أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » لمى الأتاسي : الحلقات المفقودة في عقد الوئام الاجتماعي

لمى الأتاسي : الحلقات المفقودة في عقد الوئام الاجتماعي

يتسائل الكثيرين من السوريون و غير السوريون كيف وصلنا الى هذه الدرجة من التمزق و الصراعات الاجتماعية في سوريا و حتما ذات السؤال عبر في بال اللبنانيين خلال الحرب التي خاضوها فيما بينهم على مدار خمسة عشر عاما و لا بد من الجزم ان العراقي قد فكر يوما ما من على ضفاف دجلة بان الحرب التي دارت في بلاده و ما زالت تمزق العراق هي حالة غير طبيعية بل و تدل على خلل ما في بنية المجتمع العراقي كما هو حال كل مجتمعات المنطقة.

.
تسائلنا جميعا في تلك المنطقة عن هذا الخلل عن تلك الحلقة او الحلقات المفقودة في عقد الوئام الاجتماعي و تحدثنا عن الاستعمار و فقر مناهج التعليم و العنف و الفساد و مسؤلية الانظمة الديكتاتورية المتعاقبة و حجم التاريخ و تاثيره على ذاكرة الشعوب و توقف الكثير عند مسالة الانحدار في معتقدات المجتمع بالقيم الاخلاقية و في النهاية لم يتفق مجتمعنا بعد على اسباب الخلل .

.
لو سالنا اليوم موالي لنظام الاسد من اقرب المنتفعين اقتصاديا منه لاقر بان هناك خلل ما و كذلك لو سالنا اي معارض لذات النظام و من اي موقع كان لاجاب بانه هناك خلل ما ايضا و لكن سيختلف كل منهم بتعريف الخلل و اسبابه و بالتالي يختلف السوريون تماما باعطاء الوصفة السحرية او العلاج للازمة الانسانية التي تحل بمجتمعنا و تنهش في سوريتنا.

.
لنقر بان كل الشعوب مكونة من مجموعات او مجتمعات مختلفة تتعايش معا على اختلافها و لا يوجد الا قلة من الشعوب بدون اختلافات اجتمعاية او مجموعات مركبة تكونها. كان الحلم الشيوعي هو ردم الفوارق معتمدا على ردم الفوارق الطبقية المادية و لكنه في الحقيقة عندما طبق المشروع تصرف كمستعمر لانه اراد لغي الفوارق الغير اقتصادية ايضا و اراد تلوين الشعوب بلون ثقافي واحد و لباس موحد لكي ينشد الجميع ذات النشيد الاممي بنوع من القومية تماما كما هو حال الدول الكبرى التي كبرت على حساب مسح هويات ثقافية عديدة. الفارق الوحيد للمشروع الاممي هو عدم ربط الهوية الثقافية بالمميزات الاقتصادية للفئات مما كاد ان يخفف من الصراعات ما بين المجتمعات المركبة. و لكن هل تمكن الاستعمار او المشاريع الاخرى كالنازية او الاممية او حتى الاسلامية و قبلها الصليبية الاستعمارية بلغي التكتلات البشرية و المجموعات المختلفة و الهويات الثقافية للبشر؟

.
يقول بعض المفكرين في الغرب ان هناك تشابه كبير ما بين الدولة المركزية و الدولة المستعمرة و هناك كتب كثيرة و ابحاث توثق كيف تم مسح الهويات الثقافية المتعددة التي كانت موجودة في فرنسا مثلا كالهوية البروتونية و الاوكسيتانية و غيرها مانعين ابناء تلك المناطق من التحدث بلغتهم في المدارس و ممارسة اي طقوس ثقافية خاصة بهم ، في الحقيقة فقط بهذه الطريقة تواجدت الهوية السياسية المواطنية الفرنسية ، تواجدت باخترع هوية او بتكبير حجم ثقافة ما هي في الحقيقة مزيج لثقافات عديدة و تطوير لغة اصبحت مع الزمن هي اللغة الفرنسية على حساب مسح هويات ثقافية اخرى و هكذا بذات المنطق تشكلت الامبرطورية الفرنسية لتتجاوز حدودها و تستعمر دول اخرى و تحكم شعوب و تمتد في قارات عديدة. بذات العقلية التي تصرفت بها الدولة المركزية مع اهل البروتاني في فرنسا الحديثة تصرفت مع اهل الجزائر او تونس و جزر الانتيي و مناطق اخرى بعيدة. لقد قامت ثورات الشعوب المستعمرة لاسباب اقتصادية و ثقافية و لكن في الواقع لربما الجانب الاقتصادي هو الرائد للعملية التحريرية.

.
لناخذ مثل الثورة الجزائرية : ان الوعي بالانتماء لشيء اخر في الجزائر و الحاجة الماسة لتحديد و تطوير الهوية الجزائرية تزامن مع الشعور بالظلم و الاستعباد و الغبن . و لنا الحق ان نتسائل ماذا كان سيكون وضع الثورة الجزائرية لو توفر العنصر الاول اي لو ان الحكومة الفرنسية ساوت اقتصاديا و سياسيا الجزائري المسلم بالمسيحي الفرنسي المستعمر ؟

.
و هنا لابد من الاشارة لنقطة هامة تثبت ان الجانب الاقتصادي له تاثيره الكبير على المنحنى السياسي للهويات الثقافي:
قبل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي كان يوجد في الجزائر شعب مكون من مجتمعات تتعايش و من اقدمها اليهود و البربر القبائل او الامازيغ و العرب طبعا عندما دخلت فرنسا الجزائر اتت لترث الامبرطورية العثمانية هناك اي الدولة الاسلامية و كانت فرنسا انذاك تعتبر نفسها تقوم بغزو ثقافي ايضا مرتبط بالدين، و هنا نقطة جوهرية ففرنسا لم تكن انذاك علمانية بل كانت و لحد بداية القرن الحالي دولة دينية مسيحية لا يمكن ان يحكمها رجل غير معمد على ان تقر الكنيسة و المجتمع معها بشرعيته. فكان الصراع في الجزائر من الزاوية الفرنسبة استمرارية للحروب الصليبية و لكنه لم يكن كذلك من الجانب الاخر اي من طرف الجزائري المغزو و لا بد من التاكيد على ان الجزائري لم يكن يعي حجم الارث الدموي في الذاكرة الفرنسية الصليبية و لم يكن يفهم الارتباط ما بين اسلامه و الحروب الصليبية، لانه لم يشارك صلاح الدين الايوبي الكوردي بالدفاع عن بلاد المقدس و الشام و الشرق . الجزائري هويته كانت و ما زالت مرتبطة بارضه و انتمائه الاسلامي لم يكن سياسي بل كان ببساطة و تسامح يعيش بجانب اليهودي الجزائري منذ عصور. النقطة التي توكد على اولوية الاقتصاد على الهوية الثقافية هي الحالة اليهودية في الجزائر، عندما ننظر اليوم لديموغرافية الجزائر نرى بان اليهود انقرضوا و هجروا من الجزائر، رغم اننا عندما نراقبهم في بلاد المهجر التي استقروا فيها ووصلوا لاعلى المراتب، نلاحظ بانهم يملكون هوية ثقافية جزائرية اصيلة خاصة بهم تميزهم عن بقية اليهود و نتسائل لماذا لم تربطهم الروادع الثقافية بارضهم الجزائر كما ربطت الامازيغ او القبائل او البربريين او العرب ؟ لماذا الروادع الثقافية لمسلمي الجزائر من عرب و امازيغ كانت سبب لمطالبتهم بالاستقلال عن الثقافة الفرنسية و لم تكن ذات الثقافة الجزائرية هي منبع مطالبة برحيل فرنسا لدى اليهودي الجزائري؟
الجواب بسيط جدا يكمن في كون يهود الجزائر تم تمييزهم اقتصاديا عن الباقين اي عن غيرهم من المسلمين عرب او غير عرب و رغم ان فرنسا لم تساويهم بالمسيحي الفرنسي الا ان المميزات الاقتصادية كانت كافية ليقاتل اليهودي بجانب الفرنسي لبقاء فرنسا على حساب حقوق المكون المسلم و كرامته (المسلم و اليهودي هم هنا بمفهوم هويات ثقافية) ، هذا التمييز الاقتصادي من قبل المستعمر الفرنسي كان كافي ليقف اليهودي الجزائري مع مصالحه التي ظن انذاك انها مصالحه و لا نستطيع ان نحكم ما ان كان مخطئ او محق فكل يرى الامور من زاويته .. و في احدى اقوال الجنرال ديغول هناك تنبيه خاص ليهود الجزائر من عواقب وقوفهم ضد نزول فرنسا عند رغبة الجزائريين و انهاء الحرب لصالح الجزائريين .. و يحذرهم قائلا بانهم سيفقدوا الجزائر اكثر من اي فرنسي اخر و هذا ما حصل و حينها نظر اليهود لهذا الموقف انه بمثابة تخلي فرنسا عنهم و نعم .فعلا تخلت عنهم فرنسا عنهم لان فرنسا كانت غير مرتبطة ثقافيا بالجزائر اما هم ففقدوا الكثير ..

.و لا يوجد حزن يساوي حزن اليهودي على الجزائر الا حزن الفلسطيني على فلسطين و قد يجيبني البعض ان اليهودي الجزائري اختار فرنسا على الجزائر و دفع ثمن موقفه و لكن الفلسطيني لم يخير بل تم غزوه. و مع هذا لست من انصار محاسبة التاريخ و اجتراره حيث ان الماضي ليس ملكنا و لا نستطيع تغييره و من المؤكد ان الحروب لن تعطينا حاضر افضل و لا مستقبل افضل و نحن بحاجة لحاضر افضل لان زمننا على هذه الارض ضيق و ان كنا سنورث شي ما لابنائنا فليكن الامن و السلام.
هناك مراحل عديدة في تاريخ التطور البشري اجتماعيا و سياسيا و لربما من سوء حظنا اننا في تلك المنطقة الشرق اوسطية من العالم معبر للحضارات و مكان لقاء لها و بالتالي مكان صراع لها. و الحقيقة ان وزن التاريخ بات ثقيل على اكتافنا نحن البشر الذين ولدنا هناك و ندافع لبقاء ما لثقافات تلك المنطقة و لكننا ندافع في ذات الوقت عن كرامة الانسان هناك و حقه بان يعيش بمستوى اقتصادي لائق و لا بد ان نختار بين هذا و ذاك اما الثقافة و الهوية و اما الاقتصاد ، فالهويات في بلادنا اصبحت قاتلة كما يقول امين معلوف.

.
اما عن المشكلة السورية فهي واضحة للجميع هناك حرب اهلية تدور بين مكونات عديدة و هي تشبه ما عرفته المنطقة في عصور قديمة من صراعات سببها ما زال ذاته اي هو اللا توازن في توزيع الثروات و السلطة بين المكونات الاجتماعية و كثرة التقسيمات الاجتناعية

.

و لكننا اليوم المفروض ان نتمكن من ايجاد حلول اخرى غير التقاتل و العنف لان عصرنا يملك ادوات جديدة بفضل كون العقل الانساني خزن ما جعله اكبر. تماما كما تجاوزت اوروبا مرحلة الحروب و الصراعات الارثية للامارات الصغيرة على المال و السلطة و استعمال الدين و الله بامكاننا ان نجد حلول ابتكارية. و لكن لنبدا بمحاولة فهم ما يجري ليس بعين السياسي المحزب او الطائفي المنتمي بل بكل موضوعية.
لمى الأتاسي
باحثة اجتماعية

تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع