية, 30- ديسمبر -2015 . الرابط:
, http://aljumhuriya.net/34256
[4] موقع مدرسة دمشق للمنطق الحيوي و الحوار, عنوان الرابط : رائق النقري: الموت الفردي سر الحياة , مقاومة أشكال الموت أجمل وأعظم ما في الحياة ! تاريخ 23-7- 2014
اhttps://damascusschool.wordpress.com/2014/07/23
[5] الحرب ضد الثورة : سوريا مثالا, سلامة كيلة, موقع كلمتي, تاريخ 3 ديسمبر 2015, الرابط
http://klmty.net/457422
[6] المنطق الحيوي: عقل العقل, مرجع سابق, ص 533
[7] المنطق الحيوي: عقل العقل, مرجع سابق , ص 607

المصدر: جيرون