أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » كيف يعيش سكان حلب الغربية ؟ بقلم هديل كوكي عويس

كيف يعيش سكان حلب الغربية ؟ بقلم هديل كوكي عويس

لا شك أن أحياء حلب الغربية هي الأحياء الأكثر حظاً حيث كان يتمتع سكانها بخدمات أكبر قبل الثورة بسبب ارتباط مصالح بعض سكانها من تجار وصناعيين بالنظام. هذه الارتباطات أثرت على موقف سكان حلب الغربية من الانتفاضة حيث لم نجد مظاهرات مثيلة لمظاهرات درعا وادلب وحماة وريف حلب في حلب الغربية حتى المظاهرات القليلة التي قامت في تلك المنطقة كان روادها من طلبة الجامعة الغير حلبيين أو من سكان حلب الشرقية أو الريف الحلبي مع وجود بعض الشباب من حلب الغربية الذي عرف منهم كثر في الثورة حتى أن بعض منهم ذاق مرارة الاعتقال والتعذيب في سجون النظام.

أما اليوم فيعيش سكان حلب الغربية الذين يبعدون بضعة كيلومترات عن حلب المحررة المدمرة بالكامل والتي تحتل أخبارها عناوين الصحف العالمية بترقب وخوف لكن خوفهم لا يشكل شيء أمام حالة الرعب التي يعيشها أبناء حلب الشرقية القابعين تحت رحمة البراميل والنابالم، بينما أكبر مشاكل سكان حلب الغربية هي غلاء المعيشة وعدم قدرة النظام على تأمين الخدمات كالماء والكهرباء والانترنت للسكان.

كثير من الغرباء على المجتمع السوري لا يدرون من هم سكان حلب الغربية وما هي طبيعة انتماءاتهم؛ تتركز في حلب الغربية عموماً الأحياء الأكثر ثراءً في حلب ونصف سكانها من العرب السنة والنصف الاخر يتوزع ما بين مسيحيين من الطوائف الأرثوذكسية، الكاثوليكية والانجيلية والأرمن، إضافة إلى نسبة تزداد بتسارع من العلويين والشيعة الذين ينقلهم النظام من قراهم إلى مدن ما يسمى بسوريا المفيدة كحلب الغربية ودمشق.

قد يستغرب البعض إذا عرف أنه ثمة عائلات تعيش اليوم في حلب الغربية وكأنها في دبي، ترتاد أماكن السهر، وتتبضع أغلى الماركات العالمية وتأكل السوشي وتحتفل بليلة رأس السنة في فنادق الخمس نجوم التي يحييها فناني النظام، أما سوريا وما يجري فيها من جرائم مهولة تعني لهؤلاء أغنية لعلي الديك يغني فيها عن الوطن الذي سيحميه الجيش العربي السوري بسواعده وبالاستعانة بالقليل من سواعد الايرانيين والأفغان والباكستانيين والعراقيين والروس.

هؤلاء القوم ولا يقصد بهم كل سكان حلب الغربية بل قسم منهم، يكرهون ما نسميه ثورة ويسموه مؤامرة وأزمة وخراب أكثر من أي شيء آخر في الحياة، فالثورة حرمتهم من جلسات الأركيلة بجانب القلعة التي تقع على خط النار بين الجيش الحر ومقاتلي إيران وحرمتهم من مشوار الشعيبيات الى أريحا وأشياء أخرى كثيرة لا تقل تفاهة عن هذه النشاطات أمام هول مصائب السوريين الذين اختاروا الانحياز للثورة.

منذ بضعة أيام نزلت قذائف من أحياء المعارضة على حي الفيلات “الراقي” في حلب والذي كان يصل ثمن البيت فيه الى أكثر من مليون دولار بكثير قبل الثورة، القذائف التي أنكرت المعارضة أنها أطلقتها قتلت حوالي العشرة أشخاص، حلب الغربية ضجت بالخبر وغضبت لأجل الضحايا المدنيين وكأن مقتل من يقطن في الفيلات يستحق الغضب والثورة بينما مقتل المئات من الجياع يومياً في كل أنحاء سوريا بنيران روسيا والنظام السوري أمر عابر لا يستحق الوقوف عنده وتهديم البيوت والمشافي والمدارس في حلب الشرقية الجارة أمر شرعي فهؤلاء اختاروا الثورة أما نحن فاخترنا الأركيلة فلما نقتل؟

لا تفسير لهذا التناقض إلا العنصرية والطبقية القاتلة التي تعيشها مدننا منذ الأزل، الأحياء الغنية تنظر للأحياء الأقل منها بفوقية وكأنها تقول لسكانها لا تستحقون الحياة، مدينتنا دونكم أحلى، نريد أن نبقى في كنف هذا النظام الذي يسمح لنا بالأركيلة ولا نريد ثورتكم وإذا كنتم مصرين عليها فالأفضل أن يقتلكم المجرم ويخلص حياتنا المرفهة منكم ومن حريتكم!.

حلب هي مدينتي السورية المفضلة على الرغم من أني لم اولد فيها إلا أني قضيت في قسمها الغربي أحلى أيام حياتي، لكنها مدينة قاسية، الناس فيها يعشقون التجارة، الكل يريد اقتناص الفرص لذاته ويخاف على مصالحه من كل شيء وأولهم ما يسموه “الدولة” وما التصاقهم بالنظام الأمني القمعي الا خوفاً منه على مصالحهم التي تتقدم عندهم على أي شيء آخر.

حين هاجمني رجال الأمن ليعتقوني إثر توزيعي لمناشير تدعو للتظاهر في حلب الغربية، تطوع رجال حلبيون وأمسكوني ليسهل على الأمن وضعي في صندوق السيارة، هذا كله يفسر عدم انتفاض حلب التي جاءتها الثورة من ريفها لا من مدينتها كحال معظم المناطق السورية حيث تركزت المظاهرات ومن بعدها الكفاح المسلح في الأرياف لا في المدن ما خلق حالة تنافس وحقد بين سكان المدن التي بقيت على حالها دون أن يطالها الدمار وسكان الأرياف التي لم يبق فيها حجر على حجر.

ما تعاني منه سوريا ليس مجرد انقسام طائفي بل إن المجتمع السوري منقسم طبقياً ومنطقيا كذلك فكثر من سكان حلب ودمشق المدينتين عارضوا الثورة واستمروا بدعم النظام الذي يقتل جيرانهم سواء في غوطتي دمشق أو في حلب الشرقية والريف الحلبي، والأسماء المدنية الحلبية والشامية المنتمية للأكثرية السورية والتي تلعب دوراً محورياً في إدارة نظام الأسد وخدمة مصالحه كثيرة ومعروفة للجميع.

نهايةً سوريا بحاجة لعقد اجتماعي جديد يعطي كل السوريين حقوقهم على اختلاف طوائفهم وينهي الفارق الكبير بالمستوى المعيشي والنفوذ بين سكان الريف والمدينة ليقدر السوريين مجدداً على العيش معاً بسلام بعد تراكم كل هذه الأحقاد بين الناس وإلا فإن سوريا ستندثر وتضيع ولن يبقى منها سوى رقع صغيرة لا ترقى إلى تسميتها بدويلات تكون ذكرى من وطن كان أسمه سوريا.