أخبار عاجلة
الرئيسية » حقيقة أم إشاعة » قصة المطرب السوري المسلم نجيب السراج وأمه الأرمنية زاروهي التي تحولت لظريفة
موقع سوريتي  يعيد  نشر  القصة ولا يمكننا  تبنيها  أو تكذيبها برسم  أولاد وأحفاد  أحمد  السراج

قصة المطرب السوري المسلم نجيب السراج وأمه الأرمنية زاروهي التي تحولت لظريفة


في الستينات، توفي (اليوزباشي) قائد الفرقة السابق في الجيش العثماني، أحمد السراج، الحموي في الأصل، من سكان دمشق، وأعلن أقرباؤه الحداد الذي دام طويلاً. فأتى الناس من حماة ودمشق ومدن وقرى أخرى وفوداً وفوداً لتعزي وتقرأ الفاتحة على روحه، وتشرب القهوة المرة. كانت مائدة عائلة السراج عامرة دائماً، فالقادمون من بعيد لا يخرجون من الدار دون أن يأكلوا الطعام ويمدحوا بالفقيد.

كان الحداد في بيت أحمد السراج عميقاً، فأبناؤه وبناته حزانى على وفاة والدهم، أما ظريفة سراج فكانت بطبيعة الحال مزعزعة لوفاة زوجها.

كان أحمد السراج أباً وزوجاً صارماً، كان أولاده يخافون التحدث أمام والدهم، أو إبداء رأيهم حتى بعدما وصلوا الى الجامعات، أما ظريفة فكانت كاللغز بالنسبة لهم، فهي لا تتكلم كثيراً، وكأنها أتت من عالم آخر. حتى أولادها لا يعلمون من أين أتت ومن هي عائلتها. فالأولاد يحلمون دائماً بلقاء أخوالهم وخالاتهم وجدهم وجدتهم من طرف والدتهم. لكن دون جدوى، لم يقل والدهم شيئاً عن ذلك ولا حتى والدتهم. كانت السيدة ظريفة قليلة الكلام ولا تتحدث. فالأولاد يدعونها بين بعضهم “ماما أبو الهول”، فملف ذلك السر الكبير كان لغزاً كبيراً بالنسبة لهم، ويعلمون أن ماما ظريفة تعيش شقاء كبيراً ولا يفهمون شيئاً.

سيمضي تيسير أحمد السراج ، وهو نور عين  وابن  ظريفة، الى حلب لتصحيح أوراق امتحانات الثانوية العامة، وقد مرت أربع أشهر على وفاة والده، وفضل أن يهيئ والدته لفراقه، فقصد والدته مع أخيه نجيب.

قرأوا الفاتحة على روح والدهم، وثم فاتحها نجيب بالموضوع، وهو الذي صار مغنياً مشهوراً، بأن أخاه سيذهب الى حلب لتصحيح أوراق الامتحانات كأستاذ موفد، وما عساها تفعل، فابنها موظف في الحكومة، عليه أن يذهب أينما يوفدونه، فاكتفت بهز رأسها. أومأ تيسير خائفاً:

– يا ماما، وبعد التصحيح سنذهب ليومين، والله العظيم يومين فقط، لكي ننسى التعب سنذهب الى كسب.

فجاء أنين ظريفة: ” الى كسب كسب؟ “، وأخذت نفساً عميقاً أخرجته من أعماق صدرها: “كسب، كسب”!!!

فقرأوا ملامح مغايرة على وجه والدتهم الذي كان دائماً محجَّبة، فتفاجأ تيسير ونجيب، فهم لا يرون دائماً وجه والدتهم حتى في البيت، والآن يرونه يتبدل. ما الذي يجري؟

” كسب، كسب “. وانهمرت الدموع من عيني الامرأة بغزارة.

– سنبقى ليلة واحدة فقط، لماذا تبكين يا ماما ؟ إن كنت تخافين فلن أذهب، وأعود من حلب مباشرة الى هنا .. أرجوك لا تبكي.

– لا، لا، يا بني، اذهب، ولم لا تذهب.

– ماذا تقولين يامو، أحقاً تقولين ذلك؟ اعطني يديك أقبلها.

وقبّل تيسير يدي والدته.

– اذهب يا بني، الله معك، فلتذهب ولتعُد بخير.

كان تيسير ونجيب ينظران الى بعضهما البعض دون أن يفهما شيئاً، لم يريا في حياتهما أمهما متحمسة الى هذا الحد. كانت ظريفة أماً مجتهدة على الدوام، وتقوم بواجبات الأمومة والمنزل على أكمل وجه. فلم يسمعوها أبداً تشتكي أو تتذمر، وكذلك لم يروها تضحك أبداً.

– إذاً فلذة كبدي سيذهب الى كسب، كسب!!! طوبى لك .

– أشكرك يامو، ولكن لماذا طوبى لي، صحيح أن كسب هي منطقة مشهورة ويثنى عليها، ولكن لماذا أنت متحمسة الى هذا الحد يا ماما..؟

– يامو، مادمت متحمسة لرؤية كسب أتريدين أن آخذك معي.فسألت ظريفة بتشدد: – ومن يعيش الآن في كسب؟

– تقريباً كل سكانها أرمن.

– أرمن، أرمن؟

– نعم يامو، وعلى الأغلب هم أناس مزارعون ومجتهدون. وهي أيضاً مكان اصطياف رائع.

– هل قلت أرمن، أرمن، ولكن هل ما زال هناك أرمن على قيد الحياة؟

– كثيرون، أينما ذهبت، أي بلد تزورينه تلتقين بالأرمن.

– ولكنه كان يكرر أنه لم يبق أرمن على وجه الأرض.

– لا، هذا خطأ، هناك أرمن بأعداد كبيرة هنا في دمشق وحلب ودير الزور واللاذقية وبيروت.. من قال لك، أي أحمق قال لك أنه لم يبق أرمن، ولماذا سيتلاشى الأرمن جميعهم.

– لقد قام الأتراك بترحيلنا وذبحنا..

نظر نجيب وتيسر الى بعضهما البعض دون أن يفهما كلمة، من كانت والدتهما؟ لماذا قالت إن الأتراك “ذبحونا”، وما علاقة والدتهم بالأرمن.

– هو، والدكم المرحوم كان يقول لي أنه لم يبق أرمني واحد على وجه البسيطة، الله يجازي الأتراك.

– يا ماما، نحن لا نفهم شيئاً، من أنت؟ وما علاقتك بالأرمن؟ سوف نصاب الجنون..

– يا أولادي، يا روحي، أنا أرمنية، أرمنية، من كسب!!

كانت الامرأة ترتعش وتبكي، وهي تمسك وجهها بين يديها، كان جسدها يرتعش ويرتجف. ماذا يقولون لهذا المخلوق الذي أنجبهم ورباهم. لقد بقيت مجهولة وغريبة. لماذا كان والدهم المرحوم يحاول دائماً إقناع والدتهم أنه لم يبق أرمني في العالم.

بكت ظريفة بعدما أطلقت سر حياتها الأكبر أو قسماً منه، وارتعشت لأنها رمت ثقلاً كبيراً عن ظهرها.

أما أولادها فلم يدركوا سبب انكماش هذه المرأة على نفسها مدة نصف قرن وإغلاق نفسها عن العالم، وحتى المقربون منها أولادها.

بعد أن بكت ظريفة، ارتاحت قليلاً، وأولادها ينظرون إليها كأنها أتت من كوكب آخر.

– يا مو، لماذا انزويت عن العالم وعنّا، ماذا تخبئين من أسرار في قلبك، كيف استطعت أن تخفيها طيلة نصف قرن.

– وكيف تريدونني أن أعيش، وماذا كنت سأفعل، تلك كانت رغبة والدكم.

– ولكن لماذا يا ماما.. كيف التقيتما، وكيف ولد الحب بينكما ومتى.. نعم، أين وجدتما بعضكما ما دمت أنت مسيحية أرمنية من كسب وهو عربي مسلم…

قاطعها نجيب وقال: – يا مو هذا مثير جداً، كم هي مثيرة قصة حياتك.

– يا بني، حياتي ليست قصة، بل رواية حزينة وطويلة..

– احكي يا أمي، انزعي الغطاء من فوق سر حياتك الكبير واروي لنا من فضلك.

خطف تيسير الكلمة من نجيب وأردف: – نعم يا أمي، لا يمكننا الانتظار.

– إن كنت سأروي القصة، فليأت الآخرون، فليأت باقي أولادي. فليعرف الجميع السر الذي أثقل قلبي مدة خمسين عاماً. فليأتوا.

– أمي على حق يا نجيب، سأذهب لأنادي عليهم.

وبعد دقائق دخل أولاد ظريفة الباقون، الابن والبنتان، ابنتها الأخرى متزوجة، وهي تسكن في حماة، ارتبك الجميع وتساءلوا عما يجري.

فسر الابن البكر لعائلة السراج نجيب وقال: – اسمعوا، ومنذ زمن، كان سكوت والدتنا الغامض لغزاً بالنسبة لنا جميعاً، فقد كانت كائناً يشبه أبو الهول، ترعانا طوال الوقت وتحبنا، ولكن نحن لم نفهم سرها، حتى لم نفهم من أين أتت ومن هي..

فتدخل الابن الثالث منذر وقال: – نعم، حتى أننا ليس عندنا خالة أو خال. وكأن هذه المرأة أتت من كوكب آخر.

– لا يا أولادي، لا يا روحي، أنا من هذه الدنيا، من هذا الكوكب.

– هل تعلمون أن والدتنا الغالية هي من كسب؟

فقاطعته إحدى البنات: – آه، طبعاً، طبعاً، كم هو مكان جميل، إنه مصيف رائع.

قال نجيب بشدة: – حسناً حسناً، اصمتوا لو سمحتم، واسمعوا. احكي من فضلك يا أمي.

– يا أولادي، كان عندي خمسة أخوة وأختان في كسب..

فسأل نجيب مندهشاً: – ماذا ؟ ماذا تقولين ؟ ونحن نحلم بخال أو خالة طيلة عمرنا.

– حسناً يا أولادي، اسمحوا ألا تقاطعوني كي أكمل القصة.. كان والدي “هوفهانيس أفاريان” نجاراً معروفاً، لم تكن عائلتنا ثرية، لكن كنا سعداء. نزلت على حياتنا صاعقة الأتراك وأرغمتنا على الخروج قسراً من بلدنا وقريتنا ودارنا، فسلكنا طريق النفي. وسرنا طويلاً وعيوننا عالقة حتى وصلنا الى قرية عين البيضا بقرب اللاذقية، فكانت أول محطة لنا.

سكتت ظريفة لوهلة، وهي تحبس تأثرها المتكدس تحت صدرها، وكانت قطرات دموعها تتجمع في عيونها، وكان أولادها ينتظرون والدتهم بصمت..

– ذهب أخي “هوفسيب” الى أمريكا منذ زمن بعيد، وذهب أخي “ديران” الى الحبشة للعمل، كنت أعيش مع والدي وأخوتي “فاهان” و”يرفانت” و”يسايي” وأختَي “أوفسانا” و”إيفرونا”. كان القرويون، وجميعهم علويون، يقطعون اللقمة من أفواههم ويضعون شيئاً في يد أخي المتسول. كانوا هم أيضاً جياعاً ومن الصعب العيش كذلك، فقررنا أن نفترق لنعيش.

وصلنا أنا وأخي “يرفانت” الى قرية فيروزية في منطقة تدعى القرداحة فاعتقل هناك أخي الشاب على أنه هرب من العسكرية وأعتقد أنهم أخذوه لينضم الى “طابور العمالة”. وبقيت زوجته القاصر وابنه في مسؤوليتي. فكنت أخرج للتسول كي أؤمن لقمة العيش لي ولكنتي.

وذات يوم، كنت أتسول في ساحة فيروزية الصغيرة، كنت أخجل من ثيابي الرثة، ولكن ماذا بإمكاني أن أفعل، كنت أفتح يدي أمام المارة وأسرد بعض التمنيات لأحصل على قطعة خبز جاف أو قروش قليلة. كنت أهرع عندما ألتقي بعساكر الجيش العثماني، فهم مفزعون. عندما كنت واقفة أمام المارة، ظهر عساكر خيالة في الساحة، فلم أتمكن من الاختفاء، وكأن قائدهم وّجه حصانه نحوي عن قصد، وأطلق السوط على ظهري شبه العاري، وترجل من حصانه وبدأ يحدق بي. وشدني من شعري الطويل ورفعني الى صهوة الحصان ثم امتطى حصانه وأخذني الى غيضة نائية. ولم تنفع احتجاجاتي، وحتى توسلاتي لم تليّنه، فقال بعيون محمرَّة:

– ستكونين زوجتي أيتها الأرمنية الخنزيرة، أتفهمين، ستكونين زوجتي.

صعقت، وأنا الفتاة المخطوبة.

1

فقاطعها نجيب وسأل: – أنت كنت مخطوبة؟ ماذا تقولين يامو؟

– نعم يا أولادي، كنت قد تخرجت من المدرسة في كسب وأصبحت معلمة، خطبني شاب أرمني من فيلاديلفيا الأمريكية يدعى “سركيس باصماجيان”، فلو لم يحدث التهجير كنا سنتزوج في صيف 1915 وأذهب معه الى أمريكا. عندما شدني (اليوزباشي) الملازم العثماني من يدي وأصر على طلبه بالزواج مني، كنت أتخيل في حالة فزعي خطيبي “سركيس” الذي ينتظرني في أمريكا، حتى أنه اشترى منزلاً صغيراً. ولكن ماذا يجري في هذا المكان الصحراوي فدموعي وتضرعاتي لا تجدي نفعاً، ولكي يحصل على غنيمته قام اليوزباشي أحمد السراج …

وسمع من كل الشفاه التساؤل: “ماذا… ماذا…”

– نعم، بعد أن قيّد والدكم يداي وقدماي رفعني على صهوة حصانه وامتطى الحصان هو أيضاً ومضى باتجاه حماة.

فأردفت أمينة إحدى البنات وهي تقول: ” في أفلام الكاو بوي الأمريكية يمكننا مشاهدة شيء مماثل”. إلا أن التلميحات التوبيخية التي أومأ بها نجيب وتيسير والآخرون جعلوا الفتاة المسكينة تتسّمر في مكانها.

– وقضيت في بيت السراج في حماة اسبوعاً بكامله دون أن أضع شيئاً في فمي، كان والدا أحمد مسلمين مؤمنين الى أبعد حد، وحاولوا إقناعي أن أتصالح مع واقعي وأرضى بأني أصبحت كنتهم. وكانوا يعدون بالخيرات ويقولون إنها إرادة الله بأن أكون كنتهم ويكرر حماي وحماتي المستقبلية: ” يا ابنتي يجب أن نتصالح مع تدبير الله”. ويضعون أمامي أشهى الأطباق ومع ذلك أنا المتسولة شبه الجائعة كنت أرفض أن آكل حتى لقمة واحدة. كنت أتذكر والدي في عين البيضا وأخوتي المنتشرين هنا وهناك، وخاصة أخي الذي سار في طابور العمالة وزوجته وطفله. كنت أتساءل عن وضعهم، وهل هم جياع أم أشباه عراة وفي مكان غير آمن. وأمام كل هذا كيف لي أن آكل من طيبات بيت السراج.

وبعد، عندما كان اليوزباشي يصر على أن أصبح زوجته كنت أفزع. وكان محبس الخطبة قد انتزع من إصبعي منذ زمن، وكنت أنا في ذلك الصيف سأتزوج من “سركيس” الذي سيأتي من أمريكا، وكان أهله جهزوا أنفسهم لزفاف فخم، وأنا بدوري قمت بتحضير الجهاز. والآن يقترح علي أن أتزوج هذا اليوزباشي. لا يكفي أنه انتزع عذريتي في قرية الفيروزية والآن هو وأهله يجبراني على الزواج منه، وفي كل مرة يكررون اقتراحهم كانت يدي اليسرى تذهب طوعاً نحو إصبع البنصر في يدي اليمنى لكي أتأكد من محبس الخطبة الذهبي، رمز حب “سركيس” الذي أتى به من الاسكندرونة، وقد انتزعه والدكم مني ورماه، وثم نهبه أحد جنوده. وكان اصبعي الفارغ يذكرني بخطيبي “سركيس” الذي ينعي فقداني في أمريكا البعيدة.

كنت أسعد حينما يذهب اليوزباشي أحمد الى عمله، وكنت أرتاح، إلا أن والدته كانت طيبة معي، ولكنها في نفس الوقت كانت عنيدة، وتكرر إصرارها أن أصبح كنتها، وغدا الحمّام حجة لتراقب جسمي، فهي لا تريد أن تزوج ابنها لعروس جسدها يحمل أي عيب أو عطب فرفعت حجابها وكشفت عن حجابها الأسود لتراني جيداً، وكانت مسرورة لأنها لم تجد على جسدي أي عيب، بل بالعكس جمال جسمي وطولي كانا يرضيانها. وعليه، أصرت أكثر.

وأخيراً، استسلمت ولم أتمكن البقاء جائعة أكثر، ولم يكن أمامي وسيلة للتهرب، وصرت زوجة أحمد. وعندما كان الشيخ ذو اللحية الطويلة يكتب ورقة الزواج كتب اسمي ظريفة.

– ما اسمك الأرمني يامو؟

– قريب من ظريفة، كان اسمي “زاروهي”، ويعني ذهب، فتاة من ذهب.

فأسرع تيسير: – أنت دوماً ذهب، وأكثر من ذهب يا أمي.

– أحسنت يا ولدي، ولكن كم كانت أيامي تمر بصعوبة، وكل مرة يأخذني والدكم الى السرير كنت أبكي وأحاول أن أقاوم، ولكن عبثاً. في كل مرة أشعر أنه اغتصاب جديد، أحياناً كنت أتخيل أن الذي يضمني هو “سركيس” ولكن عبثاً، فشعوري بالاغتصاب راودني سنين طويلة.

وصمتت الست ظريفة للحظة، كانت ترتعش، وأخيراً أخرجت السر الذي نهش بها طوال نصف قرن. وبإشارة من نجيب ذهبت ابنتها أمينة الى المطبخ وأحضرت كوباً من العصير. حضن تيسير والدته، وعلى مرأى من دموع والدتهم التي تذرف بغزارة وتسيل على وجنتيها، صمت أولادها وأعطوا والدتهم فرصة أن تفرغ ما بداخلها وترتاح. بقي كوب الشراب الدمشقي المعروف على الطاولة لمدة طويلة، فلم تمد يدها ظريفة وأولادها لم يصروا. وبعد قليل أغلقت المرأة عيونها بهدوء، فوضعوا لها الوسادة على الطرفين وابتعدوا بصمت.

تجمعوا في باحة البيت حيث كانت جدرانه عالية وهناك في الوسط بحرة صغيرة بنافورة دمشقية، مكثوا صامتين للحظات. أمسكت البنات وجوههن بأيديهن وراقبن بصمت الماء يتراقص، أما نجيب فكان يحاول أن يخبىء دموعه خلف نظارته غامقة اللون، ومنذر يهز جسمه، ودموع تيسير تسيل بغزارة بصمت وهدوء.

لا أحد يتكلم، ومن يستطيع التحدث، فعرفوا أن لديهم خالتين وخمسة أخوال، وماذا لو لم تعطيهم والدتهم أسماءهم، ما هذه المأساة.

كانوا دائماً، دائماً يلحّون عليها ويستجوبون والدتهم عن عائلتها وأقربائها، إلا أن ظريفة كانت كل مرة تنزل البرقع الشامي الداكن اللون على وجهها وتصمت. فهم لا يستطيعون السؤال أمام والدهم.

إذاً كم كانت والدتهم تعاني من فقدان خطيبها، ومن هو “باصماجيان”، وماذا كان يعمل، وهل نسي “زاروهي” وتزوج غيرها، هل نسي؟ هل سمى إحدى بناته باسم والدتهم، ولماذا كان والدهم يصر على أنه لا يوجد أرمن في العالم؟

والآن فهموا بعض الشيء عن سر غموض والدتهم. وخرجت ظريفة بعد قليل، وقد ارتاحت بعض الشيء، جلست على كرسيها الخاص بجانب البحرة ونظرت الى النافورة تتراقص، وبدأت تكمل القصة:

– هل فهمتم الآن يا أولادي، لماذا لم أكن أتحدث لكم عن أخوالكم وخالاتكم.

وأكملت دون أن تنتظر الرد:

– والدكم المرحوم، الله يسكنه فسيح جنانه ويجعله يتمتع بنوره، كان صارماً، وأراد ألا أتكلم عن ماضيّ، ولأجل أن يقربني منه أقنعني أنه لا يوجد أرمن على وجه البسيطة. قتل العثمانيون أبناء شعبي، وأنتم الآن تقولون أنه ما زال يوجد أرمن في كسب. وهل يوجد أرمن غيرهم؟

– كثيراً، هناك أرمن بأعداد كثيرة هنا في دمشق، وهناك الكثير من الحرفيين والتجار والمصورين المعروفين، وبعض أصحاب المعامل.

– وهل هناك أرمن في لبنان أيضاً؟

– هناك يوجد عدد أكبر من الأرمن، ففي بيروت فقط يصل عددهم الى أكثر من المئة ألف، وهناك عدد من النواب الأرمن في البرلمان وهناك أيضاً وزير أرمني، ولديهم أحزاب وجمعيات ..

– كان أخوتي حزبيين، ماذا كان اسمهم، أعتقد “الطاشناكتسوتيون”.

– نعم، نعم، وهناك أحزاب أخرى، فأينما ذهبت في أوروبا وأمريكا تلتقين بالأرمن. وهناك أرمن مشهورون بأعداد كبيرة، وأما في الاتحاد السوفياتي فلديهم جمهورية حيث يعيش بعض الملايين من الأرمن.

– يا أولادي، أخفى والدكم كل هذه الأمور عني، ولم يرغب أن يفقدني، فلم يترك المذياع ولا الجرائد تدخل الى البيت.

– ونحن كنا نستغرب لذلك، يبدو أنه كان يحبك كثيراً يامو ولا يريد أن يفقدك.

– عشنا في بيروت أكثر من عشر سنوات وكان بيتنا في حي خلف البرج، وطلب أن يعلق ستائر سميكة أتى بها من دمشق وعلقها على جميع النوافذ الصغيرة والكبيرة. لم يكن يدعني أن أخرج من البيت أبداً، فكان يحضر كل ما يلزمني من مأكولات شهية وخضار وافرة وبرتقال لبناني وموز وكرز وفاكهة طيبة المذاق. لم أكن أحتاج شيئاً، إلا أنني كنت سجينة.

كان أولاد ظريفة يتذكرون دارهم في بيروت، فقد كان بيتاً واسعاً في حي صغير في منطقة البسطة. وكل السكان حول البيت كانوا غير مسلمين وحتى أرمن يعيشون على بعد كيلومتر واحد منهم في مدارسهم وجمعياتهم ومحلاتهم التجارية ومسارحهم.. ووالدتهم لا تدري بوجود كل ذلك، لأنه في بيتهم كانت الصحف والمذياع ممنوعين. لم يسمح أحمد السراج لزوجته بأن تتعلم القراءة والكتابة باللغة العربية لكي لا تتمكن من إيجاد أي أثر للأرمن، فالعثمانيون لم يتركوا أي أرمني على وجه الأرض. إنما هو تزوج من أرمنية وصارت ظريفة أماً لأولاده، وهو أحمد السراج اليوزباشي في الجيش العثماني.

سألها منذر: – ألا تريدين أن نأخذك الى كسب يا أمي.

– الى كسب؟ طبعاً أريد أن أذهب، ولكني أخاف.

– مما تخافين يا أماه؟

– وماذا لو لم أجد أحداً من أهلي في كسب!

فأضاف تيسير، الابن الذي تربطه بظريفة روابط قوية: – يا أمي، أنا سأذهب الى كسب في كل الأحوال، سأبحث عن أهلك وثم نأخذك.

– أشكرك يا تيسير، وهنيئاً لك لأنك سترى مدينتنا الرائعة كسب.

– وأنت أيضاً تذهبين يا مو وترين مسقط رأسك وأقرباءك.

– أقربائي، آه، نعم، إن كانوا على قيد الحياة. أصلاً أخي “فاهان” توفي على طريق المنفى، كان أصغرنا في البيت، كم كنا نحبه جميعاً.

– وهل تتذكرين بيتكم يا أمي؟

– طبعاً، طبعاً، طيلة الخمسين عاماً التي مضت كنت أحلم ببيتنا وأقربائنا ليلاً نهاراً. يقع بيتنا خلف الكنيسة الكبيرة، فقبل التهجير كانوا بدأوا ببناء كنيسة كبيرة مواجه بيتنا، كان مبنى حجرياً جميلاً جداً، وكان جميع سكان كسب يعملون متطوعين، فشكلنا نحن الفتيات مجموعة لنجلب الماء من النبعة وكنا جميعا ننتظر انتهاء بناء الكنيسة، لكن قبل أن تنتهي الكنيسة انتهى أهالي كسب. فسلكنا طريق النفي، وضاع كل شيء، كل شيء.

وغيّم الضباب على عيون ظريفة، وغرقت المرأة في عالم الأحلام.

* * *

مضى تيسير مع مجموعة المعلمين الى حلب لتصحيح أوراق امتحانات البكالوريا، إن عمل التصحيح هو عمل مضجر، وهو أستاذ الأدب العربي كان يمضي ساعات طويلة في التصحيح، وكم كان عمل التصحيح بالنسبة لأساتذة المواد العلمية سهلاً، فطلاب الأدبي يملأون صفحات عديدة، وما عليك سوى أن تصحح، يا إلهي ما أصعبه.

طالت أيام التصحيح مدة عشرة أيام، وما إن أنهى العمل وسلم الأوراق حتى سلكت مجموعة الأساتذة الدمشقيين بعد ظهر ذلك اليوم طريق كسب بناء على إصرار تيسير.

اقترح البعض إمضاء ليلة أخرى في حلب، فكانوا يريدون قضاء الليلة برفقة الحسناوات في نادٍ ليلي، أما تيسير فكان فاقداً صبره يريد أن يصل الى كسب بأسرع وقت، ليبحث ويعثر على أفراد عائلة والدته، أو حتى على قسم منهم.

كان الطريق مضجراً ومتعباً، فقد تمكنوا من إيجاد أمكنة في باص قديم يتوقف كل دقيقة وكأنه لن يتحرك. وكان أفراد المجموعة يبدون إشارات فقدان الصبر أو يشتمونه أحياناً ويشجعونه أحياناً أخرى. ولكن عبثاً، كان الباص يسير كما يحلو له.

توقف الباص عدة مرات على طريق حلب-اللاذقية أمام مطاعم قديمة ومتسخة على أنه من أجل راحة المسافرين، ولكن في حقيقة الأمر كان السائق ومرافقه يأكلون في كل استراحة وبكل برادة. لم تكن الشتيمة من عادات تيسير، لكن هذه المرة لم يتمالك نفسه، وخرج عن طوره فأطلق شتائمه على الباص وسائقه مما أدهش رفاقه.

وصلوا الى اللاذقية مساء، فاقترح البعض قضاء الليلة هناك لحضور إحدى أفلام فريد الأطرش أو عبد الوهاب، فرفض تيسير قطعياً، وأصر أن يبحث عن أخواله، ولا يقدم تفسيراً أكثر. ورفاقه لم يبدوا فضولاً أكثر من ذلك، فكانوا يرغبون الوصول الى الفندق والعثور على فردوس ليلي. وإيجاد مكان كذلك في كسب أمر محال، وكذلك من الصعب مقاومة إصرار تيسير.

كان الطريق من اللاذقية الى كسب بشكله الملتف ودوراته الثلاث مائة الكبيرة والصغيرة وانحداراتها الفظيعة تهدد مسلك باص عمره أكثر من ربع قرن الى الأبد، ودامت الرحلة أكثر من ساعتين بدلاً من ساعة ونصف. ولكن الحمد لله، وصلوا الى كسب. كانوا قد حجزوا غرفهم في فندق “سميراميس”. وما إن اغتسل تيسير حتى وجد شخصاً يرشده الى بيت “أفاريان”. إلا أن صاحب الفندق لم ير أنه من المناسب إزعاج تلك العائلة في هذا الوقت المتأخر، فربما كانوا نياماً.

بالرغم من تعبه، لم يتمكن تيسير من إغماض جفنه. وأخيراً سيلتقي بأحد أقربائه، ربما أحد أخواله، فكان يتساءل عما سيقوله لهؤلاء الناس وماذا سيكون تصرفهم وكيف سيستقبلونه.

موقع سوريتي يعيد نشر القصة ولا يمكننا تبنيها أو تكذيبها برسم أولاد وأحفاد أحمد السراج

وفي الصباح، نزل الشاب الدمشقي باكراً قبل الجميع، فلا مكان يسعه وهو يتنقل من كرسي لآخر. فكان تيسير يجول في المكان الذي سيأخذ فيه النزلاء الفطور، وعندما وجده رفاقه حاولوا تهدئته ولكن عبثاً، فشرب عدة فناجين قهوة، وكان كل لحظة ينظر الى الساعة، وكأن عقاربها لا تتحرك ولا تريده أن يذهب الى خاله الغريب في هذا الصباح الباكر. من يدري كيف سيتصرف ذلك الرجل. اللحظات لا تتحرك.. فإن كانت حياة الناس تسير بهذا البطء، فكم هي مملة إذاً.

جال رفاقه في السوق، ولكنه رفض الانضمام إليهم، ومن جهة أخرى لم يكن يرغب الاستفسار عن خاله عن طريق صاحب الفندق أو محليين آخرين. فوضع الشاب في موقف مرتبك.

وعندما اقتربت الساعة من العاشرة، وجد تيسير، ودون مساعدة، الكنيسة التي لم يكتمل بناؤها، فبيت خاله يقع خلف المبنى الضخم، وذهب نحو بيت “يرفانت أفاريان”، وهناك في الباحة، كان بعض الأولاد يلعبون. فسألهم وهو متأكد من أنه هو البيت حسب وصف والدته: – هل هذا هو بيت “يرفانت أفاريان” ؟

فأجابه أحد الأولاد: – نعم إنه هنا.

– إذاً أين هو “يرفانت أفاريان” ؟

– إنه هنا، هاك . قال الصبي مشيراً الى صبي آخر.

– لا، لا، أنا أبحث عن رجل كبير في السن، بعمر الستين أو السبعين، أنا اسمي تيسير السراج. وتابع استجوابه دون توقف.

– وهل لجدك أخت تدعى “زاروهي” ؟

فنظر الأولاد الى بعضهم بعضاً فهم لا يعرفون، فبإشارة من كتفهم أشاروا بالرفض.

– حسناً، أين جدكم؟

فسأل أحد الأولاد: هل أذهب لأنادي عليه؟

– لا، لا تذهبوا، انتظروني كي أجفف نفسي وألبس، لا تذهبوا..

كان هذا “هوفهانيس” ابن “يرفانت” يصرخ من داخل الحمام. في تلك الأيام، كان اسم السراج غير محبب في كسب، لأن شخصاً بنفس الاسم كان أبدى قساوة فظيعة على تلك المنطقة.

مضى الأولاد، وقصدوا مكتبة ونادي أهالي كسب، حيث يجتمع فيها كبار السن والعاطلون عن العمل للعب الورق في وسط الاسبوع.

وفي ذلك اليوم، كان رفيق “يرفانت” في اللعب جاره “المختار بابي”، وكان حظ هذا الزوج ليس جيداً، فقد خسرا اللعبة الأولى والثانية.

وعند دخوله من الباب صرخ “يرفانتيك” حفيد “يرفانت” : – يا جدي، يا جدي..

فأجاب “بابي” وهو الذي لا يمكن مقاطعته ولا يريد أن يخسر اللعبة: – يا كلب، هل هذا وقتك؟ أخفض صوتك.

و”يرفانت” الكبير أيضاً ليس لديه وقت، فوصلت اللعبة الى نقطة مصيرية.

– يا جدي، أتى رجل …

فقاطعه أحد رفاقه: – أتى من دمشق.

– فليأت من الجهنم، اغربوا عن وجهي، هيا يا “يرفانت” لا تنصت إليهم…

فقد الأولاد صوابهم، فهم لا يهابون حتى من “المختار بابي”.

– يا جدي، هذا الرجل يسأل إن كان لديك أخت باسم “زاروهي”.

– “زاروهي” ؟ “زاروهي” ؟ … فاسوّدت الدنيا أمام عيون “يرفانت” وبدأت تلف، وكأنه تحّجر. فلم يحرك يديه وفي أذنيه صدى اسم “زاروهي”، “زاروهي”.

– يا “يرفانت” فلننه اللعبة، وثم نرى “زاروهي”..

صعق “يرفانت بابي” على الصوت فرمى الأوراق من يده وقفز من مكانه، وقال وهو يركض باتجاه البيت: ” طبعاً عندي أخت اسمها “زاروهي”.

فاندهش الناس في النادي وتساءلوا: – ماذا جرى لهذا الرجل؟!

– يا إلهي، “يرفانت” كان عنده أخت اسمها “زاروهي”، وكانت أجمل الجميلات.. وكانت مخطوبة لـ”سركيس باصماجيان” والمسكينة فقدت أثناء التهجير، ضاعت..

– إذاً من هو هذا الرجل المسلم الذي جاء من دمشق وسمع عن “زاروهي”؟

– هناك حل واحد. لنذهب ونرى من هو ذاك الرجل.

وارتمى الجميع نحو الخارج وسلكوا طريق “يرفانت”. لم يكن “يرفانت” قد ركض بهذه السرعة في حياته. وصل الى باحة الدار حيث ينتظره تيسير السراج، ولم يتمكن هذا الدمشقي البقاء في مكانه، فما إن دخل “يرفانت” حتى عانقه صارخاً “يا خالو، يا خالو”. ولم يجد “يرفانت” الذي حبس أنفساه كلمات تعبر عن تأثره، أما تيسير الذي وجد خاله بعد أن أمضى حياة بطولها كان أيضاً متأثراً غير قادر على الكلام.

بقيا متعانقين لعدة دقائق، وفي أثناء ذلك وصل رفاق النادي، وكلهم كانوا متأثرين ولا يتجرأون على الكلام.

وأثناء ذلك، تجمّع أولاده “يرفانت” وزوجته دون أن يفهموا شيئاً، وكان “فانيس” قد خرج من الحمام ولم تر عائلة “يرفانت” ربها بهذا الحزن.

روى تيسير عن والدته ببضع كلمات، نعم، هي الفتاة التي اغتُصبت في قرية فيروزية، لا يمكن أن يكون في الأمر أي لبس، وأعطى تيسير بعض المعلومات عن عائلته، وكانت ذات القصة التي رواها “يرفانت” بصعوبة شديدة.

كان الجميع مرتبكين ولا أحد يدري ما يقول.

– يا زوجتي، إنه ابن أختي، أحضري العيران أو القهوة أو أي شيء.

فأسرعت “أرمينوهي” ابنة “يرفانت” الصغرى الى المطبخ. فشربوا العيران وثم أتت “أرمينوهي” بالقهوة. لم يكن تيسير يرغب بشرب أي شيء، برغم من أن العيران كان طيب المذاق، فهو يسرع، عليه أن يعود الى دمشق، كي يأخذ أمه الى خاله الجديد.

وماذا بعد خاله .. ولكن أين الباقي. وقام تيسير بتسمية أخواله الباقين: “يساي” و”فاهان” و”هوفسيب”، وما زال يتذكر أسماء خالاته “إيفرونا” و”أوفسانا”، ها هو دليل آخر على أنه ليس خداعاً.

– يا خالو، علينا أن نذهب الى دمشق سوياً، والدتي تنتظرك.

ارتبك “يرفانت” ولم يدر ما يقول.

– يا ولد يا “يرفانت”، اصغي لابن أختك، أوه، أسرع غيّر ملابسك، وانطلق..

موقع سوريتي يعيد نشر القصة ولا يمكننا تبنيها أو تكذيبها برسم أولاد وأحفاد أحمد السراج

كان هذا جارهم “بابي”، وهو أحد رفاق “زاروهي” في اللعب. وكرر “المختار بابي” مراراً:

– أي، “زاروك”.

فدخل “يرفانت” بخطوات مترددة ليغير ملابسه، فهو لا يصدق لا عيونه ولا آذانه. فأخته “زاروك” التي لا مثيل لها والتي ماتت من أجلهم جميعاً طوال السنوات التي مضت، ها هي الآن حية ترزق وسيذهب لكي يلتقي بها. ماذا سيقول الأخوة الباقون “يساي” و”أوفسانا” و” إيفرونا”، وكيف سيتصرفون، وكل هذا يضعه في موقف مرتبك ولا يمكنه من تغيير ملابسه.

وفي الباحة كان “بابي” يستجوب تيسير وبأسئلة يميناً ويساراً يحاول أن يقنع نفسه بأن الدمشقي ليس خادعاً. وفي غضون ذلك تجمّع جيران آخرون، وكانت ذكرياتهم مع “زاروهي” الفاتنة والمتوفية منذ أربعين-خمسين سنة تستفيق واحدة تلو الأخرى. فيتذكر أحدهم كيف كانت “زاروك” تتأرجح على الأرجوحة المعلقة من شجرة التوت الكبيرة في الباحة وهي تغني. وآخر يتذكر كيف كانت “زاروك” تلعب لعبة “المدرسة”، وكانت تلعب دور المعلمة والآخرون طلابها. وتذكر آخر خطبة المعلمة “زاروك” من ابن عائلة “باصماجيان” الآتي من أمريكا تحت شجرة التوت القديمة في الباحة. ويومها قدموا للضيوف عصير الشراب بدلاً من الشراب العادي، وكم كانت الضيافة فخمة. فكان الكل يغار من “سركيس باصماجيان” الذي التقى بـ”زاروك” الفاتنة، ويغارون من “زاروك” أنها ستذهب الى أمريكا وتقطع البحار الواسعة لتتزوج الى أمريكا الثرية، وتعيش هناك وترسل الدولارات الى أهلها. أما الآن، ها هو ابن “زاروهي” المفقودة دون أثر أو الميتة أمامهم أتى من دمشق، فإن “زاروك” لم تكن ميتة ولم تذهب الى أمريكا.

وكان البعض يجدون تشابهاً بين “زاروهي” وتيسير”، كم يشبهان بعضهما بعضاً: الأم وابنها.

تذكر أحدهم أن “سركيس” ابن عائلة “باصماجيان” ما زال ينتظر خطيبته في “ديترويت” البعيدة. فعندما أتى “هوفسيب” شقيق “زاروهي” الى كسب ليتزوج، أوصاه “سركيس” مرات عديدة أن يجلب معه خطيبته “زاروهي”.

“هنيئاً لك يا أخي “هوفسيب”، استمتع بوقتك جيداً، ولكن لا تعود دون “زاروهي”، حتى لو كانت متزوجة ولديها أربعة أو خمسة أولاد، فليأتوا معك، أنا أستقبلهم بكل سرور، هي وأولادها، لا تعد دون “زاروهي” يا “هوفسيب” “.

يقال أن ابن “باصماجيان” ما زال يحتفظ على اصبعه البنصر الأيسر بمحبس الخطبة الذهبي الذي ألبسته إياه “زاروهي” بيدها. وهو ما زال ينتظر “زاروك”، فماذا سيقول المسكين “سركيس” وكيف سيتصرف يا ترى عندما يعلم أن “زاروهي” على قيد الحياة!

نزل “يرفانت” على الدرج وفي يده قبعته “البيريه” ويهز الأخرى، وهو يلبس ثياب العيد، كان ينزل ببطء وبخطوات متمايلة. وبخّه المختار “بابي” قائلاً: – ما هذا يا عيني، هيا، ما بالك تتحرك وكأنك عروس، هيا، انزلوا تحركوا، هيا اذهبوا.

في البداية ذهبوا الى النادي كي يتصل تيسير هاتفياً بحمص ودمشق ويبين لهم أنه سيأتي ومعه خاله الجديد، وبدوره اتصل “يرفانت باصماجيان” بالجميع “ديران” و”يساي” و”إيفرون” و”أوفسانا”. وبطلب من تيسير تم ترتيب اللقاء في دمشق. وثم انطلق تيسير من كسب ومعه خاله “يرفانت”…

وفي غضون ذلك، صارت سيرة ظهور “زاروهي” ابنة “أفاريان” حديث الناس في كسب، فكان الكثيرون وهم من جيل الشباب لم يسمعوا بهذه الشخصية، وأما الكبار في السن صاروا يتذكرون ابنة “أفاريان” الجميلة شيئاً فشيئاً، والتي كانت معلمة وخطيبة “سركيس” ابن عائلة “باصماجيان” والتي فقدت ببساطة أثناء سفر برلك.

* * *

وصل تيسير و”يرفانت” الى حماة مساءً، وكان السفر ليس سهلاً في تلك الأيام، فمن كسب الى اللاذقية كانت تسير السيارات القديمة خلال ساعتين أو ثلاث. فالذهاب الى اللاذقية أمر عسير، أما الذهاب من اللاذقية الى حماة فكان هيناً بعض الشيء ولكن ليس بالأمر السهل.

وفي حماة أخذ تيسير خاله الى منزل أخته مخلصة، وعندما مد “يرفانت” يده ليصافح ابنة أخته ليحييها كانت هي تشد يدها الى الخلف نحو صدرها.

– يا خالو، عندنا في الاسلام يمنع على النساء مصافحة الرجال، سامحها.

كانت تلك مفاجأة وأمراً جديداً بالنسبة لـ”يرفانت”. أخته أيضاً أسلمت، إذاً، مااذاااا، ألن يتمكن الأخ من معانقة أخته بعد خمسين عاماً، كانت تلك الهزة الثانية في ذلك اليوم…

أبدت مخلصة وزوجها وأولادها تعاطفاً كبيراً تجاه “يرفانت”. أراد تيسير و”يرفانت” أن يمضيا الليلة هناك، ولكن مخلصة وزوجها لم يتركانهما، فاتصلوا بالفندق في دمشق حيث سيمكث أخوة وأخوات “يرفانت” الباقون. وبقدر ما كان استقبال مخلصة سخياً بقدر ما كان حميمياً.

وفي الصباح الباكر، سلك تيسير و”يرفانت” طريق دمشق برفقة مخلصة. كان لقاء تيسير ومخلصة مع “ديران” و”يساي” و”إيفرون” و”أوفسانا” حميمياً جداً، كانت مخلصة تشد يدها الى الخلف عند مصافحتها لأخواله  ، أما خالاتها فعانقتهن وحضنتهن بحرارة وقبلتهن.

وبعدها توجه الجميع الى بيت “زاروهي”، “ظريفة” بعد الآن، الى بيت السراج. كانت نبضات قلب كل واحد فيهم مشدودة، فهم لا يعرفون ماذا ينتظرهم.

تجمع أولاد ظريفة جميعهم والعائلة كلها في البيت الدمشقي الواسع بسقفه العالي المزخرف. كان تيسير عديم الصبر ويريد أن يعرف أخواله وخالاته باخوته وأخواته.

وما إن نزلوا من السيارات، انضم أولاد ظريفة نجيب ومنذر وابنتها أمينة الى تيسير ومخلصة وأحاطوا بأخوالهم وخالاتهم، وكان اللقاء حميمياً. وفي تلك الجَمعة بقيت ظريفة وحيدة في زاويتها وكأنها ليست هناك. لاحظ نجيب الأمر.

– يا ماما، أين أنت، لماذا لا تنضمي لأخوتك وأخواتك، تعالي..

كان تيسير يحضن أمه ويقرّبها من “يرفانت” وأخوتها وأخواتها، كان شيء ما يقيّد الجميع، فهم لا يستطيعون فتح ذراعيهم لحضن بعض، ما هذا الشيء الذي لا يفسَّر، فجدار الفراق الاضطراري الممتد طوال خمسين عاماً، نصف قرن، لا ينهار. وأخيراً مدت “إيفرون” ذراعيها نحو أختها الكبيرة، وثم عانقت “أوفسانا” أختها. تردد “يرفانت” للحظة وثم فتح ذراعيه وعانق أخته. لقد انهار جدار الفراق. وبعد أن عانق الأخوة الباقون “زاروهي” أحاطوها جميعهم. وشكل الأخوة والأخوات الخمس حلقة حول أختهم الجديدة، دون كلمات، فقط دموع سخية وعناق.

كان أولاد ظريفة كذلك متأثرين ويذرفون الدموع، كانت معانقة ومصافحة والدتهم مع هؤلاء الرجال أمراً جديداً، فهم لم يروها تحضن أو تعانق والدهم، وهذا نتيجة صرامة والدهم. أما الآن، والدتهم ظريفة تبكي وتتمايل مع أخوالهم القادمين من كسب واللاذقية وتعانقهم، والدموع تسيل.. هم لم يروا أيضاً دموع والدتهم. حتى هذا الأمر كان ممنوعاً.. فهي بمناسبة وفاة والدهم فقط كان لها حرية البكاء وأطلقت العنان لدموعها.

كانت الدقائق تنزلق، والكلمات لا تخرج من أفواه الأقرباء الذين تعرفوا حديثاً على بعض، فكل واحد منهم من عالم مختلف وكوكب مختلف.

بقوا كذلك فترة طويلة متعانقين وصامتين، وطال الوقت أكثر من ربع ساعة سمعت فيها أصوات نحيب، وهم متعانقون وبعد ذلك، فكـَّت الألسنة وبدأ وابل من الأسئلة من اليمين واليسار.

كانت ظريفة أكثر شخص يُسأل، وقد نسيت اللغة الأرمنية بعد أن افترقت عن أهلها وبيتها لأكثر من نصف قرن، كانت تذكر اللهجة الكسبية، وتعبر بها حتى ولو كانت مثقلة.

كانت تطلب معلومات عن كل أخت وأخ وأحياناً توجه ذات السؤال لنفس الشخص عدة مرات، فهي مهتمة بماضيهم وحاضرهم وظروف عائلتهم.

لم يكن “فاهان” بينهم، فقد توفي على طريق التهجير قبل أن يصلوا الى حماة، وكذلك أخوها “هوفسيب” الذي توفي في أمريكا البعيدة. أما الوالد والوالدة فقد توفيا في قرية عين البيضا بقرب اللاذقية، لقد عاشا هناك لوحدهما بناء على أمر الأتراك، محرومين من أولادهما، واستطاعا العيش هناك بفضل طيبة قلب المحليين. قام الجيران العلويون بتسليم الموتى للتراب، لقد كانوا يكنّون احترماً كبيراً تجاه “الأسطة حنا” “هوفانيس أفاريان”. كان “الأسطة حنا” معروفاً عند القرويين قبل التهجير كمعلم نجار، فكان يعمل وما ينتجه دليل كبير على إبداعه وورعه، ولذلك كان المحليون يحترمونه ويأخذون إليه العمل. كانت القرية وبسبب الحرب قد أفرغت من الشبان الذين جروهم الى الجبهة للدفاع عن الامبراطورية العثمانية والسلطان. فلا أحد يرغب ببناء بيت جديد ولا يملكون الوسيلة للبناء، لكنه كان يستلم أعمالاً صغيرة.

وعندما توفي “الأسطة حنا” بسبب الشقاء والعذاب الذي لاقاه، قام القرويون بدفنه بكل احترام وتقوى.

كانت ظريفة بخيلة في قصتها، ولكن كيف ستسرد قصة اغتصابها وزواجها القسري وتغيير دينها وعذابها في الصمت الذي كفّنها به زوجها الصارم والمتعصب مدة سنين طويلة. السعادة الوحيدة التي تشعر بها هي أولادها، فقد صارت حياتها رواية لا يمكنها التحدث عنها.

وفي أثناء ذلك، طلب أولادها من أفخم المطاعم الدمشقية المأكولات الشهية والمشاوي. ولكن لا أحد يرغب بالأكل، فكان نجيب وتيسير والآخرون يصرون على أخوالهم وخالاتهم ليجلسوا على الطاولة ويقتسموا الخبز مع أختهم. لكن لا أحد يرغب، كانوا جالسين حول الطاولة ينظرون الى الطعام ولا يستطيعون الأكل. كانت “زاروهي” تصر عليهم ليأكلوا، لكنها لا تدعهم بأسئلتها، واستذكار شخص قديم كان يسبب ذرف دموعها. تجمدت المأكولات في الصحون. وكذلك أولاد ظريفة كانوا لا يأكلون ويطلبون من أقربائهم أن يأكلوا، فعندما لا يفعل هؤلاء لم يكونوا يتجرأون هم أيضاً على الأكل.

لا أحد يهتم كم من الوقت مضى، فكم كانت القصص والروايات كثيرة، وكم كان الشوق والتأثر عميقاً. وتلاشى مفهوم الزمن، فكان الصمت يحيط بهم للحظات قصيرة ويغوص كل واحد منهم في أفكاره، وبعد ذلك جاء سؤال أيقظهم طرحته “أوفسانا” : – هل تذكرين “سركيس” يا أختي؟ “.

ارتبكت ظريفة، ولوهلة مدت يدها اليمنى نحو بنصرها حيث كان محبس الخطبة الذي وضعه “سركيس” قبل سنين طويلة عربوناً لحبه، قبل عقود من الزمن.

وبعد صمت طويل استطاعت أن تسأل: – ماذا حلَّ بـ”سركيس باصماجيان”؟

وماذا سيجيبون، ومن سيجيبها. وأخيراً استطاع “يرفانت” أن يجيب: – يا أختي إنه ما زال ينتظرك.

– ما زال ؟ وهل هو على قيد الحياة؟

– نعم يا أختي، هو على قيد الحياة، ويقولون إنه يحتفظ بمحبس الخطبة الذي ألبسته إياه.

– يا حرام يا “سركس”، يا حرام …

هذه التنهيدة التي أطلقتها ظريفة من صميم قلبها لفتت انتباه أولادها، فقد حبست والدتهم قصة حبها في قلبها مدة نصف قرن بأكمله وهي تتعذب بصمت.

– وهو ما زال ينتظرك، وكلما سمع أن أحداً سيعود الى كسب يذهب لرؤيته أو يهاتفه ويطلب منه أن يأخذوك اليه، ويقول إنه حتى لو كان لديك أربعة أولاد فهو يرحب بكم جميعاً.

فنظرت “زاروك” الى أولادها الذي أتوا من كوكب آخر وعبروا جسدها وولدوا، وهناك في تلك الزاوية البعيدة، ها هو الشخص الذي كان سيكون نصفها الآخر كانت ستنجب منه كائنات جديدة بتوحدها منه.. لكن لا شيء من هذا حصل..

مر أول يوم بالقصص والروايات والدموع والقبلات. وفي تلك الليلة، كان كل واحد منهم يقظاً يتألم، متى سيمر الليل. لقد مر وجاء الصباح، وصاروا يسألون من جديد ويروون ويكررون ذات القصص والأسئلة. فهم لا يشبعون من السؤال والقص، إنها فجوة عمرها نصف قرن يجب أن تغلق وتكتمل كي يتجاسروا.

وعند سؤال “زاروك” روى “يرفانت” عدة مرات ما مر به عندما كان عضواً في “طابور العمالة” العثماني وأخذ قسراً تحت ظروف الأراضي السورية القاسية الى فلسطين ثم الى مصر حيث استطاع الهرب والعودة الى سوريا. وصار لديه زوجة وابن. وبعد ذلك اعتقل من جديد في ريف دمشق وأخذ الى مصر، وقد اعتبره رفاقه أنه كان محظوظاً جداً لأنهم لم يطلقوا عليه الرصاص، وقد التحق بالأعمال الشاقة مع أرمن آخرين، وعاد الى سوريا بعد أن انتهت الحرب. رغم أن الامبراطورية الطاغية والدنيئة انهارت، ولكن كان الرعب والخوف والجوع يحوم في السماء. بعد أن سار “يرفانت” أياماً طويلة وصل أخيراً الى عين البيضا وزار قبر والدته ووالده، فهما محظوظان لأنهما دفنا تحت التراب ولم تنهشهما الوحوش المفترسة.

استطاع “يرفانت” تدبير منشار وبعض الأدوات لصناعة الأمشاط، فكان يجمع عظام الحيوانات الضخمة نهاراً ويحولها الى أمشط ليلاً، لقد عمل طوال فترة عام حتى اشترى حماراً وبعض الأغراض، وثم أخذ زوجته وابنه ومضى الى كسب، وأعاد بناء بيته وبدأ حياته من جديد.

– كيف حال العروس؟

وأجاب “يرفانت” على هذا السؤال بسؤال آخر: – أية عروس، يا أختي؟ فزوجتي الأولى توفيت، ولك العمر المديد، بعد أن عدنا الى كسب بوقت قصير. أما زوجتي الثانية لم تعش طويلاً، وزوجتي الثالثة، أم أولادي ما زالت حية ترزق، وتنتظرك في كسب كي تتعرف عليك.

– أنا ؟ أنا ؟ وكيف لي أن أذهب الى كسب ؟

صعقت من هذه الدعوة وكأنها في مأزق السمكة التي أخرجت من الماء. فنظرت الى أولادها كأنها تطلب منهم النصيحة والمشورة.

تفَّهم الأولاد وضع والدتهم، فهذه الامرأة وبعد نصف قرن لا تجرؤ أن تعود الى موطنها، فهناك بحر من الذكريات وكذلك هناك شعور بالعار، رغم أنها صارت زوجة الغريب قسراً وارتدت عن دينها، هي التي كانت من جمعية شباب الكنيسة لدى الانجيليين ومعلمة مدارس الأحد، كيف لها أن تذهب الى موطنها الأصلي.

حضن تيسير والدته وقبلها من يديها وثم وجهها وتحدث اليها ولاطفها وحاول إقناعها، فهي لم تتمكن من إتخاذ قرارها. ماذا سيقول عنها أهل كسب، وخاصة كبار السن منهم، وعائلة “سركيس باصماجيان”. وأومأت لتأخذ بمشورة أولادها.

فشجعها ابنها نجيب قائلاً: – قولي يا الله، يامو. ولا ترفضي دعوة خالو “يرفانت”، وسيأتي معك تيسير، أتمنى أن آتي معك ولكن عندي حفلة موسيقية.

– إن دعاني خالي طبعاً أرافقك يامو، يجب أن أذهب كمرافق لك، لأنه لو سمع ذلك الشخص “سركيس” أنك في كسب فسيأتي ليخطفك يامو..

استمعت “زاروهي” الى الدعابة التي أطلقها ابنها ولم ترق لها كثيراً. فإشارة نجيب كانت كافية لكي يتيَّبس تيسير.

– البيت بيتك يا بني، أهلاً بك، لك مكانة كبيرة في قلبنا.

استعجلت “مخلصة” إحدى البنات ووجهت سؤالها لخالها: – ونحن ؟

– يا أولاد أختي، أنتم جميعاً على رأسي، ولكم مكانة على عيني، أهلاً وسهلاً.

وفي الصباح الثالث، انضمت “زاروهي” مع تيسير الى أخوتها “يرفانت” و”ديران” و”يساي” وأخواتها “أوفسانا” و”إيفرونا”، ومضوا الى كسب.

لقد انتشر الخبر في كسب، فانتظرها الأقرباء، وخاصة الناجون بعمر “زاروهي” بفارغ الصبر، وفي المساء، تجمع الناس في الكاراج لرؤية أخت “يرفانت أفاريان” المفقودة. وجاؤوا بكثرة. وانحصرت حلقة الفضوليين عندما نزل “يرفانت” والآخرون من الباص. كان الناس يرغبون برؤية تلك الكائنة عن كثب حيث بات ظهورها مفاجأة كبيرة.

كان الزوار في الأيام التالية كثراً، وعلى الأخص الناجون منهم، وكانت “زاروهي” تجد صعوبة في تذكر الجميع، لقد أخذ فضاء نصف قرن الكثير من وعيها. لقد نسيت اللغة الأرمنية وكانت تتذكر اللهجة الكسبية فقط، وكانوا يروون لها الذكريات ولا تتذكر إلا القليل. كانت تتأثر وتتأثر. وعندما جاء المدير “جوزيف” من عائلة “باصماجيان” تعّرفت عليه “زاروك” ولم تنبس ببنت شفة… فهو من أقرباء خطيبها السابق “سركيس” ، فكيف ستتكلم؟

وعندما يزدحم البيت كانت تنظر حولها وتكتشف أن الكثير قد تغير، حتى في مسقط رأسها ولكن الطبيعة تبقى هي ذاتها. فكانت الصخور المعلقة والبعيدة عن بيتهم واقفة في مكانها أعلى الجبل وكأنها تهدد، فلم تتدحرج ولم تسحق بيوت “الحج أرتين” وجيرانه.

كانت المقبرة مقابل بيتهم، والناس ما زالوا يواظبون على عادتهم القديمة، فيتوقف أصحاب المأتم على الجسر وينزلون تابوت المتوفي لاستراحة قصيرة، فهذه تكون آخر مرة يمر فيها المتوفي على الجسر. هناك، مقابل بيتهم، تتوضع الكنيسة التي بناها “كونداكجيان” بأيديه وها هي تكتمل بعد نصف قرن. نعم، لقد بادر صهر أخيها القسيس “أرداشيس” بالعمل. وقد اكتمل ذلك العمل في الذكرى الخمسين للغربة القسرية والمجازر والتهجير التي مرت بها “زاروهي” ومن أمثالها الذين لا يحصون. وهي ذاتها “زاروك” الشابة، كانت تنقل الماء بالجرة خلال بناء تلك الكنيسة. والآن بعد نصف قرن، اكتمل البناء ولكن “زاروهي” التي صارت “ظريفة” لا تملك حصة في ذلك البيت المقدس.

مهما كان العثور على الأقرباء والأهل المفقودين والطبيعة والذكريات رائعاً، إلا أن مكان “ظريفة” لم يكن هناك الآن، مكانها في دمشق البعيدة، هناك حيث صار لها بيتها القسري، وهناك أولادها وأحفادها الذين ولدوا من لحمها ودمها..

هؤلاء الأقارب المباشرون ونسلهم من الأولاد في كسب وبيروت ودمشق وأمريكا يتابعون روابطهم كأقرباء رغم الاختلاف الكبير في الدين واللغة والمفاهيم. واليوم، ترقد “زاروهي” وأخواتها وأخوتها على التوالي بالموت الطبيعي، ولكن على أفق مختلفة..

* * *

وبعد أن علم خطيب “زاروهي” السابق “سركيس” أن حبيبته “زاروهي” صارت “ظريفة”، ومن المستحيل أن تأتي اليه مع أولادها، لم يتحمل وتوفي ودفن في أمريكا البعيدة وفي إصبعه محبس الخطبة من الذهب الذي ألبسته إياه “زاروك”.

* * *

روى لي قصة “زاروهي” “آفو دير سديبانيان” ابن “مارديروس” من مدينة “أكن” ابن “إيفرونا”، وكذلك ابنه “مارديك” و”أرميني أفاريان” ابنة “يرفانت”.


  • *هل الخبر حقيقة أم إشاعة؟

  • الاسم (يمكنك استخدام اسم مستعار)

  • لماذا تعتقد/تعتقدين الخبر

تنويه : ماينشر على صفحة حقيقة أم إشاعة تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع