أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » كيف نستوعب الصليبية الجديدة؟
كيف نستوعب الصليبية الجديدة؟

كيف نستوعب الصليبية الجديدة؟

أبدأ منطلقا من علم اللغة التاريخي بالقول إن صفة “الصليبية” تحولت في اللغة الإنجليزية لتكون صفة للجوهري من الأمور، لكن اللفظ لم يفقد معناه الأصلي الذي ينسب الشيء أو يصفه بشكله الصليبي (كالرباط الصليبي الذي كثيرا ما يعاني لاعبو كرة القدم من تمزقه) أو الذي يستدعي تسمية تاريخية للحروب التي رفعت راية الصليب لتستنهض همة شعوب أو قبائل أوربا لحرب الشرق المسلم بما فيه من أغلبية مسلمة وأقليات مسيحية متحالفة معها.

وحين صدرت الكلمة عن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في وصفه المنفعل للحرب على من تسببوا في11 سبتمبر/أيلول فقد اضطرت الإدارة الأميركية بعدها مباشرة للإشارة إلى أنه قصد “المعنوي” لا “التاريخي”؛ ومنذ ذلك الحين أصبحت الأدبيات السياسية الأميركية في غاية الحذر تجاه مثل هذه الألفاظ بمعانيها الموحية والمستدعية لتراث بغيض من تاريخ حروب وصراعات لا يجادل مفكر منصف -مهما كان انتماؤه- في أنها كرست التخلف القيمي، وعوقت التقدم الإنساني لسنوات طويلة.

لكن روح الانتقام العدائي التي اجتاحت بعض الأوساط الأميركية في أعقاب 11 سبتمبر سرعان ما أكدت على فكرة الصليبية الجديدة باعتبارها معادلا موضوعيا لما نسميه في العلم التجريبي “نموذجا خوارزميا” كفيلا بالجمع بين الانتصارين المعنوي والمادي على ما يمكن اعتباره بمثابة انتصارات بازغة لجماعات أو مجتمعات إسلامية هنا أو هناك؛ وقد تعددت الأمثلة على روح هذا النموذج الخوارزمي الجديد على الرغم من أن المستهدف فيه لم يرتبط برباط عملي أو عضوي؛ وفي هذا النسق العدائي انتظمت مجموعة من التصرفات العدائية غير المبررة كانت لبعضها إرهاصات سابقة حتى على أحداث ١١ سبتمبر.

وعلى سبيل المثال فإنه لما فازت شركة موانئ دبي بمناقصة لإدارة ميناء أميركي بارز قامت الدنيا في الأوساط الأميركية بسبب هذا الفوز ولم تقعد إلا بعد إلغاء أثر هذا الفوز دون أن تعوض الشركة الفائزة بما تستحق عن جهدها التحضيري الذي حقق الفوز ودون أن تستمتع به؛ وقد استدعى هذا إلى الأذهان حربا ضروسا شنت قبلها بسنوات على بنك الاعتماد والتجارة الذي كان قد حقق في انتشار خدماته نجاحات غير مسبوقة، وحشدت لتلك الحرب مجموعة من الدعاوى المضخمة حول مخالفات مزعومة للبنك مقترنة بالحديث المكرر عن الخلاف حول مدى كفاءة الباكستانيين (المسلمين) في شئون المصارف.. الخ.

وعلى صعيد ثان فإن التاريخ يسجل أن التعليقات الغربية كانت قد التزمت أكبر قدر من “التحفظ الكظيم” بدلا من “الرصد الأمين” تجاه تجربة مهاتير محمد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في ماليزيا لكنها لم تكن على أية حال سعيدة بهذه التجربة؛ وبذلت الآليات الأميركية جهودها الحثيثة وغير المنظورة لإفشال هذه التجربة عبر وسائل مباشرة وغير مباشرة؛ حتى وصلت الذروة فيما اتخذته من إجراءات كفيلة بإنهاء حلم النمور؛ عبر تفصيلات كثيرة؛ وأذكر يومها أنني كتبت بكل صراحة مقالا تحت عنوان “هل النمو الإسلامي هو المستهدف في ماليزيا”؟

وفي ميدان ثالث فوجئت الأوساط الاقتصادية بحروب إعلامية (أقرب ما تكون إلى الأسلوب الدعائي الأكثر شيوعا في الطراز الإعلامي القديم) تنبنى مزاعمها على أطراف أو قبسات، مما يبدو وكأنه صدى لحقائق علمية جديدة يبالغ مرددوها في تصوير أثرها دون ضبط للتصورات أو التوقعات وذلك لغرض في نفس يعقوب كما يقول التعبير الجميل؛ وكان من أبرز تجليات هذه الفكرة: الحديثان المضخمان عن البترول الصخري وعن استخدام الإيثانول بديلا للبترول؛ ولم يكن لهذين الحديثين الزاعقين إلا غرض واحد هو التمهيد للعسف الشديد بآليات تسعير البترول على الرغم من أن أسعار البترول لا تزال دون المستويات العادلة بمنطق السوق.

ومع تنامي هذه الحرب الخفية وامتدادها إلى روسيا بالتبعية بدأت الأوساط الغربية تسريب الحقيقة المطمورة وهي أنه آن الأوان لسحب بساط الثراء من تحت أقدام دول إسلامية بدأت فيها موجات الوعي الذكي بالمصلحة الاقتصادية مع أن هذه الموجات تنامت لأسباب تنموية ومحلية قبل أن تكون لأسباب دينية أو إسلامية.

وفي ميدان رابع لم يشهد التاريخ الإنساني انقلابا على الذات على نحو ما حدث للتراث السياسي الأميركي على يد باراك أوباما وإدارته في فترته الرئاسية الثانية؛ فقد جاء سلوك أوباما وجون كيري والبنتاغون تجاه تطورات الأمور في منطقة الربيع العربي أدنى من كل التوقعات والآمال بالنسبة لسلوك دولة مؤثرة (فما بالك إذا كانت هي الدولة الأولى).

ومع أن السياق السياسي قد يغفر على مضض اللجوء مرة أو مرتين إلى البراغماتية في تناول دولة ما -ولا نقول دولة عظمى- لقضية من القضايا فإن هذا السياق السياسي -من باب حفاظه على الاتساق مع ذاته- لا يستسيغ تكرار اللجوء المتكرر إلى البراغماتية -بتناقضاتها المتوقعة- في كل خطوة؛ وإلا تحول السياق السياسي للدولة من أسلوب القافلة إلى قطع الطريق؛ أو من التجارة إلى الغصب.

وهكذا فإن هذا التحول في السياق السياسي الذي وصل حد “الانقلاب” انتهى بأميركا اليوم في نهاية عهد المناور المحترف أوباما وقد وجدت سياساتها في سوريا متورطة في كل الجرائم الإنسانية بحكم عامل جوهري واحد هو خيانتها لثقة من وضعوا ثقتهم -أو على الأقل أملهم- فيها.

ومع أن هذا التورط بدا محققا -بطريقة غير مباشرة وغير منكرة- لرغبات صليبية دفينة، فإن كشف الوقائع العلنية المتتالية لهذا التورط -وبصفة خاصة بفضل سطوة الإعلام الجديد في الوصول إلى التفصيلات الدقيقة- قد مثل خسارة فادحة لأسلوب ودعاوي الأميركيين عبر سبعين عاما منذ بدأ النفوذ الأميركي في تنفيذ أهدافه من خلال استناده إلى الصورة النموذجية التي رسمها لنفسه: معنيا بالإنسانية، مناديا بالديموقراطية، نصيرا لحقوق الإنسان.. الخ، لكن أوباما وقادة إدارته الثانية انتهجوا النهج المناقض صراحة لكل هذا التاريخ واعترفوا بهذا “مرة من بعد أخرى” صراحة وتلميحا.

وقد تواكب هذا مع ما حدث في ميدان خامس، فقد كان الإخراج السياسي للاتفاق النووي مع إيران نوعا من إعلان الحرب بسفور على الإسلام؛ وذلك على الرغم من أن الإدارة الأميركية لم يكن يعوزها من التقنيات المسرحية ما تجعل به هذا الاتفاق يبدو به وكأنه تقارب أميركي إسلامي؛ لكن الصليبية الجديدة/الدفينة كانت أحرص ما تكون على أن تظهر الاتفاق في إطار أنه معاد للإسلام وليس متوافقا معه.

ومع أنه كان من اليسير مثلا الإشارة المخاتلة إلى أن إيران بعد باكستان هي ثاني دولة إسلامية تدخل الميدان.. الخ، فإن العكس هو ما حدث بالضبط، فحين ضبط الخليجيون أعصابهم وأمسكوا ألسنتهم لساعات عقب الإعلان عن توقيع الاتفاق كانت الإدارة الأميركية هي نفسها التي بدأت الحديث عن أن الاتفاق ليس موجها ضد دول الخليج العربي، وكأنها حريصة على الإسراع باستثارة من أراد التريث تجاه التربص.

ومن دون الدخول في التفصيلات فقد ظل هذا الأسلوب الاستثاري هو السمة الغالبة على معالجة الشكوك الخليجية حتى وصلت الأمور تباعا إلى التصريح باستعداد أميركا لتسليح الخليج ضد معقبات الاتفاق الأميركي الإيراني! ثم باستعدادها للمشاركة -مقابل مادي كبير- في الدفاع عن الخليج، وهو الخطاب الذي تطورت مفرداته على نحو فظيع ومزر في تصريحات وتهويمات المرشح الرئاسي دونالد ترامب.

وفي ميدان سادس فإنه مع كل هذه التطورات كان الوضع القلق والمقلق للانقلاب العسكري المصري كفيلا بأن يذكّر العالم الإسلامي في كل صباح بخباثة نية الأميركيين تجاه الإسلام وتجاه بلاد المسلمين، وتجاه أية تجربة إسلامية ديموقراطية أو أية تجربة ديموقراطية إسلامية، وقد حاولت الإدارة الأميركية في البداية أن تتجاهل أصداء هذه الصورة معتمدة على أثر الزمن وعلى تطبيع الأمر الواقع على نحو ما وصفوه في مناقشاتهم مع كاتب هذه السطور، لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن وأخذت الصورة المتناقضة والقلقة الهشة تترسخ يوما بعد يوم.

وساعد الانقلاب نفسه في ترسيخ صورته الحائرة وصورة الخطاب الأميركي الملبس من زاويتين: زاوية فخره ببنوته لأميركا وزواجه الكاثوليكي منها على حد تعبير وزير الخارجية المشهور، وناحية هجوم أذرعه الإعلامية من حين لآخر على أميركا بلهجة لا تخفي على المتابع الذكي مرارة السؤال الطبيعي: كيف تفعلون هذا بنا ونحن الحلفاء بل الصناع؟

وفي تطور سابع فإن الرياح أتت بما لا يشتهي البحار الأميركي مرة أخرى حين فشل الانقلاب التركي وبدا التورط الأميركي مريبا ومزعجا ثم بدت الحسرة الأميركية سافرة ومثيرة للسخرية، كما بدت بعض الانفعالات الأوربية عصبية وعصية على التمرير. ثم إن الرياح أيضا أتت بما لا يشتهي مساعدو القبطان الأميركي حين أسفرت نتائج الانتخابات في المغرب ومن قبلها الأردن وغيرهما عن ميل شعبي طبيعي وأصيل إلى كل ما ينتسب إلى الإسلام السياسي بما يمتلكه من عون فطري، وتاريخ ممتد، ومنطقية جاذبة، وتجربة مجتهدة؛ ومن سوء حظ المتعصبين (الأميركيين وغير الأميركيين من الأصوليين الجدد) أنهم أصبحوا لا يجتهدون في تجديد مرونتهم الفكرية تجاه ما يكتشفونه من أخطاء وما يكتسبونه من خبرات.

لكل هذه الأسباب التي كشفت عنها الخبرات المتوالية لم يعد هناك شك في أن الإنسانية أصبحت مهددة بنمط جديد من الصليبية غير المبررة التي تستدعي من مفكري العالم ومثقفيه وقفات متوالية من أجل تمحيص دوافعها، وتهذيب مراميها ومعرفة جدواها وتأثيرها في مسار الإنسانية المعذبة.

المصدر: الجزيرة نت