أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » فراس الأسد يروي بألم ما شاهده عام 1980 في سجن سرايا الدفاع لأبيه رفعت الأسد

فراس الأسد يروي بألم ما شاهده عام 1980 في سجن سرايا الدفاع لأبيه رفعت الأسد

الزمان: 1980

المكان: سجن الأمن التابع لسرايا الدفاع في المنطقة الملاصقة لمطار المزة العسكري..

كنت أذهب إلى الصالة الرياضية التي تبعد أمتار فقط عن ذلك السجن، و كان المسؤول عن السجن وقتها شخص اسمه عزيز حمود، و كان رجل ضخم الجثة و ذو كتلة عضلية هائلة، و كان هذا الرجل يتدرب بشكل دائم في تلك الصالة الرياضية حيث كنت أصدفه أحيانا..

في أحد الأيام، و بينما كنت أهم بالدخول إلى الصالة الرياضية و هو يخرج منها، دعاني لرؤية ما وصفه بالسجين “المضحك جداً”..

كانت تلك هي المرة الأولى و الأخيرة التي أضع فيها قدمي داخل أي سجن..
لا أدري لماذا قبلت دعوته؟! ربما كان الفضول.. فأنا لم أكن قد رأيت سجنا من قبل!
و ربما كان السبب هو تودده و تملقه الشديدين ما جعلني أشعر بالحرج..!!
و ربما أنني ذهبت معه من دون تفكير..!

المهم.. دخلنا إلى السجن، و أمر عزيز بإحضار السجين من الزنزانة إلى بهو السجن الأمامي و القريب من المدخل الرئيسي له..

كان السجين ذو لحية طويلة جدا، و كان الوسخ قد أكله تماما، و كانت رائحته كريهة بشكل كبير، كان من الواضح أنه لم يستحم أبدا منذ عامين أو أكثر، و كان جسمه هزيلا و نحيلا و كأنه لم يشبع الطعام منذ سنين.. و مع صعوبة تقدير عمره إلا أنه كان بالتأكيد ما بين الأربعين و الخمسين..!

خاطبه عزيز حمود سائلا إياه ان كان ما يزال مصرا على الدعاء عليه كلما رآه؟ فهز الرجل برأسه إيجابا و لكنه لم ينطق بشيء. ثم استدار عزيز إلي و شرح لي بأن هذا الرجل يدعو عليه بدعاء غريب و بطريقة غريبة في كل مرة يأتي به ليضربه!!

و هنا دار بيننا هذا الحديث (تقريبا)..

– بس ليش عم تضربه و شو تهمته؟

– هادا واحد كلب ابن كلب يا أستاذ؟

– اي بس شو تهمته؟

– شو بدو يكون يا أستاذ؟ أخونجي أخو شر – – – ة!!

– بس ما فهمت ليش عم تضربوه؟

– واعيني ربك يا أستاذ ما أحلاك.. قرد هودي إذا ما أكلو قتل صبح و ضهر و عصر أبينبسطو.. و ضحك ساخراً..

لم يتركني لأطرح سؤالا جديدا، و أعتقد بأنه كان يستسخف استفساراتي، و سارع إلى القول: طيب بس خليني فرجيك شقد بضحك هالزلمة..

و نظر سريعا إلى السجين و سأله: يلا لشوف…. جاهز ع الفلقة؟

و هنا انطلق ذلك السجين فجأة في التلفظ بدعاء غريب من الواضح أنه كان يحفظه عن ظهر قلب، و كان يقوله بسرعة كبيرة جدا إلى درجة أنني لم أفهم الكثير من الكلمات، و كان يشير بيديه إلى عزيز حمود و يحركهما بطريقة معينة و كأنه ينتظر أن تنشق الأرض و تبتلع سجّانه. طبعا لم يكن المشهد مضحكا بالنسبة لي لأن السجين كان على ما أعتقد فاقدا لجزء من قدراته العقلية كما أن شكله كان يدعو للرثاء أكثر من أي شيء آخر..

كنت أنظر بدهشة شديدة إلى ما أراه حينما تفاجئت بعزيز حمود يلطم الرجل لطمة قوية رمت به إلى الأرض بسرعة البرق.. سقط الرجل أرضا و لكنه تابع بدعائه من دون توقف، و انهال عليه عزيز حمود بوابل من الركلات المتتالية التي لم تتوقف حينما صرختُ صرختي الأولى.. و ربما توقف بعد الصرخة الثالثة..!

نظر إلي عزيز حمود باستغراب شديد و قال:

– نحنا يا أستاذ حبينا نضحكك عليه مو نزعلك عليه!!

– شو هو يلي بضحك؟ ليك وجهه كلو دم و كسرتلو عضامو!!! شو بضحك بالموضوع؟!!!

– والله يا أستاذ لو بعرف قلبك رهيّف لهالدرجة ما كنت عملتلو شي قدامك!!

– طيب انت ليش بتضربو للزلمة بالأساس، يعني معقول بتضربوا تسلاية؟!! معقول جايبني لتفرجيني كيف بتضربوا و بدك ياني أضحك؟!!

هنا نظر عزيز إلى المرافق الشخصي و ضحك ضحكة كبيرة و ساخرة ما زلت أذكرها حتى يومنا هذا و لن تغيب يوما عن ذاكرتي.. كانت عيونه تقول للمرافق: لك شو هادا معلمك طيّب زيادة عن اللزوم..

ثم عاد ليجيبني: نحنا هون يا أستاذ هيك النظام عنا، المرحبا بكف، و الأهلين بلبطة، و صباح الخير بفلقة، و مساء الخير بالدولاب!

هناك أجزاء من النقاش على جانب كبير من الأهمية و لكني سوف أتركها لوقت لاحق..

المهم أن الحديث بيننا انتهى إلى اعتذاره الشديد على دعوته التافهة…

أشياء كثيرة كنتُ شاهدا عليها في حياتي و ما زالت ذكرياتها حتى يومنا هذا تنهش في وجداني و تقضم أجزاء من روحي..

أشياء أذكرها كلما رأيت اليوم طفلا تحت الركام، و كلما رأيت رجلا يحتضن طفله الشهيد، و كلما رأيت أمّاً تبكي على طفلتها التي ترتجف من الخوف..

أشياء أذكرها كلما رأيت جنازة لشهيد..
و كلما رأيت الإنسانية في وطني..
تُذبحُ من الوريد إلى الوريد!



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع