أخبار عاجلة
الرئيسية » فرفش » حكايتي مع الثقافة بقلم نورس محمد
1

حكايتي مع الثقافة بقلم نورس محمد

في يوم من الايام عزمني صديق عراقي (مخرج سينمائي) على ندوة ثقافية بعنوان ما بعد الحداثة. كان ضيف الشرف صبحي الحديدي. لما سمعت ندوة ثقافية حسيت حالي صرت مثقف ومستواي صار فوق البشر. يا أرض اشتدي ما في مثقف قدي. فورا رحت لأقرب سوبرماركت، على قسم المشروبات الكحولية وحفظت أسماء ماركات النبيذ. حسب خبرتي مع المثقفين العرب، يجمعهم النبيذ وتفرقهم الثقافة. وبعدها فتحت القاموس وحفظت مجموعة من الجمل، بكرروها المثقفين متل ليس هكذا تورد الإبل يا هذا، اخالفك الرأي، من حيث المبدأ، ومجموعة كلمات متل ديماغوجية، براغماتية، سيكولوجيا، ميثولوجيا، ميتا فور، وميتا اشوفك يا غائب عن عيني وحفظت أسماء أدباء عالميين متل تشيخوف، وتولستوي، البرتو كامو وجستن بيبر وليدي غاغا. لبست جاكيت تبع مثقفين. في جلسة من الجلسات ببيت نفس الصديق كان موجود الروائي السعودي عبد الرحمن منيف، طول السهرة عم يدخن غليون. اكيد الغليون جزء من شخصية المثقف لذلك حطيت بالجيبة غليون ولبست لحشة وانطلقنا عالندوة. وبعد ما أرجع من الندوة رح ادور على بناية عالية لاسكن باعلى طابق لحتى انظر للبشر نظرة فوقية ورح اطبع بطاقات (بزنز كارد) واكتب عليهم المهنة مثقف حداثي.

بالندوة قعدت بالصف الاول وفردت ادنيي متل ديش الساتلايت، بدي التقط كل كلمة بسمعها وافصفصها واتثقفها وهي فرصتي لأعرف معنى كلمة اشرأب، دوختني هالكلمة وماكنت اعرف معناتها. ادني ضربت بوجه العراقي القاعد جنبي، نكشني على كتفي وقلي: ابعد اذنك عن وجهي.
قلتله: ليس هكذا تورد الإبل يا هذا.
– لعاد كيف تورد الإبل؟
– مابعرف بس اكيد مو بالنكش.

المهم جلست وكلي اذان صاغية وكان حديث المحاضر المثقف على الشكل التالي:
إذا نظرنا الى تاريخ ما بعد الحداثة من ابعادها الزمانية لما قبل حقبة التربع الشعبوي من حيث المصطلحات والتوازنات المنبثقة عن ما بعد الثورة الصناعية الكبرى. يمكننا ان نقول بان الحرب الباردة كانت تشكل جزءا من الكينونة السيكولوجية لنفسية الشعوب الاوربية ومتزامنة مع انبثاق الوعي المنافي لأصول ووحدة الرؤية العبثية ومنزلقاتها الانعطافية ودخولها في منحنيات متشعبة ومترابطة فيما بينها وبين الثقافات المترامية الأطراف وعلى علاقتها الوثيقة بالحداثة وما بعد الحداثة. الخ الخ الخ

ساعتين ونص من هالكلام المبهم، حاولت اني القط شي جملة مفيدة، عبث. واخيرا سمعت جملة فهمتها. واحد من الحضور سأل المحاضر: عزيزنا اكو اكل ولا ماكو، اذا ماكو تنروح عالمطعم وناكل قبل مايسكرون؟
– اكو سمك مصفك.
– لعاد احنا عالبلكون ندخن شغاير لما تخلصون خبرونا.

بعدها بكم دقيقة نكشني صديقي وقلي قوم نروح، هدول شغلتهم طويلة. رجعت عالبيت متل الاطرش بالزفة، مافهمت ولا كلمة من الندوة ولا اكلت سمك مصفك ولا تعرفت على صبحي الحديدي ولا حتى عرفت معنى كلمة اشرأب. رجعت وانا عم قول لحالي “نورس اتهزم يا رجالة.

بعدها بكم اسبوع عزمني صديقي مرة تانية على ندوة تانية عن الاديب الفلسطيني ادوارد سعيد وادب البحار. على ما اتذكر اخد دكتوراه بأدب البحار. فقلت لحالي صحيح مارح افهم شي ولكن مصادقة المثقفين مفيدة. صيت مثقف ولا صيت جاهل.
رحنا على الندوة والمحاضر تحدث عن ادوارد سعيد والادب العربي، ادوارد سعيد والادب العالمي، ادوارد سعيد فوق، ادوار سعيد تحت، ادوارد سعيد على البحر، ادوارد سعيد عم يصيد سمك. ساعتين ادوارد سعيد وكانت خلاصة الندوة كلها هو الاديب اللي يسكن بقرب البحر رح يكتب عن اجواء البحر.

يعطيك العافية محاضر أفندي على الاكتشاف العظيم. طبعا اللي يسكن بقرب البحر رح يكتب عن البحر واللي يسكن بالصحراء رح يكتب عن الصحراء واللي يسكن بالغربة رح يكتب عن المغترب واللي يسكن بالمريخ رح يكتب عن المريخ. هي بدها ندوة وشهادة دكتوراه.

رجعت وعم قول لنفسي لا يلدغ الجاهل من جحر الثقافة مرتين. يا محلا الجهل. ويا محلا كلمة ما بعرف، خير الجواب ما قل وسكّت.