أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عبد الحميد صيام : الثغرات الأساسية في الديمقراطية الأمريكية
عبد الحميد صيام : الثغرات الأساسية في الديمقراطية الأمريكية

عبد الحميد صيام : الثغرات الأساسية في الديمقراطية الأمريكية

 زار العالم الفرنسي اليكسس دو توكفيل الولايات المتحدة عام 1831 مبعوثا من الحكومة الفرنسية لدراسة نظام السجون. وبعد إنجازه وزمليه غوساتف بومونت التقرير، كتب توكفيل كتابا مشهورا تحت عنوان «الديمقراطية في أمريكا» نشر عام 1834. ما زال هذا الكتاب يعتبر مرجعية مهمة في دراسة الديمقراطية الأمريكية التي انبهر بها توكفيل ووجد أنها تفوق نظيراتها الأوروبية لعدة أسباب أهمها غياب الأرستقراطية واتساع حجم الطبقة الوسطى والمساواة في التعليم وحرية الأديان والحق في دخول المجمعات الكنسية لأي إنسان وإلغاء حق الوراثة للبنت أو الولد البكر. لكن لم يخطر ببال توكفيل أن يشرح المجتمع الأمريكي من الناحية الاجتماعية ليرى منظومة العبودية التي كانت قائمة في البلاد وتعتبر العصب الرئيسي للاقتصاد الزراعي وخاصة في الولايات الجنوبية.

 

لقد كانت الانتخابات الأمريكية مقصورة على الرجل الأبيض دون النساء وملاك الأراضي حتى يحرم السود الذين كانوا يصنفون عبيدا لدى السيد الأبيض، وكذلك السكان الأصليون. واستمرت عملية التصحيح والتطوير للديمقراطية الأمريكية أكثر من قرنين من الزمان. فقد منحت المرأة حق التصويت فقط عام 1921 بعد موجة احتجاجات عارمة قادتها النساء بعد مشاركتهن في الحرب العالمية الأولى. وقد رفعن شعارات من مثل كيف نكون مؤهلات للمشاركة في حرب كونية وغير مؤهلات أن ندلي بأصواتنا في صناديق الاقتراع. أما الأقلية السوداء من ذوي الأصول الأفريقية فلم تشارك بشكل شامل في الانتخابات إلا بعد أن أن وقع الرئيس لندن جونسون في 6 اب/أغسطس عام 1965 «قانون الحق في الانتخابات» في خضم الانتخابات في ما سمي «حركة الحقوق المدنية» التي أطلقها قادة السود في البلاد من أمثال مارتن لوثر كنغ ومالكوم أكس، لتكون انتخابات عام 1968 هي أول انتخابات أمريكية شاملة لا يستثنى منها أحد بناء على لون أو دين أو جنس أو عقيدة أو أصول أو وضع اجتماعي.

 

لكن الديمقراطية الأمريكية قدمت كذلك سابقة للعالم لم تكن موجودة حتى في بريطانيا وهي تحديد دورات الرئيس بدورتين طوعا ولم يشذ عن هذا إلا فرانكلين روزفلت (1933-1945) الذي انتخب للمرة الرابعة بعد أن أنقذ البلاد من الانهيار الاقتصادي العظيم ومات في السنة الأولى من دورته الرابعة ثم اعتمد بعد ذلك مبدأ الدورتين كقانون. فقد ركب جورج واشنطن حصانه بعد انتهاء الدورتين (1789-1797) وقال «انتهى» وعاد إلى بيته في ماونت فيرنون في فرجينيا، وبقي إنسانا عاديا إلى أن مات في 14 كانون الاول/ديسمبر 1799.

 

ومن مزايا الديمقراطية الأمريكية أنها فتحت المجال لشخص أسود متحدر من أصول أفريقية مثل أوباما وممثل فاشل مثل ريغان وصاحب مزارع الفستق مثل كارتر أن يصلوا البيت الأبيض. فالديقراطية الأمريكية والضوابط والاضافات والتعديلات الدستورية المتلاحقة ما فتئت تحسن هذا النظام قدر الامكان عل مدى240 سنة.

 

وسنحاول في هذا المقال أن ننظر إلى مثالب النظام الديمقراطي بطبعته الأمريكية رغم أن النظام استطاع أن يتجاوز كثيرا من العقبات ويوحد 50 ولاية ويحافظ على هذه الوحدة في وقت تستطيع كل ولاية أن تكون دولة مستقلة وقوية في نفس الوقت. فمثلا لو استقلت كاليفورنيا لكانت الدولة السادسة في العالم من حيث القوة الاقتصادية.

 

أولا- المجمعات الانتخابية

 

للمرة الخامسة في تاريخ الولايات المتحدة يتفوق أحد المرشحين بعدد أصوات الناخبين ويخسر الانتخابات بسبب النظام الانتخابي الذي يطلق عليه «المجمع الانتخابي». وقد حدث الشيء نفسه عام 2000 عندما ربح آل غور الأصوات الشعبية وخسر الانتخابات.

 

والمجمع الانتخابي نظام أقره المؤتمر الدستوري للولايات الثلاثة عشرة عام 1787 التي أسست الاتحاد. الذي أعطى كل ولاية عددا من الأصوات حسب العدد السكاني يساوي عدد أعضاء ممثلي الولاية في الكونغرس. وهؤلاء ينتظرون نتائج التصويت داخل الولاية فمن يفوز بها ولو بصوت واحد يعطي المجمع الانتخابي الفائز كافة الأصوات. وأقر هذا النظام لسببين أولا لأن الولايات الصغيرة كانت تخشى من ضياع أصواتها وعدم تأثيرها على مجمل العملية الانتخابية. وثانيا كان المجتمع الأمريكي آنذاك بغالبيته من المزارعين الذين لا يعرفون كثيرا خارج حدود مناطقهم ومعظمهم من الأميين. فكانت فكرة وجود مجمع انتخابي من قادة الولاية ومفكريها وكتابها والذين خدموا في سلك الدولة ومعارفهم واسعة لا بد أن تكون قراراتهم أقرب إلى الصواب. انهم أقرب إلى المفهوم الإسلامي «أصحاب الحل والعقد» لكنهم في النهاية محكومون بنتائج انتخابات ولاياتهم فلا يتصرفون على عاتقهم.

 

والنتيجة أن الشعب الأمريكي ينتخب الرئيس بشكل غير مباشر. إذ ان كل ولاية تنتخب الرئيس ونائبه على حدة ثم تقدم النتائج النهائية للمجمع الانتخابي الذي يقرر أن يمنح أصواته بالاجماع للثنائي الفائز بغض النظر عن النسب ما عدا ولايتين رفضتا هذا النظام وأصرتا على التوزيع النسبي للأصوات وهما مين ونبراسكا. وعندما يحصل المرشح الرئاسي على 270 صوتا من مجموع 538 يفوز بالرئاسة. وان حصل وتعادل الاثنان عند عدد 268 لكل منهما يقوم مجلس النواب بانتخاب الرئيس ومجلس الشيوخ بانتخاب نائب الرئيس.

 

ثانيا- نظام الحزبين

 

قد تكون الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تتبع النظام الرئاسي وليس البرلماني ولا يوجد بها إلا حزبان رئيسيان يدخلان المنافسة في أي انتخابات وعلى أي مستوى ولا يكاد يصل أحد إلى البيت الأبيض أو مجلس الشيوخ أو حكام الولايات أو رؤساء البلديات إلا إذا كان منتميا لأحد الحزبين. في الحالة البريطانية والاسترالية مثلا رغم وجود حزبين أساسيين إلا أن النظام البرلماني يسمح لمرشحي الأحزاب الأخرى بالمشاركة في البرلمان حسب نسبة الأصوات التي يحصل عليها في الانتخابات الشعبية.

 

في الولايات المتحدة لم يحدث أن كان هناك حزب ثالث يهدد هيمنة الحزبين. صحيح يوجد عدد من الأحزاب الهامشية قدموا مرشحيهم للرئاسة في الانتخابات الأخيرة حيث وصل عدد المرشحين في الولايات الخمسين إلى خمسة عدا عن عدد كبير من المرشحين في بعض الولايات. أما تأثيرهم في الانتخابات فيكاد يكون معدوما والنسب التي يحصلون عليها لا تكاد تذكر. فالحزبان الرئيسيان يسيطران على المشهد الانتخابي تماما ويحوزان على دعم الدولة بتخصيص الأموال والتسهيلات لحملاتهم الانتخابية ووسائل الإعلام تكاد تنسى تماما أن هناك مرشحين آخرين غير المتسابقين عن الحزبين الكبيرين. كما أن الحزبين الرئيسين يسيطران على المجلسين. وقد تحدث معجزة وينتخب شخص مستقل من خارج الحزبين الرئيسيين.

 

وقد كانت المناظرات بين المرشحين جميعا تسمح لمرشح ثالث أن يكون موجودا كما حدث مع روس بيرو في المناظرة عام 1992 مع بيل كلينتون وجورج بوش الأب. غير أن الحد الأدنى للمشاركة في المناظرات إرتفع إلى نسبة 15% وذلك لاقصاء أي مرشح ثالث من المشاركة في المناظرات ومخاطبة ملايين الأمريكيين على قدم المساواة مع الآخرين.

 

والتفسير الموضوعي لبقاء هيمنة الحزبين هو نظام الفائز يأخد كل شيء.

 

ثالثا – المال والغاء سقف قيمة التبرعات للمرشحين

 

في شهر كانون الثاني/يناير من عام 2010 اعتمدت المحكمة العليا في الولايات المتحدة قانونا جديدا يرفع الحظر على كمية التبرعات التي تقدمها الشركات للمرشحين في الانتخابات العامة. واعتبرت المحكمة أن الشركات تعامل معاملة الأفراد لأنها مكونة من أفراد ينطبق عليهم «التعديل الأول» للدستور والمتعلق بحرية التعبير (اعتمد في 15 كانون الأول/ديسمبر 1791). هذا القانون الجديد ألغى ممارسة كانت سائدة في الانتخابات الأمريكية منذ عام 1909 بوضع حد أقصى للتبرعات المسموح بها للمرشحين من الأفراد بقيمة 2600 دولار و 5000 دولار من الشركات على أن يكون المتبرع من نفس ولاية أو منطقة المرشح وأن تكون التبرعات علنية ومصرح بها. هذا القانون ساهم في نجاح أوباما في انتخابات 2008 بفضل ملايين المتبرعين على الانترنت بأقل من 50 دولارا. ولا نشك أن تمويل حملة أوباما الشعبية كانت في ذهن قضاة المحكمة العليا، والمكونة من تسعة قضاة خمسة من المحافظين وأربعة من الليبراليين، عندما أقروا القانون الجديد. فحسب القانون الجديد يجوز للأفراد والشركات أن يقدموا من الأموال المعفاة من الضرائب طبعا أي مبلغ دون حد أقصى كما يمكن للتبرع لأي مرشح في أي ولاية من الولايات الخمسين ودون الإعلان عن كمية التبرعات أو لمن قدمت التبرعات. ان هذا القانون ببساطة فتح المجال أمام كبار الأثرياء لشراء الانتخابات من خلال تمويل حملات المرشحين بكاملها.

 

لقد كان المال وما زال يلعب دورا أساسيا في الترشح للمناصب وفي فوز المرشحين بمقدار ما يصرفون على حملات انتخاباتهم. وبالكاد تجد مرشحا للمجلسين أو الرئاسة أو حكام الولايات من فقراء الطبقة الوسطى. وأكبر مثال هو وصول ترامب إلى البيت الأبيض وهو رجل أعمال خارج الإطار الحزبي ومن خارج المؤسسة السياسية وكل ما يظهر في سيرته الذاتية أنه ملياردير يتقن الصفقات التجارية. لكن للعلم فقد صرفت هيلاري كلينتون ثلاثة أضعاف ما صرفه ترامب. فقد صرف ترامب على حملته الانتخابية 239 مليون لغاية نهاية أكتوبر بينما صرفت هيلاري 451 مليون. وصرفت هيلاري على الإعلانات التلفزيونية 141.7 مليون دولار بينما صرف ترامب 58 مليون دولار. التبرعات لترامب كانت قليلة مقارنة مع كلنتون إذ إن الشارع الأمريكي لديه قناعة أنه ليس بحاجة إلى المال. وإذا جمعنا كافة تكاليف الانتخابات الأخيرة الرئاسية والتشريعية والمحلية فستصل إلى 2.9 مليار دولا وهو ما يعادل ميزانيات العديد من الدول. وكما يقال هنا «لا يحدث مثل هذا إلا في أمريكا».

 

رابعا- تهميش الأقليات

 

من أكبر مثالب الديمقراطية الأمريكية هي الكيفية التي تم التعامل فيها مع الأقليات. ولغاية نحو 150 سنة ظلت الأقلية السوداء هي الوحيدة في المشهد الأمريكي إلى أن بدأت المجموعات الإقليمية تتوافد على الولايات المتحدة بشكل كبير مع بدايات الحرب الكونية الأولى وخاصة من دول أمريكا اللاتينية.

 

يشكل البيض من أصول انغلو ساكسون نحو 62%. ويشكل الأمريكيون من أصول لاتينية حاليا 16% (2010) والسود نحو 12% والآسيويون 4%. أما السكان الأصليون فقد وصل عددهم عام 2010 إلى نحو 4.5 ملايين ليشكلوا نحو 1% وهي نسبة العرب والمسلمين نفسها.

 

كان في ذهن المشرعين الأوائل أن البلاد يملكها البيض الذين حولوها إلى دولة وانتزعوا استقلالهم من بريطانيا بعد ثورة عظيمة ولذلك ظلت بقية الأقليات وخاصة السود على هامش المجتمع وعرضة للتمييز والقتل والتعذيب. وقد كان السود يعلقون على الأشجار ويشنقون ثم يتم حرقهم لأي سبب كما أن التمييز والفصل العنصري ظل يمارس ضدهم ولبداية الستينات حيث انطلق حركة الحريات المدنية والتمرد الجماعي من الجالية السوداء في منتصف الستينات وتم إنتزاع مبدأ المساواة التامة أمام القانون عام 1965.

 

لكن القانون شيء وتطبيقه شيء آخر والأصعب من الاثنين هو خلق ثقافة عامة تقبل الآخر ولا تميز ضده. فالشعب الأمريكي بغالبيته البيضاء ما فتئ يميز ضد الأقليات. وقد تستهدف أقلية بعينها في فترة معينة ثم يتم إستبدالها أو اضافة أقليات أخرى عليها حسب المرحلة والأوضاع الاقتصادية والأحداث الأمنية كما حصل مع اليابانيين في الحرب العالمية الثانية. وقد دخل العرب والمسلمون هذه الخانة في العقود الأربعة الأخيرة وخاصة بعد ثورة الخميني وحجز الرهائن الأمريكيين مرورا بعمليات القاعدة وما فرخت من جماعات إرهابية متطرفة ضربت في عمق الولايات المتحدة وخاصة عندما شاهدوا برجي التجارة ينهاران أمام عيونهم يوم 11/9 من عام 2001 ليأتي الرد بعد حروب بوش وما تبعها من حروب أوباما غير المعلنة في 9/11 من عام 2016 بانتخاب من يختزن كل تجربة العنصرية ضد الأغيار وهو الرئيس الخامس والأربعون لهذه البلاد.

 

 

 

عبد الحميد صيام

 نيويورك – «القدس العربي»:

 

المصدر: القدس العربي

تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع